الجزء الأول

خبز المدينة -41-

الإثنين 08 ماي 2006 - 11:46

خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه "المغربية" بنشر فصول من الرباعية الروائية الجديدة "خرائط الروح"، التي انتهى أخيرا من إنجازها، ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تا

وطالب صديق ثان بسماع صوت الحاكي، فهو وحده الذي يقول كلاما أجمل من كل ما نقوله من كلام، ثم بادر إلى وضع الأسطوانة في الجهاز، فانطلق صوت الانسة ام كلثوم ينشر المرح ويشذو بجمال الموسيقى والغناء :

ــ على وطني المحبوب وديني.

فارتفعت أصوات الحاضرين تردد مع المطربة مقاطع الغناء، بينما عدت أنت إلى التهويم في عوالمك الخاصة، تمارس لعبة الترقب والتوجس لما ستأتي به الأيام، مستفيدا من هذه الميزة التي وهبها الله لكائناته من الليبيين، كما يقول الكبران ، عندما أراحهم من عناء التخطيط وابتداع الأفكار، وجعلهم يتصرفون وفق ما تأتي به الأحداث والأيام، مدركا بطبيعة الحال أن الأحداث لن تمضي في مسارها المألوف، وأن هناك وقائع جديدة مرشحة للظهور في حياتك عليك أن تهيئ نفسك لاستقبالها.

ولم تتأخر هذه الوقائع كثيرا، فبعد أيام قليلة من عودة الحاكم من إجازته، وأثناء وجودك في المكتب، تباشر إعداد التقارير عن الحالات التي سترفع إليه، وقف أمام بابك رجل ضخم الجسم، يرتدي البذلة العربية الكاملة، بالصديري والعباءة البيضاء والطاقية الحمراء التي يتدلى منها زر الحرير الزرق، وفوق العباءة وضع برنسا فاخرا، زيتي اللون، رغم أن الطقس لم يكن يستدعي وجودالبرنس، إلا أنه لزوم الوجاهة والابهة، وفي يده عصا من الخشب البني اللامع وسبحة من الكهرمان وخاتم بفص كبير يلمع في أحد أصابع يده ، وقد ظهرت له لحية اختلط بياضها بسوادها، زادته مهابة ووقارا، وقبل أن تقف لاستقباله وسؤاله عن الخدمة التي يريدها منك، انطلق رجل ضئيل الحجم، مسحوب الوجه كالجرد ، يرتدي بذلة افرنجية شهباء كثيرة التجاعيد، يسبقه لدخول المكتب، قائلا بصوت أشبه بالصراخ :

ــ الكومندان بشير بيك الغرياني.

دخل الرجل المهيب إلى المكتب مختالا، ووقف يدير بصره في جدرانه الأربعة، ودون أن يلقي التحية خاطبك بلهجة تحمل معاني الدونية والازدراء :

ــ هل أنت من يسمونه عثمان الشويخ ؟

لم تدر كيف تجيبه، فآثرت السكوت.

لم يكن اسم الرجل غريبا على مسامعك، فهو أحد كبار الأعيان ممن تربطهم بالإدارة الإيطالية علاقة شديدة الخصوصية.

ــ ما الذي تفعله هنا؟ ألقى في وجهك بهذا السؤال الذي كان من حقك أنت أن تتوجه به إليه، إلا أنك كتمت غيظك، واضعا في الاعتبار فارق السن بينك وبينه.

ــ اعمل هنا في مكتب شكاوى المواطنين.

ــ منذ متى تعمل في هذا المكتب ؟

ــ منذ شهر وبضعة أيام.

ــ وأين كانت الشكاوى وأين كان المواطنون قبل هذا الشهر ؟

هل ظهروا فجأة من تحت الأرض، أم أن هناك قصرا هو قصري في الشارع الغربي، ظل على مدى الأعوام يستقبلهم ويحل مشاكلهم.

ودون أي أثر للانفعال، وبلهجة هادئة، باردة، قلت له :

ـ سيادتكم تعلمون جيدا بأنني لم أقم بتعيين نفسي في هذا المكان، ولم افتح قصر الحكومة عنوة وافتح فيه مكتبا أديره لحسابي الخاص، وأن هناك مسؤولا في هذا القصر يمكن لمن لا يعجبه الحال أن يتفاهم معه.

فقال مغضبا :

ــ لقد تفاهمت معه وانتهى الأمر.

سيتولى فوزي الجلوس في هذا المكتب وإحالة ما يرد من شكاوى وعرائض لي، لاتولى النظر فيها، لأنني أدرى بشؤون الأهالي من الحاكم العام نفسه.

ورأفة بك سابقيك تعمل بالمكتب، شرط أن تلتزم بالتعليمات التي يصدرها لك فوزي
ــ إنني لا أتلقى أوامري منك ولا من تابعك فوزي، وإنما من المسؤولين في هذا القصر
كنت تريد أن تطرده من المكتب هو الجرد الصغير الذي معه، إلا أنك تعلم على وجه اليقين أن الرجل مدفوع من جهة ما لكي يتصرف بهذا الأسلوب، ويقول هذا الكلام ، فهو لا يتكلم من فراغ، ولاشك أن أية معركة تفتحها معه ستخرج منها خاسرا، فلا ضرورة لإعطائه نصرا رخيصا.

تركت له المكتب وذهبت إلى رئيس القلم الإداري، تقتحم عليه مكتبه، وتسأله في لهجة حانقة أن يحميك من تسلط رجل جاهل لا يعرف الأصول ولا يحترم قرارات الحاكم العام ولا يعطي لهذا المكان حرمته، اسمه بشير الغرياني.

خرج الرجل من رواء مكتبه، يحذف جسمه نحو الشمال ثم اليمين، يسألك أن تهدأ، وتريح أعصابك، وأمسك بيدك يقودك للجلوس على المقعد، ويطلب لك مشروبا باردا :

ــ ليبيا كلها تعرف عصبية بشير بيك.

إلا أنه رجل أبيض القلب، فلا تغضب منه ، واعتبر كلامه لك، كلام أب يخاطب ابنه
فهو ساخط ثائر، لأن الحاكم العام أنشأ مكتبا للشكاوى دون علمه، وهو الذي كان يتولى، وبشكل غير رسمي، استقبال شكاوى المواطنين الليبيين، ولكي لا يجعل الموضوع قضية خلافية، اقترح عليه الحاكم العام أن يزورك ويتفاهم معك على كيفية إدارة المكتب تحت إشرافه.

هذا كل شيء.

فاترك الأمر معي لمدة يومين فقط، وسأعرف خلالهما، كيف أرتب الأمور، بحيت تستمر أنت في عملك بالمكتب، دون تدخل من أحد، وأتولى أنا إحالة الشكاوى التي تحتاج إلى رأي بشير بيك، إليه في قصره.

تركت المكتب والشكاوى والبيك والتابع الجرد وقصر الحكومة والكاتب الأعرج وخرجت إلى الشارع يلاحقك الوجه الممسوخ لوحش »التابعة« بعينيه الحاقدتين الناريتين، ما حدث ليس معزولا عن سياقه العام، والوعد الذي أعطاه لك رئيس القلم، باستمرارك في عمل المكتب، مجرد تهدئة لخاطرك، فالطريق صار مسدودا أمامك نحو القصر الحكومي، بمثل ما أضحى مسدودا أمامك نحو بيت حورية، وما هذا إلا الإعصار الذي سيعصف بكل ما أسست عليه حياتك في هذه المدينة، لقد حقق غول »التابعة« انتصاره عليك، واطبق حصاره حولك رغم كل ما قرأته من سورة الإخلاص، لأن غول التابعة لا يعمل وحده، وإنما له جيش من الانصار والمريدين، ينتشرون في أصقاع الدنيا، ويسدون أمامك كل المنافذ والطرقات
لم تعد تدري إلى أين تتجه، وماذا تفعل بنفسك، أو تتصرف بوقتك، فلم يبق لك إلا الغرفة الرطبة في فندق الكبران، تعود إليها دون أن تدري ماذا يمكن أن تفعل بداخلها، وتتركها فلا تدري ماذا تفعل خارجها، ورأيت بعد مرور يومين من الدوران في الفراغ، أن تذهب إلى السنيور كالفي في القلم الإداري، تسأله عما حدث، فوجدته يطلب مهلة أخرى، ويطمئنك بأن مرتبك سيصرف كاملا، كما لو كنت منتظما في العمل.

كتبت له ورقة بأخذ إجازة طارئة لمدة أسبوع واحد، لكي لا يعتبر الكومندان غيابك امتناعا عن العمل، ويستصدر من الحاكم العام قرارا بطردك، استمر أصحاب الشكاوى يترددون على الفندق بشكاواهم، ولم تجد بدا من استلامها منهم والإبقاء عليها في غرفتك، دون أن تعبأ بقراءتها أو إجراء مقابلات مع أصحابها، كما كنت تفعل سابقا، وبعد يومين انصرفوا جميعا عنك، فقد جاء من طرف الكومندان من يبلغهم بأن علاقتك بمكتب الشكاوى قد انتهت.

وعندما رآك الكبران تتأخر في مغادرة الفندق صباحا، وتتخذ، عندما تغادره، اتجاها غير طريق العمل أحيانا، وعرف انك في إجازة من مكتب الشكاوي، تقضيها متسكعا على الشاطئ، ربط بين هذه الإجازة وبين مشروع الشاطئ السياحي لمدينة طرابلس الذي تتحدث عنه الصحف ويتناقل الناس أخباره، وبشكل خاص الجزء الواقع غرب الميناء الذي مازال مهملا مهجورا رغم جماله، والذي رآك الكبران أكثر من مرة تتجه إليه، فذهب في يقينه أن الحاكم العام، بما يعرفه عنك من اهتمام وارتباط بهذه المنطقة، قد عهد إليك اختيار الأماكن التي ستقام عليها المنشآت السياحية الجديدة، ولديه فكرة، ستجعل من مشروع الشاطئ السياحي لطرابلس، أسطورة من أساطير العصر الحديث، وهي إنشاء فندق في قلب البحر، والأمر، كما يقول الكبران، لا يكلف كثيرا، لأن برج أبو ليلة الذي ينتصب فوق هضبة داخل البحر موجود، والجسر الصخري الذي يقود إليه جاهز من صنع الطبيعة، كل ما يحتاجه الأمر هو وضع خطة هندسية لتطوير ذلك البناء وتحديثه واضافة طوابق جديدة فوقه وتشييد مرافق تابعة له، داخل الماء، أي بناء مقهى ومنتدى على شكل غواصة لها نوافذ زجاجية، حيث يجلس الزبائن ، بين الأسماك والشعب المرجانية والأحياء المائية، وسيكون لهذا الفندق جاذبية سياحية أكثر من الريفييرا الإيطالية
قلت ضاحكا مرددا مطلع الأغنية التي سمعتها من الحاكي :

ــ يبدو انك وقعت تحت تأثير هذا الحاكي وبالذات الأغنية التي تقول "في البحر لم فتكم، في البر فتوني".

ــ لا وأنت الصادق، المقطع الأهم هو الذي يقول »بالتبر لم بعتكم ، بالتبن بعتوني" لأن هذا مصير ما أقوله لكم من أفكار تساوي ثمنها ذهبا.

قل لي بذمتك، اليست هذه فكرة عظيمة، لا تحتاج إلا إلى رجل عظيم مثل بالبو لكي ينفذها.

رجل طيب هذا الكبران، الذي لم يفقد ثقته فيك حتى وهو يراك مشردا، تتسكع قرب برج أبو ليلة ومقبرة اليهود المهجورة.

هل تنهزم وتترك ميدان المعركة هاربا أمام هذا الكومندان، الذي لا تدري من أي ثقب في الأرض خرج لك كما تخرج الثعابين، أم تذهب، وتصارع وتحاول أن تأخذ حقك وتستعيد موقعك، حتى وإن لم تحقق نتيجة لنفسك ، فيكفي أن تكون مصدر قلق وإزعاج له، وإذا كان المثل الليبي يقول بأن الذبابة لا تقتل وإنما تثير القرف والتقزز، فمهمتك أن تقوم بدور هذه الذبابة التي لا تقتل الكومندان وإنما تخلق له من القرف والإزعاج ما يجعله يكره اليوم الذي فكر فيه أن يقتحم ذلك المكتب هو وجربوعه فوزي.

تذكرت بأن لديك ارتباطا بأقوى مؤسسة في الإدارة الاستعمارية، هي الحزب الفاشي
هذا الحزب الذي استلمت بطاقة عضويته من الحاكم العام نفسه، والذي لم تذهب إليه منذ ذلك اليوم ولم تنتظم في حضور برامجه ولم تحصل على شيء من امتيازاته غير البطاقة والقميص الأسود.

يجب أن تذهب إليه حالا، وتبحث لديه عن العون الذي تحتاجه في معركتك مع الكومندان، والتعبير الذي يقول بأن من يعضك يفكرك بأسنانك، ينطبق على حالتك تماما، إذ ما الذي فعله الكومندان إن لم يكن عضا ونشبا لأنيابه في لحمك، وما الذي يمثله الحزب الفاشي إن لم يكن أسنانا قادرة على أن تبادل العض بعض أكثر قوة وألما، وما فائدة هذه البطاقة إن لم تأت لعونك في هذه الأيام العصيبة.

تهيأت للذهاب إلى المقر الرئيسي للحزب بأن حلقت رأسك لدى حلاق إيطالي، حلاقة حديثة، استخدم فيها أداة لكي الشعر وتصفيفه حسب الموضة، وحلقت وجهك ووضعت فوقه نوعا فاخرا من ماء الكولونيا له عبير الياسمين، وارتديت القميص الأسود، والبنطلون الأبيض، ووضعت في يدك صحيفة »الكورييري ديلا سيرا« الإيطالية التي تزين صفحتها الأولى صورة الدوتشي، لكي تبدو في صورة العضو المتابع للأحداث، ومع الساعة السادسة كنت في المعرض التجاري حيث مقر الحزب.

وجدت أنهم أعفوك فعلا من برنامج التدريب العسكري واللياقة البدنية، باعتبارك عسكريا محترفا، عدا ذلك، فأنت مطالب بمباشرة كل المهام التي يباشرها بقية الأعضاء، وأهمها حضور برامج التوعية السياسية، وأعمال المناوبة الدورية في المكتب، والحراسات التي لا تزيد عن يوم واحد في الشهر، وكانوا على وشك الدخول لحصة الدرس السياسي، فوجدت نفسك مجبرا على الحضور، حيث دخلت مع حشد كبير من لابسي القمصان السوداء، إلى صالة واسعة وجلستم قبالة شاشة كبيرة اعدت لعرض الأفلام، وأدرت بصرك شمالا ويمينا، فتطلعت إلى هذا التنافر الشديد بين القمصان ولابسيها، فأغلبهم ليبيون من ذوي البشرة السمراء، وأحيانا الداكنة إلى حد السواد ، ممن لا يناسبهم ارتداء هذا اللون، وهو ما يؤكد أن مؤسسي هذا الحزب، لم يكونوا يضعون في حسابهم واعتبارهم أن بشرا سمر وجدوه سوف يرتدون قميصهم الذي أعدوه على مقاسهم ومقاس بني جنسهم من أصحاب الوجوه الحمراء.

أطفئت الأضواء، ليبقى فقط شعاع الضوء الصادر عن آلة العرض، الموجودة في وسط الصالة والتي تصدر أزيزا كريها مزعجا، وقد سلطت ضوءها على الشاشة فظهر الدوتشي وهو يقف في شرفة عالية وأمامه حشد جماهيري كبير، يهتف باسمه بشكل هستيري، قبل أن يبدأ في إلقاء خطبته، وقد اختلط صوته بإزبز آلة العرض، فجاء مشوها ممسوخا، وهو يهدد القوى المعادية للزحف الفاشي، قائلا، بأن القوة الكاسحة لإيطاليا ستهزم شرادم العصاة وتجار الرقيق في اثيوبيا، كما ستساهم في صناعة النصر على القوات الجمهورية العميلة في إسبانيا، من أجل قيم العمل والنظام والاتحاد في شبه جزيرة إيبيريا وتطهيرها من البلاشفة والمخربين، وإشارة إلى ليبيا إشارة عابرة، ذاكرا قصة الانتصار الكاسح للفاشية فوق هذه الأرض التي تنعم بخيرات الاستعمار الإيطالي
استمر الخطاب أكثر من ساعتين، تم خلالها تغيير خمس بكرات من الأشرطة، وكان قد أصابك الملل منذ البكرة الأولى، وقاومت النوم طوال الوقت خوف أن يلحظ نومك أحد الفاشست المتحمسين للدوتشي ويشي بك للإدارة، وأنت لست بحاجة الى مزيد من التعقيد، وما إن انتهى الخطاب وأضيئت أنوار الصالة، وبدأ الناس يخرجون، حتى وضعت جسمك بين المتزاحمين على الأبواب وخرجت.

جئت إلى مقر الحزب، هاربا من احساسك بالضيق والغبن، تبحث لديه عن نجدة ترفع عنك الحصار، فإذا بك لا تزداد إلا حصارا وضيقا، ويتوافق مجيئك مع خطاب الدوتشي، لتجد أن الزعيم الإيطالي نفسه، ينضم إلى غيلان التابعة التي تلاحقك، ويجثم ببدنه العريض المديد، على صدرك حتى يصيبك الاختناق، ولا تصدق، عندما ينتهي الفلم وتضاء الصالة، انك نجوت من كوابيسه الكريهة، فتركض هاربا إلى الشارع، موقنا أن الحزب ليس لديه ما يقدمه لك، غير مزيد من الإذلال، خاصة بعد أن عرفت من قراءة إحدى الأوراق أن عدد الأعضاء وصل إلى عشرة آلاف عضو ، يزدادون كل يوم، في طول البلاد وعرضها، بحيث لن يمضي عام واحد، حتى يصل عددهم إلى عشرين ألفا، فأي موقع متميز يمكن أن تصل إليه، أو يصل إليك، وسط هذا الزحام من أصحاب القمصان السوداء، والوجوه الأكثر سوادا، الطامعين مثلك في الجاه والسلطان.

ولا تدري لماذا وأنت تجر معك حصاد الخيبة من هذه الزيارة لحزب السلطة، تذكرت نورية
ماذا لو ذهبت إليها الآن؟ لقد تأخر الليل قليلا، فالساعة توشك على بلوغ العاشرة، إلا أنك واثق من أنها سترحب بك في كل الأوقات، بل ستجد في حضورك، وأنت بهذه الملابس السلطوية فرصة للتباهي بك أمام صاحباتها.

خوضت عبر الحواري المظلمة، حتى وصلت إلى بيتها.

الحي الصاخب الذي يسهر حتى منتصف الليل، صار صامتا، مظلما، بعد انتقال بيوت الدعارة الرسمية إلى منطقة المعرض التجاري وشوارع دانتي وفرجيل وداننزيو وماتزيني وغيرهم من شعراء الحب الذين سيطربون لصحبة هذه الباقة من بنات الهوى.

كان البيت غارقا في الصمت والظلام.

طرقت الباب فلم يفتح أحد.

وطرقته مرة ثانية وثالثة ورابعة، بأكثر قوة وإلحاح، دون جدوى.

لعل زبونا غاضبا، لم يأخذ من حظه ما يرضيه، وشى بنساء هذا البيت إلى الشرطة، فجاءت تأخذهن إلى السجن بتهمة ممارسة الدعارة دون ترخيص.

فالاعتراض ليس على المبدأ ولكن على الأسلوب، لأن الحكومة لا تحب أن يشتغل الناس من وراء ظهرها حتى في مجال بيع الجنس، كما لا تحب لمن يجني نقودا أن يستفرد بها، فلا يدفع لها حصتها ضرائب ورسوما.

تأبى الظروف هذا المساء إلا أن تناكفك، حتى سيدة الأوقات الطيبة، التي تعودت أن تشتري منها ساعة للترفيه والتسلية، أوصدت بابها دونك.

لم يبق أمامك إلا العودة المؤسفة إلى الغرفة التي تسبح في العتمة والرطوبة وأملاح البحر، وتذكرت بعد أن مشيت بضع خطوات في اتجاه الفندق، الملهى الشرقي بسوق المشير الذي يبقى ساهرا حتى ساعة متأخرة من الليل، والذي يمكن أن تجد لدى مطربيه وموسيقييه ما يبدد أحاسيس الكدر والضيق.

إلا أن هناك مشكلة تواجهك هي هذه الملابس التي ترتديها، والتي لا تدري إن كان مسموحا بارتيادها في مثل هذه الأماكن، ومن ناحية أخرى، فإن الطريق إلى الملهى يمر بمناطق كوشة الصفار وقوس الصرارعي، وقد يثير منظرك بهذه الملابس مشاعر المتعصبين من شباب هذه الاحياء فيتعرضون لك بالاذى، ولذلك قررت العدول عن الذهاب إلى الملهى والعودة إلى الفندق عبر حارة اليهود التي بدأ أهلها يقفلون دكاكينهم ويأوون إلى بيوتهم.

تجاوزت الحارة، وسلكت سبيلا آمنا، هادئا، يصعد إلى هضبة باب البحر، حيث وقفت هناك ترقب موج البحر، وتستنشق انسامه المشبعة برائحة نفاذة لها نكهة رحيق الشيح، تلك النبة التي يتطبب بها اهلك في أولاد الشيخ ويتبركون بزيتها.

رائحة لا تجدها إلا في هذا الجزء من البحر، المحاذي للمدينة القديمة، ربما لأنها منطقة جبلية، غنية بالأعشاب والنباتات البحرية والخلجان التي تنبت فيها الأشجار كالادغال، والتي منها جاءت لاشك هذه الرائحة الزكية التي يستقبلها جسمك كله بنشوة بالغة، لأنها تذكره بنكهة البراري والأرياف التي ينتمي إليها.

كانت الأنسام تضرب وجهك باردة منعشة، وفي البعيد ظهرت أضواء سفن بعيدة، تغطيها غلالة شفافة من الأبخرة التي يصنعها البحر، وفوقها بدر أكثر شحوبا وشاعرية، بينما كانت الأمواج التي تصطدم بصخور الشاطيء تصنع صخبا لذيذا وتسهم في صياغة هذه المعزوفة التي تعزفها كائنات الليل والبحر.

أخذت طريقك هابطا إلى الشاطئ، إلى أن وصلت تل الصخور الذي يواجه برج أبو ليلة، فجلست هناك، أمامك البحر، وفوق رأسك النجوم، ومن حولك الكون ينعم بلحظة سلام وسكينة لا يجرحها إلا صوت الموج عند ارتطامه بالشاطئ، صانعا أشجارا من الماء، يصلك منها رذاذ خفيف منعش.

تضاءلت معارك النهار وإحباطاته وتبددت سحب الضيق التي كانت تملأ صدرك ، وأحسست بجو السلام والسكون والأمان الذي حولك يتسلل الى وجدانك ، فقررت أن تبقى حيث أنت، لكي تنعم ولأطول فترة ممكنة بهذا الجو الذي ينعش الروح ويغسل القلب من أدرانه، ويمنح الإنسان إحساسا بالراحة والهناء والاكتفاء، كأنه استوفى كل احتياجاته من الحياة فلا يريد من أحد شيئا .

بقيت جالسا حتى شعشع ضوء الفجر، فانطلقت إلى جامع قرجي، الذي تفضله عن كل أماكن العبادة الأخرى في طرابلس، وكان قريبا، فتوضأت وصليت الفجر دون انتظار الجماعة كي لا ترى أحدا ينظر بازدراء لملابس الحزب الفاشي التي ترتديها، وعدت الى غرفتك لتنام، وقد امتلأت بفكرة أنك لا تريد من الناس شيئا، ولا يملك احدهم لك ضرا ولا نفعا، ولا تطلب من أحدهم خدمة ولا فضلا، فالله وحده واهب الملك، يعطي من يشاء بغير حساب، ويحجب فضله ونعمته عمن يشاء .




تابعونا على فيسبوك