اعتبر نجيب محفوظ قدوة لكل المخلصين لفنهم

نجيب سرور: لن يستطيع نقاد العالم أن يخلقوا من الأقزام عمالقة

الأربعاء 12 مارس 2008 - 12:16

من غير قصد يمنح كتاب " نادر" عن ثلاثية نجيب محفوظ كثيرا من الثقة والأمل للكتاب الشبان الذين يتجاهلهم النقاد طويلا.

إذ يقول مؤلفه الشاعر المصري الراحل نجيب سرور إن أي قوة لا تستطيع إلغاء الكاتب الحقيقي بدليل بقاء أعمال محفوظ رغم محاولات تهميشه وتجاهله.

ويقول سرور في كتاب عمره نحو 50 عاما إن محفوظ قدوة "لكل المخلصين لفنهم.. ليوقنوا كما أيقن هذا الرجل أن قوى العالم أجمع لا يمكنها أن تقتل فنانا أصيلا.. وأن نقاد العالم أجمع لا يستطيعون أن يخلقوا من الأقزام عمالقة ولا من العمالقة أقزاما وأن النصر في النهاية للإخلاص والإصرار والثقة بالنفس واحترام الكلمة."

وأصدرت "دار الشروق" بالقاهرة كتاب "رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ" ويقع في 297 صفحة متوسطة القطع.

وعلى الغلاف الأخير سجل الناشر أن هذا الكتاب "نادر" إذ نشرت فصوله في مجلة "الثقافة الوطنية" اللبنانية عام 1959 ثم كتب مؤلفه فصولا أخرى منه حتى عام 1963 وجمع الناقد اللبناني محمد دكروب هذه المقالات وحققها ونشرها في كتاب عام 1989 وأنه يتاح الآن على نطاق واسع باعتباره "رحلة ممتعة للقارئ بين عظيمين من عظماء أدبنا العربي" في إشارة إلى محفوظ وسرور (1932-1978) الشاعر والمخرج وكاتب المسرح المرموق.

ويقول سرور في الصفحة الأولى من الكتاب "إن محفوظ قدوة في كل شيء.. في السلوك والإخلاص للكتابة والإيمان بأن القيمة الفنية وحدها هي ما يبقى من الأدب.

ويضيف أن النقد الأدبي ظلم محفوظ "حين أحجم طويلا عن الحكم عليه كما ظلمه حين حكم عليه". وعلق دكروب منبها إلى أن هذا الكلام كتب عام 1959 قبل أن يصبح محفوظ ملء السمع والبصر.

لكن الثابت أن أكثر من 15 عاما من التجاهل لروايات محفوظ وقصصه لم تزده إلا إصرارا على مواصلة مشروعه وهو تأسيس الرواية العربية في وقت كان عباس العقاد يسخر فيه من فن القصة ويشدد على أن بيتا واحدا من الشعر يزن ما لا يحصى من القصص.
ومنذ مطلع الأربعينيات حتى منتصف الخمسينيات نشر محفوظ نحو عشرة أعمال ورغم تلك الغزارة فلم يتحمس للكتابة عنه إلا ناقدان هما أنور المعداوي (1920-1965) وسيد قطب (1906-1966) الذي بلغ من الحماس قدرا دفعه للقول ان محفوظ هو أمل هذا الفن الروائي الجديد.

وبعد صدور الثلاثية "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية" في منتصف الخمسينات فوجئ محفوظ باهتمام كثير من النقاد بأعماله السابقة حتى أن الناقد المصري الراحل لويس عوض (1915-1990) كتب مقالا عنوانه "نجيب محفوظ.. أين كنت" سجل فيه أن الحفاوة بمحفوظ مبررة ولكنها تدين النقاد الذين تجاهلوه طويلا.

وقال عوض "ما عرفت كاتبا رضي عنه اليمين والوسط واليسار ورضي عنه القديم والحديث ومن هم بين بين مثل نجيب محفوظ. فنجيب محفوظ غدا في بلادنا مؤسسة أدبية وفنية مستقرة قائمة وشامخة. والأغرب من هذا أن هذه المؤسسة التي هي نجيب محفوظ ليست بالمؤسسة الحكومية التي تستمد قوتها من الاعتراف الرسمي فحسب بل هي مؤسسة شعبية أيضا يتحدث عنها بمحض الاختيار في المقهى والبيت وفي نوادي المتأدبين والبسطاء."

أما عميد الأدب العربي طه حسين (1889-1973) فكتب عام 1956 عن "بين القصرين" قائلا إن محفوظ "أتاح للقصة أن تبلغ من الإتقان والروعة ومن العمق والدقة ومن التأثير الذي يشبه السحر ما لم يصل إليه كاتب مصري قبله."

وتوجت مسيرة محفوظ (1911-2006) بالحصول على جائزة نوبل في الآداب عام 1988 ولايزال العربي الوحيد الذي نالها في هذا المجال.

ويبدأ سرور كتابه بمدخل إلى رواية "بين القصرين" رافضا منهج معظم النقاد في تلخيص الأعمال الروائية لاعتقاده بأن "التلخيص عملية عدوانية تنصب على العمل الفني فتجرده من اللحم والدم وتحيله إلى هيكل عظمي لا نبض فيه ولا دفء ولا حياة" لكنه يتتبع الطريقة الفنية التي عمد إليها محفوظ في البناء الروائي.

ويقول انه يفضل الكاتب الذي لا يمنح قراءه كل شيء ويميل إلى الأعمال التي يسعى كاتبها إلى أن يشاركه قراؤه في "عملية الإبداع حين يترك لهم حرية الكشف. فمثل هذا الكاتب يكون كبير الثقة بقرائه" ومحفوظ من هذا النوع.

ويضيف أن العمل الفني لا يكتمل بمجرد فراغ المؤلف من كتابته "وإنما يبلغ تمامه بمجرد فراغ القارئ من اكتشافه. ومن هنا كان جهد القارئ لازما لإتمام جهد المؤلف" حتى تكتمل صورة العمل الأدبي بتفاعل طرفي المعادلة.

ويصف سرور البناء الفني لرواية "بين القصرين" بأنه "غاية في البساطة وغاية في التعقيد أيضا" ولهذا تستطيع "بين القصرين" أن تهز القارئ لأنها عالم رحب شامل عميق ضمن مسار روائي "مقسم إلى مجموعة من اللوحات" مجموعها 71 لوحة تمثل كل منها لحظة زمنية نابضة بالحياة.

ويضيف أن محفوظ بارع في الغوص إلى أعماق الشخصية "والإعجاز في التجسيد الداخلي" لها في حساسية تجعله في مستوى الفرنسي بلزاك والروسي نيكولاي جوجول والبريطاني تشارلز ديكنز.

ومن مهارات محفوظ في نظره أنه يركز في السرد الروائي - بتصوير موضوعي- على النمط الإنساني لا على العقدة كما يعتمد على التحليل النفسي والنقد الاجتماعي بلا صراخ ولا ميلودراما ويصبح التاريخ في سطور الرواية "حيا مشهودا" في الأحداث والطرز السائدة في العمارة والأساس المنزلي والملابس والموسيقى والغناء والتقاليد والعلاقات الاجتماعية والسياق الاقتصادي.

ويقول سرور إن محفوظ "يكتب بحيادية ظاهرة إزاء شخوصه جميعا" ويرسم لكل نموذج إنساني تناقضه الداخلي العميق وأبعاده النفسية والموضوعية المستقلة عن النماذج الأخرى "وعن شخصية المؤلف. ولا نعثر لدى نجيب محفوظ على الشخصية الوحيدة الجانب" حيث أن منطق الفن هو الصراع والتركيب بعيدا عن التسطيح والثبات.

ويرى أن هناك قطبين لازمة المرأة خلال زمن الرواية التي تبدأ أحداثها عام 1917 أحدهما ايجابي يمثله أحمد عبد الجواد والثاني سلبي تمثله زوجته أمينة والعلاقة بينهما "بين ذات وشيء. علاقة غير متجانسة وغير متكافئة وغير إنسانية قوامها الاستبداد المطلق في طرف والخضوع المطلق في الطرف الآخر. تماما كعقد الإذعان."

ويعيب سرور على "جميع النقاد" عدم انتباههم إلى الكوميديا "الواضحة والبارزة جدا" في ثلاثية محفوظ مبديا دهشته من أن خط الكوميديا "فات كل نقادنا" رغم كون الكوميديا طابعا أصيلا للمزاج المصري الذي لا تستوقفه إلا النكتة الصارخة غير المعتادة.




تابعونا على فيسبوك