خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه "المغربية" بنشر فصول من الرباعية الروائية الجديدة "خرائط الروح"، التي انتهى أخيرا من إنجازها، ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تا
ذهب عبد المولى متأففا، متكدرا، كأنه يقول، اصنع بنفسك ما تشاء، لأن كل ما أراده هو ان يقوم بالواجب حسب الأصول المتعارف عليها بين أولاد البلد.
إلا أن ما حدث بعد ذلك، جاء مخيبا للآمال، متناقضا مع ما أبلغك به الكومندان في حضور مدير السجن، فالافراج الذي انتظرته في اليوم التالي لزيارة الكومندان، لم يتحقق، ومر اليوم دون ان يحدث شيئا، ثم الثالث، وها هو اليوم الرابع قد جاء دون إشارة أو عبارة تفيد بقرب هذا الافراج، مما جعل عددا ممن ذهبوا يبحثون عنك في الفندق يأتون صحبة الكبران يراجعون إدارة السجن ويسألون عن سبب التأخير، بينهم عبد المولى وأكثر من قريب من أولاد الشيخ، وكان لابد ان يحدثوا ضجيجا عاليا لكي ينتبه مدير السجن.
لوجودهم، فيستدعيك إلى مكتبه، ليقول لك بلغة إيطالية مهذبة، غريبة عن لغة التعامل بين الإدارة والمساجين، بانك لم تعد سجينا، لان قرار اطلاق سراحك قد صدر فعلا، وانك تستطيع إذا أردت ان ترتدي ملابسك العادية، وتسترد ما لديك في المحفوظات من أغراض شخصية أخذوها منك كالنقود والساعة وغيرها، وان تستقبل ضيوفك في أي وقت تشاء، وان يأتيك من خارج السجن أي طعام تريد، وان يكون لك حق مغادرة الزنزانة إلى الساحة في أي وقت يناسبك، ولن يتم تطبيق العقوبات التأذيبية عليك، كالعقاب البدني بالفلقة، أو الحبس الانفرادي، أو الحرمان من الطعام، إلا أنك لن تستطيع مغادرة السجن الآن.
وقبل ان تسأل بحرقة واستغراب وغضب عن السبب، أفادك بأن هناك أمرا يقضي بالتحاقك بدفعة المجندين التي ستسافر قريبا إلى الحبشة، وانك ستذهب مباشرة من السجن إلى السفينه، التي ستغادر طرابلس يوم الخميس القادم، أي بعد أربعة أيام من الآن
لم يكن هناك جدوى من محاولة الحصول على أية توضيحات منه، كل ما يعنيه، ويدخل في اختصاصه، هو تنفيذ التعليمات بحزم ودقة.
وعندما سألته عن جدوى قضاء هذه الأيام الأربعة بين جدران هذا السجن بدل ان تعيشها مع أهلك خارجه، أحسست بمجرد ان فرغت من قول السؤال، انه سؤال لا معنى له، لأن الهدف من هذا القرار واضح لا لبس فيه وهو ان يقطع عليك أية فرصة للهروب أو استجداء العفو، وتسليمك كالعهدة إلى سفينة شحن الجنود، وقبل ان يجيبك أصدر الهاتف فوق مكتبه رنينا عاليا مزعجا، اقتضاه ان يرفع السماعة ويشير إليك بما يفيد انتهاء المقابلة
خرجت من مكتبه ووقفت.
أنت الآن حر داخل السجن.
تستطيع ان تقف أمام مكتب المدير كما تشاء، أو تجلس إذا أردت.
تستطيع ان تمشي.
أو تتكئ على الجدار.
أو تتمدد فوق زليج هذا الرواق، فأنت حر داخل السجن.
يمكنك ان تعود إلى الزنزانة أو لا تعود.
تأكل أو لا تأكل.
تشرب أو لا تشرب.
تتكلم مع نفسك أو مع الآخرين.
تغني أو تمتنع عن الغناء.
تحجل على قدم واحدة أو ترقصة الغزال في الصحراء، وتفعل ما لا يستطيع أي سجين آخر ان يفعله لأنك حر داخل السجن.
وهضاب الحبشة تلوح الآن قريبة، قريبة.
انها أقرب إليك من أي مكان آخر في طرابلس.
أقرب إليك من السرايا الحمراء، وزنقة الريح، وجامع الباشا، وكوشة الصفار، وسيدي عمران، وجامع قرجي وميدان الساعة ومقهى الميرامار.
وهي بالتأكيد أقرب إليك من فندق الكبران الذي جعلته نقطة اللقاء عند خروجك من السجن، لانه لم يعد هناك لقاء تذهب إليه في ذلك الفندق، ولا غرفة هناك تستطيع ان ترنو للنوم فوق سريرها الهزاز.
انتهى عالمك الليبي الطرابلسي، وبزغ عالمك الجديد في بر الحبشان.
هضاب اثيوبيا اقرب كثيرا جدا من قرية أولاد الشيخ، التي تتوارى الآن خلف دخان المعارك التي تنتظرك في موطنك الجديد.
لا أحد يستطيع ان يهرب من قدره، وما سطرته الملائكة فوق الجبين لابد ان تراه العين، كما تقول الجدات والأمهات، فلماذا يكذب الناس على انفسهم، ويخدعونها، ويحاولون الهروب، مما لا مهرب منه إلا إليه.
خرجت لزائريك الذين ينتظرون عند الحاجز الحديدي في صالة الزوار، وفاجأتهم بأن تركت الجانب الذي يقف فيه المساجين وخرجت خلف الحاجز قائلا لهم ما قاله لك مدير السجن، من أنك إنسان حر، طليق، ولكن داخل السجن، وأفهمتهم ان الأوامر صدرت بألا تخرج من السجن إلا إلى السفينة الذاهبة إلى بلاد الأحباش لتلتحق بمن بقي على قيد الحياة من أبناء دفعتك، وان موعد السفر يتناسب تماما مع موعد الأعراس واحتفالات الزفاف، فهو يوم الخميس القادم باذن الله.
فاجأ الخبر عبد المولى والكبران ومندوبي العائلة، الذين ظلوا يحدقون في وجهك غير مصدقين ما تقول، إذ كيف لمن كان يظن أنك حقا الرجل الثاني في البلاد، ان يصدق أنه يمكن ان يخسف بك إلى حضيض المجندين المبعوثين لملاقاة حتوفهم في حرب الحبشة
نعم، انت سجين الآن، أو كنت سجينا، فهذا يحدث نتيجة صراع القوة بين أرباب المراكز العالية في السلطة، أما الحبشة، التي يأنف من الذهاب إليها حتى أبناء الخدم، فيهربون ويتسللون خارج الحدود لكي لا يقعوا في مستنقعاتها، فهي بلا شك موضوع غير البقاء في السجن لبضعة أيام، حيث لا قوة ولا مراكز ولا صراع ولا سلطة ولا دوائر عليا، وانما حضيض الحضيض من البؤس ومهانة الموت في الأحراش حيث تبقى الجثث فرائس للضباع
كان الكبران أكثر الموجودين إحساسا بالصدمة، إذ لم يصدق ان الرجل الذي رآه أهل المدينة يعمل مرشدا ودليلا للحاكم العام، ينتهي به الأمر إلى هذا المصير.
قال محاولا ان يتشبث بأية قشة تنجيه من السقوط في لجة اليأس وهو الذي بنى آمالا عريضة على صداقته معك التي رآها طريقا سالكا، آمنا، يقود مباشرة إلى قصر الحكومة.
ــ هل أنت واثق ان صديقك الحاكم العام على علم بما يحدث لك.
قلت له قبل ان تنسحب عائدا داخل السجن للبقاء قليلا مع نفسك :
ــ قرارات الالتحاق بالحرب، مثلها مثل قرارات التأجيل والاعفاء لا تصدر إلا من الحاكم العام.
أيام أربعة تفصلك عن يوم السفر، تراها أسوأ من خبر إرسالك للحرب، لأنه ليس أمامك ما تفعله سوى الانغماس في الهواجس السوداء التي تصاحب التفكير في المصير الغامض المجهول الذي يسوقونك إليه.
الوقت يمر ثقيلا، وهكذا كان حالك منذ ان دخلت إلى هذا السجن، إلا أنك الآن وبعد ان تحدد مصيرك، تريد ان تستعجل الذهاب إلى هذا المصير مهما كان مخيفا، فذلك أفضل من زمن الانتظار، الفارغ، المميت، الذي لا قيمة له ولا معنى، والذي تراه عائقا دون الوصول إلى نقطة الانطلاق نحو المجهول.
صار بامكانك ان تترك الزنزانة مقفلة على قاطنيها وتخرج إلى الساحة لتتجول هناك وحيدا، تطوف بتمثال الحصان الأسود، وتتحاور معه إذا شئت عله يعطيك فكرة عما شهده من أحداث في هذا السجن، مثل أحداث التمرد الذي قام به النزلاء في احدى الاستراحات واستولوا على سلاح الحراس وجاءت كتيبة من الجيش ترمي بقذائف المدفعية المتمردين وتقتلهم هم وحراسهم، وقيل ان الحصان الأسود نفسه، الذي احتمى به المتمردون استهدفته القنابل وسقط لأول مرة فوق الارض، إلا أنهم أصلحوا ما به من أعطاب وجراح وأعادوه، وهو بالتأكيد أصلح شاهد لمعرفة ما إذا كانو حقا قد حفروا حفرة في هذه الساحة لجموع الفتلى من المتمردين وجعلوها قبرا جماعيا لهم.
وها أنت الآن تمشي وحيدا فوق جماجم وهياكل أولئك الموتى، لا يرافقك سوى ظلك، ولا تتناهى إليك سوى وقع أحذية العساكر وهي تضرب الأرض في أروقة الإدارة، أو فوق سطح السجن وأبراج المراقبة، وقد تلاشى البكاء والأنين الذي لا يظهر إلا أثناء الليل، والذي سألت عنه كل الناس في السجن من نزلاء وحراس على ان تعرف مصدره، فلم تعرف، انهم أناس يعذبون ولكن أين ومن هم، بعضهم يقول بأن هناك انفاقا تحت الأرض مخصصة لسجناء سياسيين، وبعضهم يقول انهم خصوم الدوتشي، يرسلهم من روما ليلاقوا حتفهم تحت التعذيب في انفاق هذا السجن، ولكن لا أحد يعرف الحقيقة، والبكاء والصراخ المكتوم البعيد الحارق، يتصاعد طوال الليل، ولا يغيب ليلة واحدة، حتى تآلف معه السجناء، فلا ينامون الا على إيقاع هذا الانين والبكاء، هناك نوع اخر من البكاء والانين، له هو الاخر توقيته الصباحي، معروف مصدره، هو الناتج عن حصة الفلقة التي يتلقاها كل النزلا ء في ايام متعددة من الأسبوع، وكنت أنت أيضا شريكا في الجوقة التي تعزف هذا النشيد الصباحي الحزين، إلا أن دورك الآن تضاءل فلم تعد شريكا وانما مجرد مستمع.
والحصان المعدني الأسود، الذي أعطى اسمه لهذا السجن، وصار رمزا له وعنوانا، يقف فوق منصته العاليه وحيدا، يتأمل الكون، ويلمع حديده الأسود تحت شمس الصباح، ويمد قائتيه الأماميتين في الهواء، متأهبا كي يقفز في المجهول، لكنه يقف صامتا في هذه الوقفة المتأهبة، فلا يكملها، كأنه خائف على نفسه من هذا المصير، ولأمر ما، تشعر بدرجة من التوحد والاندماج مع وحدته وغربته وحيرته ازاء مصيره المجهول.
حدث اكثر من مرة أن تناهى اليك صوت المؤذن، وأنت في الساحة، في أوقات الظهر أو العصر او المغرب، فقد صرت تخرج للساحة كثيرا، لمجرد ممارسة هذه الحرية التي لا يملكها بقية النزلاء، فتتخذ مكانا بجوار التمثال وتتجه صوب القبلة لأداء الصلاة، وقد ايقظ الاذان في ذهنك روابط وعلاقات وصور ومشاهد ربطتك بهذه المدينة التي تغادرها يوم الخميس القادم، ولا تدري إذا كنت ستعود إليها أم لا تعود.
تفرغ من الصلاة، وتتساءل بينك وبين نفسك، أو بينك وبين الحصان البرونزي، ان كان هذا هو الوداع الاخير لهذه المآذن، وهؤلاء البشر وهذا الوطن بمفازاته الرملية الشاسعة وواحاته التي تتناثر بقعا خضراء فوق المتاهة الحمراء، لتتوى عظامك في احدى الفجوج البعيدة لافريقيا السوداء.
هل هذا هو آخر عهدك بهؤلاء الأهل والأصدقاء الذين صاروا يفدون اليك بأعداد كثيرة كل يوم ويقيمون المناحات في قاعة الزوار، فتخرج إليهم وسط القاعة وتلتقي بهم دون حواجز، تصافحهم وتتبادل معهم الأحضان والقبلات.
لم يكن غريبا أن تبكي أمك هذا البكاء الحارق القوي الذي يهز حيطان السجن، وإنما الغريب هو ان ترى والدك، الذي لم تشاهده يبكي قبل الان، يدرف الدموع غزيرة وهو يحيطك بذراعه ويأخذك الى حضنه ويعبر عن هذا الفيض من العواطف وهو الذي كان حريصا في كل المناسبات على ان يبدو قويا، قادرا على حبس دموعه وكبح مشاعره، في اكثر المناسبات حزنا التي شهدتها مع العائلة، في طفولتك وصباك، بما فيها موت أعمام وعمات، هم بالنسبة له اخوة وأخوات.
ولم تستطع انت ايضا ان تقاوم الرغبة في البكاء، فصرت انت ايضا تذرف دموعا اكثر غزارة من دموعه وأنت تدرك لأول مرة ان لوالدك كل هذه العواطف نحوك التي لم يكن يظهرها لك
واخرجت أمك حجابا قالت إن الفقي عبد الله، اعده خصيصا لك، وكتب فيه التعويذه التي تسخر الملائكة لحراستك، وعلقت الحجاب في عنقك واوصتك الا تخلعه بالليل والنهار
لم تشأ ان ترد عليها ما جاءت به من قديد وكعك وسويق ممزوج بمسحوق الحلبة ومعجون بالزيت والتمر.
اخذته منها، ورجوت بعد خروجها عبد المولى أن يأخذه، لانك لن تذهب الى السفينة محملا بهذه الصرة التي تفوح منها رائحة الحلبة وشرائح اللحم المقدد، خشية أن يرمي بك قبطانها في البحر.
جاءت نورية وصاحباتها، بمن فيهن شريفة ،سيدة البيت البدينة، التي كانت دائما في استقبالك، جالسة في غرفة السقيفة بالبيت القديم بزنقة البهلول، كما هي لم تتغير، تنهج تعبا، وتصدر شهيقا وزفيرا عاليا، حتى وهي واقفة لا تفعل شيئا.
جئن واحضرن معهن لحم الذبيحة التي كانت تنتظر حفل خروجك، فذبحت اليوم، وملأت هبر اللحم المذبوح طنجرتين، تم توزيع كل منهما على الحراس، والسجناء الذين تصادف وجودهم في قاعة الزويارات، هم وضيوفهم، واخذت بعضا منه لرفاق الزنزانة، وبعكس الزيارت الاخرى التي يلونها الحزن، كانت هذه الزيارة الوحيدة المليئة بالمرح والدعابات، وخلقت قدور اللحم جوا احتفاليا شارك فيه الحراس انفسهم الذين كانوا ينهبون اللحم من بعضهم بعضا ويطارد بعضهم الاخر ليسترد ما نهب منه، ولم تسمح لنورية ان تفسد هذا الجو بالبكاء، فقد أخرجت منديلها وبدأت أولى شهقاتها، فرجوتها الا تفعل، لانك تريد ان تحتفظ بصورتها في ذاكرتك، وأنت تذهب الى الحرب، باسمة، جميلة، لا باكية حزينة، تفسد ملامحها الدموع .
وقبل انتهاء الزيارة، اخذتك السيدة البدينة جانبا، واعطتك هدية، رات انك ستحتاجها اكثر من أي شيء آخر في الايام القادمة المليئة بالاعمال الحربية، وهي علبة معدنية من غبرة المسك.
رأتك تمسك العلبة حائرا لا تعرف شيئا عن استعمالاته، ولا تدري لماذا ربطت بينه وبين العمليات الحربية، فافهمتك انه مسك من النوع الأصيل المستخرج من اكباد الغزالات، الذي لا تصمد أية رائحة مهما كانت كريهة امامه فهو يزيلها وينشر عبيره في مكانها، لانه ليس من تلك الانواع المقلدة الرخيصة التي تملأ السوق، وانك لن تجد شيئا افضل من غبار المسك الحقيقى تحارب به رائحة الموت، ولم تقل شيئا يفيد انك مازلت لم تفهم قصدها بالضبط، الا انها رأت ان علامات الحيرة لم تختف من جبنيك، فواصلت الحديث قائلة بأن المجاهدين أنفسهم كانوا يستخدمون هذه الغبرة لحفظ كرامة موتاهم، أثناء المعارك، أي عندما يتعذر نقلهم ودفنهم، فكانوا يدرون غبار المسك عليهم، لتبقى رائحتهم زكية عطرة حتى تبلى عظامهم، وان هذه الغبرة هي أهم عنصر من عناصر الحنوط الذي يدخل في تطييب الموتى من الأكابر والعظماء.
ورغم ما يبعثه حديث الموت من كآبة، وما تثيره الاشياء التي تتصل به من رهبة وتخوف ،الا انك اخذت منها العلبة باسما شاكرا لها هديتها، مقدرا لها شعورها النبيل الذي يدعوها الاهتمام بكرامة الموتى الليبيين من ضحايا الحرب في الحبشة.
وخطر لك عندما عدت الى الزنزانة، ووجدت علبة المسك في جيبك، أن تجرب مسحوقها في محاربة الرائحة الكريهة التي لا تزال عالقة بسقوف الزنزانة وجدرانها، وكانت النتيجة مبهرة، فما أن قبضت بأصبعيك على كمية ضئيلة منها، ورميت بها في فضاء الغرفة، حتى نشرت عرفا طيبا أزال ما كان يملأ الجو من رنخ وعفونة
وعندما جاء الكبران لزيارتك، أبى أن يأتي دون ان يحضر معه جهاز الحاكي، الذي رآى أن واجب الصداقة يفرض عليه ان يعيده اليك، وحيث انك مسافر إلى تلك المجاهل الافريقية الموحشة، فلابد انك ستحتاج الى جهاز مثل الحاكي، يكون مصدر تسلية ومؤانسة لك
واختار ان يضع فيه اسطوانة تحمل اغنية شعبية تناسب المقام هي "فتنا النخل والديس وتعدينا، لحقنا الندم ياريتنا ولينا ".
وقد اطلق الحاكي يلعلع وسط أجواء السجن ،غير عابىء بما يمكن ان يقوله الحراس، لا انهم لم يقولوا شيئا، فقد جاء من كان مناوبا منهم في الساحة، ينضم الى الموجودين في قاعة الضيوف، يسمع الاغنية التي تذكره باجواء اخري تركها وراءه في الأرياف التي جاء منها.
ورغم جو المرح والتهريج الذي خلقه الكبران ورفاقه الثلاثة من أعضاء الشلة الذين جاء بهم معه، قائلا بطريقته الفوضوية، بأنهم جاإؤوا لوداعك ظاهريا، اما الحقيقة فانهم جاؤوا لوداع الحاكي، الذي يفارقونه بعيون دامعة.
رغم هذا الجو الضاحك، لم تستطع أن تمنع عبراتك من النزول وانت تستمع الى هذه الاغنية الحزينة، وكلماتها الموجعة ،المؤلمة، ولحنها الشعبي المورزقاوي الذي ينساب صافيا رقراقا كالغدير، و التي تصور قسوة الرحيل.
توقف تهريج الكبران واصحابه وأراد ان يوقف الاغنية فسألته أن يتركها حتى تنتهي
جففت دموعك بعد انتهاء الاسطوانة، وأردت ان تعود إلى جو المرح، فقلت للكبران انك ترد اليه الحاكي، بشرط الا يتركه دائما يردد الأغاني القديمة التي رددها عشرات المرات الى ان يصيبه الضجر فيتوقف عن العمل، وأن يعمل على تزويده بالاغاني الجديدة التي تنزل السوق.
وسالته ان يحتفظ بالحاكي كتذكار منك، فادعن مرغما لرغبتك واضعا شرطا لقبول الهدية :
ــ سأحتفظ به ليس كتذكار وإنما كأمانة تستردها عندما تعود قريبا ان شاء الله.
ــ ان شاء الله.
نعم، لانه لاشيء في الدنيا خارج هذه المشيئة الالهية، ولها وحدها حق اتخاذ القرار فيما كنت ستعود او لا تعود.
وكانت ثريا، التي لا تشبه شيئا غير اسمها، هي آخر من جاء، صحبة أمها وأخيها، حاملة تحية والدها ورسالة شفهية منه، وهي الا تستاء من شيء كتبه الله لك، وتحاول أن تسخره لصالحك حتى لو كان سجنا وذهابا للحرب، لانه هو القائل »وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم«، اذ ما اكثر ما كانت التجربة القاسية فرصة لاختبار قوتنا وتعزيز الثقة بانفسنا، دون ان تنسى وانت ذاهب الى الحرب، بأن الاعمار بيد الله، وانه لا احد في هذه الدنيا يموت ناقصا عمرا.
افرحك مجيئها، وأشاع في نفسك شعورا بالطمأنينة والآمان، وقفت قبالتها محاولا ان تحتوي ما يفيض به وجهها من عذوبة وشفافية، وان تستمد من وهج عينيها دفئا لاعماقك المقرورة خوفا، وأن تستمد منها ضوءا يزودك بطاقة جديدة تعينك على اعباء الرحلة المرة القاسية التي تنتظرك.
اعتذرت لامها عن صرة الاطعمة التي تشبه صرة امك، تريدك ان تحملها لصهرها فتحي، متحججا بانهم يرفضون ادخال مثلها إلى السفينة، ووعدتها بأنك ستبحث عن فتحي حتى تلقاه، وترسل من هناك رسالة تبلغهم فيها باحواله، وأحوالك، مع صورة شمسية لكما على ضفة احد الانهار، تشربان حليب جوز الهند.
قلت هذا الكلام لتخفف عن المرأة المسنة قلقها على صهرها، وترسم لها صورة اخرى غير صورة الحرب.
ندمت على شيء واحد، هو أنك لم تنتهز فرصة خروجك منفردا مع ثريا، فتأخذها الى احد المصورين الطليان، من أجل صورة تذكارية تكون زادا لك في تلك البلاد البعيدة.
تمنيت لو استطعت احتضانها، ولان ذلك كان مستحيلا في مثل هذا المكان، وفي حضور أمها وأخيها، فقد اكتفيت بأن امسكت بيدها واستبقيتها لحظات في يدك، مستمتعا بلذة هذا التواصل الحسي، وما ترافقه من متعة روحية تسكب قطراتها في صدرك بردا وسلاما
احضر لك عبد المولى من غرفتك بالفندق، حقيبة احتوت بعض الامتعة التي تحتاجها في السفر، واودع ما تبقى لدى اسرتك، وجاء، في صباح يوم الخميس، اثنان من جنود البحرية، لاخذك في سيارة عسكرية الى الميناء، واصطحابك عند دخول السفينة، وحتى تسليمك لاحد حراسها، فلم يعودا حتى جعلاه يضع توقيعه على الورقة التي تفيد باستلامك منهما.
كان المشهد مؤثرا وأنت تجد هذا العدد الكبير من الأقارب والأصدقاء، من رجال ونساء، جاؤوا لوداعك، وكان الفضل لعبد المولى في إبلاغهم بالموعد وتجميعهم على هذا النحو بمن فيهم الشيخ البلبال الذي وجدته يقف قريبا من سلم السفينة منذ وصولك اليها وفي يده قطعة طويلة من جريد النخيل يغطيها السعف الاخضر، فتفاءلت بوجوده بين المودعين واقبلت تشكره وتحييه، الا أنه حاول أن يمازحك بطريقة اثارت حنقك قليلا، عندما رفع قطعة الجريد، وأنت تصعد السلم، وظل يضربك بها على ساقيك وقدميك، ولم ينقذك الا وصولك اثناء الصعود الى مستوى أعلى مما تصل اليه جريدته، دون أن تدري ان كان معنى هذه الحركات مباركة لك أو تعبيرا عن غضبه منك، اذ من تراه يستطيع أن يعطي تفسرا لأفعال درويش مثل الشيخ البلبال؟ أسعدك كثيرا ان ترى الحاج المهدي، قد جاء راكبا عربة الحنطور، وظل جالسا بها يلوح لك بيده مودعا، ولم تكتف نورية هذه المرة بجلب صاحباتها وإنما أحضرت ابنتها ورده، ذات السنوات السبع، وصارت ترفعها فوق رأسها لكي تراها، وقد قفت جنبها نساء لا تعرفهن وخمنت انهن من نساء سيدي عمران ممن حصلن على البيوت الجديدة إثر تلك الزيارة، وراين في ذلك معروفا اسديته لهن وجئن يكافئنك بهذا الوداع، بينما وقف حول الكبران اناس لا تعرفهم، يلوحون لك بايديهم، فتذكرت ما سبق ان قاله عن وجود اناس من اصحاب الشكاوي، ممن استجابت الحكومة لشكاواهم التي اعطوها لك، وهم يبحثون عنك ليعبروا عن مشاعر الامتنان والعرفان بالجميل
وقريبا من السلم عن وقف والدك، مع عدد من ابناء البلدة، ينظرون باستغراب لهؤلاء النسوة الطرابلسيات اللائي جئن لوداعك، غير قادرين، فيما يبدو، على تفسير او معرفة الرابطة التي يمكن ان تربطك بهن، وحاول والدك، اثناء مرورك قريبا منه، ان ينقل اليك دعواته، ووصاياه بأن تأخذ حذرك وتحافظ على نفسك وتعود لاهلك سالما غانما
ولم تستطع، في ما تبقى من زمن الانتظار على رصيف الميناء، وانت واقف بمحاذاة سور السفينة، وسط عدد من المجندين الذين يلقون نظرتهم الاخيرة، قبل السفر، على اهلهم، الا ان تصرف ذهنك، وتتجه ببصرك، الى امرأة واحدة في هذا الحشد، استولت على مشاعرك كلها، ورمت شباكها على قلبك فاضحى رهينة في قبضتها، الى درجة أحسست معها بتأنيب الضمير، لأن أمك التي تبكي بذات الحرقة واللوعة منذ ان جاءت من القرية، لم تستطع، برغم حبك لها، أن تنافس ثريا في استقطاب مشاعرك، وكان ثريا حقا، تملك قوة سحرية، لها قوة جذب وسيطرة على عقلك وقلبك وجسدك، واحسست بعد فترة من التحذيق فيها، وتركيز بصرك عليها، ان الافق كله امتلا بصورتها.
وكان اجمل ما حدث لك ان رأيت مصورا ايطاليا، يلتقط الصور للمودعين من فوق ظهر السفينة، وعندما عرفت انه مراسل حربي، سيرافقكم الى الحبشة، طلبت منه، ان يلتقط صورة مقربة لثريا، وستعطيه أي ثمن يطلبه ،الا انه أبدى استعداده لالتقاط الصورة لثريا بلا ثمن، قائلا بأن هذا هو ابسط واجب يقدمه صحفي ايطالي لجندي ليبي في طريقه إلى الحرب من اجل عزة ومجد ايطاليا.
اسعدتك استجابته السريعه، الا أن مزاجك الحزين هذا النهار، وضعها في مصاف الاستجابة التي يلقاها عادة المحكوم عليه بالاعدام، لما يسمونه الرغبة الأخيرة، لأن هذه كانت آخر أمنية جاهرت بطلبها من انسان، قبل ان ترفع السفينة خطافاتها التي تشدها الى قاع البحر، وتفك الحبال التي تربطها باوتاد الرصيف، وتباشر ابحارها إلى الشطوط البعيدة.