صهيل منتصف الليل للحسين الحياني

ملحمة تعيد تذكير الحاضر بالماضي

الجمعة 25 أبريل 2008 - 10:56
الحسين الحياني

بدون مقدمات، واعتمادا على ذاكرة قوية، لم تستطع السنون النيل منها، يقحمنا الحسين الحياني، في عالمه الروائي الجديد "صهيل منتصف الليل " في أجواء وفضاءات "تيسة" مركز قبائل الحياينة، المشهورة بالفروسية والتبوريدة.

حيث تختلط أحيانا، في قراها ومداشرها، روائح البارود بروائح الخيانة. وفي ما يحيل على السرد الملحمي، يطلعنا ابن "تيسة " الحسين الحياني، الروائي والأديب الذي اختطفته مهنة المتاعب عقودا من الزمن، على مجريات حقبة زمنية تمتد من نهاية القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين، يوم كانت قبائل الحياينة كلها تابعة وخادمة للجيلالي بندريس المدعو - بوحمارة - وحاملة لدعوته لأنها أمنت بتلك الدعوة، عساها تسترجع اعتبارها الوطني ، وموقعها الوازن في تقرير مسارات الأحداث التي كانت لها بها صلة.

في منطقة عرف أهلها بالفروسية والتبوريدة والتمرد ومناهضة الظلم والطغيان، سواء جاء من المعتدي الدخيل أو من أبناء البلد، سيتجدد هذا الجهاد مرة أخرى بداية القرن الماضي إلى منتصفه، لما كان المغرب محتلا من قبل الفرنسيين والإسبان إذ أبدى الأهالي شجاعة وبطولات كبيرة، قدموا خلالها التضحيات تلو التضحيات في مقاومة الغزو والاستعمار. لكن هل كانت كل هذه البطولات والتضحيات، تمر دون تخاذل أوخيانة ؟

هذا ما تحاول الرواية - الملحمة - أن تكشف عنه من خلال سرد أحداث ووقائع، تذكرنا أن ماحدث لقبائل الحياينة وهم يقاومون أو يدعون ذلك، شبيه لما حدث لأهالي كربلاء بالعراق، حين لجاء إليهم الحسين بن علي حفيد الرسول "صلعم" وهو مطارد من قبل رجال اليزيد ابن معاوية، فتخلوا عن الدفاع عنه ليتعرض وبضعة رجاله، في معركة غير متكافئة، لمذبحة كبرى لا تزال آثارها النفسية بادية على الأجيال لما يلطمون على وجوههم ورؤوسهم حزنا وكمدا على مقتل الحسين اعترافا وإحساسا بالدنب بالتخلي عنه وتقاعسهم عن حمايته، الشيء نفسه ما فعلته قبائل الحياينة " لم تحارب بجانب بوحمارة حين ثار ولم تسترخص أرواحها هباء كما فعلت قبائل غياثة والبرانس والتسول وجزء ضئيل من أطراف سكان الريف والمغرب الشرقي" – يذكرنا المؤلف- وهو ما سيلاحق هذا - المعتز بقبيلته- حين يستجمع قوته ذات يوم ويقرر أن يغامر بسؤال يطرحه على أستاذه حول الموضوع وكان الجواب "إن حركة الجيلالي بوحمارة في حاجة إلى إعادة قراءة منصفة ..على غرار ما يقرأ بشأن الريسوني والشريف أمزيان ..".

هذا الوضع المتخاذل، الذي استسلم فيه الناس من قبيلته لذلك المصير المذل لأنهم يخافون من أنفسهم.. هو ما دفع الراوي إلى الوصول إلى قناعة قاسية مؤلمة وصادمة تفيد أنه :"لا توجد قبيلة في وطني ،غير قبيلة الحياينة يأتي للعمل فيها رجل مخزن أو سلطة لا يملك شيئا، ولو مقابل تذكرة العودة إلى بيته، وبين عشية وضحاها يصبح من أصحاب الحال، ويعود من حيث أتى بالأحمال.. بل يفيض المال عن حاجته ويحوله إلى الرباط.. ويترقى قبل الأوان .."

هذه الحقائق والخلاصات التي توصل إليها الحسين الحياني، ابن منطقة عرفت بالتمرد والسيبة، صاغها في قالب روائي شيق وجميل وأسلوب ممتع أخاذ يشدك لقراءتها من بدايتها حتى نهايتها دون ملل، ويحرك فيك فضولا ورغبة في معرفة النهاية لكن أي نهاية؟.
تفتتح الرواية رأسا على سرد أحلى أسماء الإناث وأجملها في قبيلة "تيسة"، من بينها "حادة" بطلة الرواية ، حادة الجميلة ، عود الخيزران ، عنزة الأعالي والمرتفعات التي لا تتعب ستكون رمزا للتخلي والغدر. تتزوج "قدور" رمز الإقدام والشهامة والشجاعة يعيشان في وئام وسلام، إلى اليوم الذي يحل فيه "الشاوش فضول " عنوان السلطة والجبروت، يضع نفسه في خدمة الحاكم المدني الفرنسي.. تمضي الأيام تحت الاحتلال كما شاء لها مغتصبها، ذات يوم ينادي مناد بالدوار، يحث الأهالي على إجراء عملية التلقيح لأطفالهم، وهي تقف أمام "سبيطار" القرية يرمق الشاوش الجميلة "حادة" يحاول التحرش بها، ينتفض قدور لشرفه وينهر المتحرش بقوة :" اهيا الشاوش .. هاذي راها مرات الراجل"، ليكون مصيره لكمة قوية يعالجه بها الشاوش أمام أعين رجال ونساء الدوار لم يرض أهالي القبيلة بما حصل لقدور المهانة كرامته تضامنوا معه وأقسموا إلا أن ينتقموا له.. تحينوا الفرصة ونفذوا ما تعاهدوا عليه .. وصل الخبر إلى الحاكم المدني، اعتقل واحتجز كل رجال الدوار وهم تحت التعذيب لم يستطع أن ينتزع اعترافا واحدا. أوعز له أحد المتعاونين، بأن يستقدم هذه المرة، النساء كل نساء القبيلة للتحقيق
والاستنطاق، وحين استقدامهن أمرهن بأداء القسم، فلم يتلق جوابا بما يفيد البحث والاعتراف ليخلي سبيلهن .

تتواصل أحداث الرواية و يستمر"اللغز" إلى اليوم الذي يعين فيه حاكم مدني جديد من طينة الجيل الجديد، لجأ إلى سياسة الترغيب، لم يستخدم عنفا أوقوة خاصة عندما علم أن أقصى حلم الفرد الحياني أن يتبوأ موقعا في المخزن ، ومن الأشياء التي لفتت انتباهه في عقائد الناس وأمانيهم في الحياة، هي جنون الرغبة للدخول في خدمة المخزن أدرك هذا بعد سنة واحدة من مزاولته وظيفته الجديدة حين كان يستدعي الظرف تعيين مقدم أو شيخ جديد ، ولما لاحظ أن الناس في قبائل الحياينة كافة ، تتبارى لتقديم الرشاوى والعطايا وتتسابق إلى غنم المنصب مهما كلف الثمن .. قرر أن يضرب بقوة، وعن طريق سياسة الترغيب هذه والوعود تمكن من الوصول إلى مكان دفن جثة الشاوش، وبالتالي معرفة من قام بقتله وكانت النتيجة عقد محاكمة بالقرية أصدر فيها أحكاما قاسية .

كان لعودة الملك محمد الخامس من المنفى، أطيب الذكر على النفوس، إذ كان أول عمل يقوم به هو إطلاق سراح جميع المحجوزين بالمعتقلات والسجون المغربية تحت نير الاستعمار، ليستفيد معتقلو الدوار من تلك المكرمة الملكية الغالية.

وعندما عاد الحق، الممثل في إطلاق سراح "قدور" وعودته إلى القرية، كان الغدر والخيانة الممثلة في "حادة" قد زهق .."فين حادة" أول ما سأل عنه قدور. لم يتلق جوابا، عدا تعليق شبيه بالرد : "إلى بدلاتك بالرباط ، راه كاينين لالياتها فالقبيلة "من وقتها اختفى ،غاب ، لم يعد يعلم الدوار أين غرس قدور عصا الترحال.

زهق الحق وانتصر الباطل.. تلك هي النهايات المؤلمة .. لبدايات يصنعها أبطال شجعان بتضحياتهم وأرواحهم، ويشل مسيرتها متخاذلون وضعاف نفوس وخونة وأشباه رجال.

بطولات تبدأ ناصعة متوهجة مشرقة محملة بالآمال، سائرة نحو غد مشرق، يتسلل إلى سفينتها متربصون وجبناء وخونة ووصوليون، لتنتهي باهتة منزوية خافتة تلعب ضباعها على سباعها، أوليس في اليوم ما يذكر بالبارحة؟.




تابعونا على فيسبوك