قبل أربعة أسابيع من اندلاع الحرب في لبنان عام ،2006 جاء الكاتب الهولندي ذو الأصل المغربي عبد القادر بن علي إلى بيروت من أجل مهمة محدَّدة وهي تعلُّم اللغة العربية، وكتابة رواية جديدة هناك.
اختار بيروت مكاناً لأنها مدينة حرة ومفتوحة، غير أن الحرب التي اندلعت فجأة نسفت مهمته من جذورها، وانقلب مشروعه الثقافي في الكتابة وتعلُّم اللغة العربية، إلى مهمَّة الخروج من هذا المأزق الذي لم يكن في الحسبان.
وبرغم ذلك فقد بقي بن علي في بيروت حتى انتهاء الحرب التي تقاسم أيامها السوداء مع بعض المثقَّفين اللبنانيين الذين رفضوا مغادرة بيروت حتى النهاية.
يبدأ كتاب عبد القادر بن علي رسائل من المدينة المحاصرة من لحظة انفلات الحرب في الثالث عشر من شهر يوليوز 2006 وبعنوان مؤثر هو التفكير يتوقف هذه الليلة، إذ تصله رسالة »أس أم أس« من أخته في هولندا، تقول فيها : إن والده يطلب منه العودة إلى أمستردام بسرعة بسبب الحرب المجنونة، غير أنه يقابل هذه الرسالة بسخرية ستتحوَّل في نهاية الليل إلى كابوس عندما تخبرهُ أخته في بداية اليوم الثاني للحرب من خلال اتصال هاتفي عبر الهاتف النقّال أيضاً أن مخاوف أبيه قد تحققت؛ فقدت قصفت إسرائيل في الفجر وقبل ساعات قليلة مطار بيروت ....
عبد القادر بن علي الكاتب المغربي الأصل الهولندي الجنسية، أحد أبرز الكتّاب الجدد من ذوي الأصول العربية الذين يتصدّرون المشهد الروائي الجديد في هولندا، إلى أسماء أخرى عديدة من جيل الهجرة الثاني، مثل الكتّاب المغاربة حفيظ بوعزة، مصطفى ستيتو، »نعيمة البزّاز«، والشاعر الفلسطيني الأصل رمزي ناصر
في كتابه الجديد رسائل من مدينة محاصرة، يكتب بن علي يومياته إبّان الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان بعد خطفحزب الله جنديين إسرائيليين من على الحدود المشتركة بين البلدين، كان بن علي يعمل في بيروت على مشروعه الروائي الجديد عندما كانت إسرائيل تلقي قنابلها فوق سماء لبنان، وبخلاف الآخرين الذين سارعوا إلى الرحيل، قرر هو أن يمدّد إقامته رغم مطالبة والديه وأصدقائه له بالمغادرة الفورية، مبرراً ذلك في كتابه بقوله : »كانت الحرب بالنسبة إليّ ككاتب فرصة لن تعوّض، ذلك لأني كثيراً ما قرأت عن الحروب، لكنّي كنت أحياها وألمسها عن قرب للمرة الأولى في حياتي، يكتب بنعلي وقائع يومياته في بيروت بحسّ الروائي، من دون أن يتخذ موقفاً معيناً ينحاز فيه إلى فريق دون آخر، وهذا ما يوضحه في أحد الحوارات الصحافية التي أجريت معه بعد صدور الكتاب : لم يكن عليّ أن أنحاز إلى أحد الطرفين، لم أشعر أني ككاتب مطالَب بفكرة الانحياز، حاولت في يومياتي أن أصنع حكاية لمدينة وجدتُ نفسها بين ليلة وضحاها فريسة لجيش يدمّرها بترسانته الحديثة والمتطورة من الأسلحة
في مقدمة الكتاب الذي صدر في 128 صفحة من القطع المتوسط، يحاول الكاتب أن يرصد تحوّلات المدينة التي أتاها في الصيف وكانت جنّة مزدحمة بالسائحين والمصطافين، وكيف تحولت أيام الحرب إلى مدينة تتقلّص يومياً مع نزوح الآلاف من سكانها العزّل، هرباً من نيران الجيش الإسرائيلي، مشيراً إلى أنه حين سمع ما صدر عن الحكومة الإسرائيلية عقب إعلان حزب الله عن نجاحه في خطف الجنديين الإسرائيليين، من أنها سوف تعمل على معاقبة حزب الله وقادته، لم يفهم ماذا تعني كلمة عقاب التي وردت في هذا السياق السياسي، مضيفاً : العقاب الذي كنت أفهمه قبل أن آتي إلى بيروت هو المعنى الذي نتعامل به مع الأطفال، حين نضعهم في غرفة مغلقة عقاباً لهم على عدم طاعتنا«، لكن بنعلي يكتشف في بيروت أن فهمه كان قاصراً جداً لكلمة عقاب، حين شاهد على شاشات التلفزيون قنابل إسرائيل وهي تنهمر على مطار بيروت الدولي صبيحة يوم الخميس 13يوليوز 2006، وتدمّر أجزاء كبيرة منه، فيكتب آراءه ومواقفه من الحرب، ويرصد المقاومة التي لمسها من الأطفال والنساء والرجال والشيوخ وهم يذهبون إلى أعمالهم كل صباح تحت سماء تمطرهم بالقنابل والمنشورات الداعية إلى النزوح من المدينة
وعلى الرغم من السخرية التي تغلّف يوميات الكاتب الشاب في بيروت المحاصرة، لا نعدم لحظات من الأسى تسيطر عليه وعلى جمله، فيقول : جئت هنا للمرة الأولى في اكتوبر 2005، وكررت الزيارة في شهور تالية، اليوم فقط أدركتُ أني هذا الأسبوع ودّعت لبنان الهادئ الذي رأيته سابقاً، وخصوصاً بيروت التي عرفتها من قبل ثمّة زمن انتهى، استمتعتُ به قليلاً، بيروت التي كانت تفكر وتتحرك وتحاول بناء شيء ما، التي كانت تحثّ الآخرين على المجيء إليها، وتحاول أن تكون مدهشة ودافئة، وخصوصاً، مدينة من الممكن أن تجد فيها كل شيء، الجميع كان يريدها على ما هي عليه، بيروت التي كانت واحة خضراء في الشرق الأوسط، أضحت الآن مزروعة بالخراب
في إحدى صوره الكاريكاتورية، يقدّم بن علي صورة شديدة السخرية عن وزير الدفاع الإسرئيلي : عمير بيرتس الذي تظهر قبضته على العملية كلها، هاجر في العام 1956 من المغرب إلى إسرائيل، هو مثلي إذاً من أصل مغربي
نحن الإثنان من جيل الهجرة الثاني، أنا في هولندا وهو في الوطن اليهودي، ربما لو بقي بيرتس في موضع ما من جبال الأطلسي، لكنا التقينا هذا الصيف في المغرب، ربما كنت اشتريت منه سجادة أو قرأت كتابه، أو بعت أنا له سجادة، أو قرأت له بضع صفحات من أحد كتبي
الآن هو جالس في تل أبيب يحيط به قادته العسكريون، فهكذا رأيته أمس في التلفزيون بشاربيه وعينيه المغربيتين السعيدتين
قادته العسكريون يهملون وجوده تماماً، فيما يحاول أن يرسم ملامح القوة وإيهام البعض بأنه الرئيس بينهم، لكنك تستطيع بسهولة أن تشاهد الخجل وهو يمسك بتلابيب وجوده بينهم، ها هو الرجل السياسي الذي وصل إلى صدرة المكان الذي ليس له
لا ينسى بن علي أن يضع يده على مشاكل لبنان أثناء الحرب : إلى جانب الاقتصاد السيىء والبنية التحتية التي دُمرت تماماً، أصبحت لدى لبنان مشكلة أخرى؛ ألا وهي اللبنانيون الفارون من جحيم الحرب، هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم في عداد القتلى لكنهم لا يزالون يتنفّسون قليلاً، أستعيد ذكرى رؤيتي لوجوه المتحمّسين لما فعله »حزب الله« والذين شاهدتهم قبل أيام في جوار إحدى المدارس المهدّمة، فلا أرى في وجوههم ملامح هؤلاء الذين يريدون الموت أرى في عيون الأطفال طاقة ورغبة في التمتع بالحياة
يتساءل الروائي كثيراً خلال يومياته عن سبب إصراره على البقاء في بيروت التي تحترق كل يوم أكثر وأكثر أمام ناظريه، فتارة يقول إنها فرصة لن تتكرر أمامه ككاتب عليه أن يخبر كل شيء ويجرّب كلّ شيء، وطوراً يبدو وكأن الضعف بدأ يتمكّن منه، فيبدأ التفكير في الفرار على غرار جميع الرعايا الأجانب الذين أجْلتهم سفاراتهم عن بيروت في رحلات منظّمة، لكنه سرعان ما يقرر البقاء، يقول : تسألني صديقة لماذا لا أرحل؟ ليس لديّ جواب، وعدت نفسي أن أبقى هنا حتى أيلول المقبل
وعد أخذته على نفسي وأريد أن أفي به، فهنا قرّرت أن أتعلم اللغة العربية، وهنا قرّرت أن أنتهي من كتابي الجديد، لماذا إذاً أتمسك بمثل هذا الوعد في ظلّ هذه الحرب؟ من الممكن أن أذهب إلى دمشق وأقيم هناك في المعهد الهولندي حتى يتحسّن الوضع في بيروت
زوج صديقتي يقول لي إن الوضع لن يستمر أكثر من عطلة نهاية الأسبوع، فأشعر ببعض الراحة لا أريد أن أرحل من هنا
مذيعة الراديو الهولندي سألتني مساء أمس ما إذا كان لديّ ملجأ كي أختبئ فيه أثناء القصف الإسرائيلي أم لا، لم أفهم جيداً ماذا تقصد بكلمة مخبأ، لكن لو نمت الليلة فسوف أصنع لنفسي ملجأ، ملجأ في رأسي، فلا أملك غير هذا
ولد الروائي الهولندي عبد القادر بن علي في المغرب عام 1975، وهاجر برفقة أبويه إلى هولندا في العام 1979 حيث استقروا في مدينة روتردام وعمل أبوه قصاباً
كتب أولى رواياته (عرس على الشاطئ) عام 1996، وبعد سنة على صدورها رشحت، هذه الرواية، لـ جائزة ليبرس الأدبية
في السنة ذاتها فاز بن علي بـ جائزة خيرتين ليبورهاوزن عن الإصدار الأول، وحصل على منحة دراسية من جامعة لايدن حيث بزغ نجمه ككاتب أجنبي شاب وطلبته الصحافة الهولندية ليكتب فيها عموداً أسبوعيا
ثم اتجه إلى المسرح وكتب مسرحية (التعيس) التي حالفها النجاح وصدرت في كتاب بعد فترة قصيرة
في العام 2001 صدرت مجموعته القصصية (رسائل من أحشاء المدينة)، وعرضت له مسرحية (ياسر) التي هي مونولوج عن حياة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات
وفي سنة 2002 صدرت روايته الثانية (الترقب الطويل(ليفوز بـ جائزة ليبرس التي تعد من أهم الجوائز الأدبية في هولندا (ليكن الغد مشرقاً(روايته ما قبل الأخيرة صدرت منتصف عام 2005، وبعد أشهر من ذلك صدرت له رواية جديدة هي (من يستطيع طلاء الجنة؟)
ترجمت رواياته إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية واليونانية والدنمركية
يجيد عدداً من اللغات كالهولندية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية.