الجزء الأول

خبز المدينة -43-

الجمعة 12 ماي 2006 - 15:04

خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه "المغربية" بنشر فصول من الرباعية الروائية الجديدة "خرائط الروح"، التي انتهى أخيرا من إنجازها، ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تا

ـ مبروك الاغنية الجديدة عن صاحب القلب الذهبي.

ـ هذا كلام للإذاعة فقط، اما خارج الاذاعة، فسأغنيها لك انت، وسأضع اسمك انت بدلا من بالبو، ما رأيك؟

ــ لا أريد ان ادخل في منافسة مع سيد البلاد، فهنيئا له بهذا الغناء ،كل مافي الامر ان اسم نورية لا يصلح اسما للشهرة، ولابد من اختيار اسم يليق بالكوكب الجديد الذي يسطع في سماء الفن.

ــ طبعا ، لانه لا احد في العالم كله يدخل الفن باسمه الحقيقي.

ــ وما هو هذا الاسم الذي سيعرفك به الجمهور.

ــ سنغني غناء جماعيا باسم فرقة الفن الطرابلسي.

ــ وهل هناك اغان أخرى.

ــ طبعا ما رأيك في هذه الأغنية الحوارية بين رجل ايطالي وإمراة ليبية يحبان بعضهما :

ــ نظرة عينك ياطلياني خلتني في عالم ثاني.

ــ نظرة عينك يا ليبيــة دربتني في النار الحية اليست اغنية جميلة ؟

ــ نعم خاصة وانها تخدم قضية السلام الاجتماعي بين الليبيين والطليان عن طريق الحب.

ــ انه كلام للتسلية.

ــ هناك سياسة وراء هذه التسلية يانورية.

إنها اغنية تصلح للغناء الفردي بين مطرب ومطربة.

ــ الغناء الجماعي هو ما يريده اصاب الاذاعة، اتعرف لماذا؟

ــ لانه اكثر تعبيرا عن روح الجمهور.

ــ من فضلك لا تسخر مني، فانا اعرف انني لست فنانة ولا مطربة، ولكنه نصيب من عند الله، والغناء الجماعي اكثر قدرة على اخفاء حقيقة الاصوات التي تغني، فهم يعرفون قدراتنا، ويريدون قالبا مناسبا يقدمون فيه هذه الاغاني، هذا هو الواقع.

ــ صدقيني إذا قلت لك انني شديد الفرح لهذه الاخبار السعيدة، واشكري لي كل رفيقاتك على هذه الهدية الجميلة.

ــ هذا لا ينفع، لابد ان تأتي بنفسك للقائهن، وحضور الحفل الذي سيقمنه بمناسبة العتبة الجديدة.

ــ ومتى سيكون هذا الحفل ؟

ــ انت ضيف الشرف، وعليك ان تختار اليوم الذي يناسبك.

ــ اذن فلا حاجة للاستعجال.

ــ هناك سبب وجيه للاستعجال، لان الخروف موجود داخل البيت، ولا أحد يستطيع ان ينام بسبب صياحه المتواصل ليلا ونهارا.

ــ هل نقول غدا ؟

ــ نعم، غدا ليلا، ليحلو السهر والغناء، وسندعو جيراننا الايطاليين، لكي لايحتج احد منهم على الصخب الذي سنحدثه، ولا بأس، إذا شئت، من احضار صديق او زميل.

ــ الكبران، علي سبيل المثال.

ــ ولم لا ؟

ــ انه شديد الاعجاب بغنائك.

ــ الرجل الليبي مستعد لمديح اية انثى تغني حتى لو كانت بعوضه، لان الهدف ليس الغناء، وانما شيء آخر.

ــ الم يكن صادقا في إعجابه؟

ــ نعم، كان صادقا، الا انه انتقل سريعا من الإعجاب بجمال الغناء، الى الاعجاب بجمال المغنية، ودعاني صراحة إلى قضاء الليل بصحبته، وطبعا رفضت، لانني ما جئت لهذا الفندق الا من اجلك.

ــ ياله من رجل نذل.

ــ ثم ان شكله ارعبني وقلت في نفسي لو اعتلاني هذا البرميل لكتم انفاسي.

الا انك لا تتردد في دعوته اذا اردت، لان ما فعله معي، هو ما كان سيفعله أي رجل آخر، فلا تحفل به.

طبعا، كنت ستدعوه، لأنك لا تريد ان تكون الفحل الوحيد بين سيدات الطرب الشعبي، ومركز الاستقطاب الرجولي لاعين ونظرات هذا العدد من النساء، كما ان حضوره سيضفي كثيرا من روح الدعابة، على اجواء السهرة، بما لديه من افكار خيالية، ستزداد استثارة وتوقدا بسبب وجوده في هذا الوسط النسائي، الا ان التطورات التي جاء بها النهار حالت دون قيام السهرة الموعودة، فقد جاء، في منتصف النهار، اثنان من افراد الشرطة السرية »الاوفرا« الى غرفتك، يطلبان منك الانتقال معهما إلى ادارة الامن للتحقيق
كنت قد رأيتهما منذ بدايات النهار، يرصدان حركاتك ويمشيان وراءك عندما خرجت مع نورية الى حانوت الحلواني لتساعدها في شراء أنواع من الحلويات الشرقية لحفل الليلة، وتكتري لها عربة حنطور تقلها إلى مدينة الحدائق، ورأيتهما بعد ذلك يتبعانك حتى عدت إلى الفندق، وتصورت ان هناك محاولة ممن استولوا على مكتب الشكاوى، لمعرفة الاتصالات التي تقوم بها، والمساعي التي تبدلها من أجل رد اعتبارك، ليستطيعوا بالتالي ابطال مفعولها، فاذا بك تفاجأ بالرجلين يصعدان وراءك إلى الغرفة، ويخبرانك بانهما من عناصر»الاوفرا« قبل ان يباشرا تفتيش الغرفة، التي لم يكن تفتيشها يكلف وقتا ولا جهدا، لصغر مساحتها وضآلة محتوياتها.

اخذا معهما كل ما وجداه في الغرفة من أوراق، وسارا بك إلى مقر الشرطة السرية في شارع ميلانو، وإلىمام ضابط التحقيق عرفت إن هناك شكوى مقدمة من الكومندان بشير بيك الغرياني، يتهمك بانك استحوذت على أوراق خاصة بالدولة، بما في ذلك رسائل موجهة إلى دوائر حكومية، منعتها من الوصول إلى هذه الدوائر، كما انك انتحلت شخصية ليست لك وواصلت الادعاء بأنك مسؤول حكومي، وقمت بإجراء اتصالات مع المواطنين بهذه الصفة المزورة، فابلغته بأنك لم تقم بتزوير وانتحال أية صفة، ولم تفعل أي شيء يخالف القانون، لأنك فعلا مازلت رسميا الموظف المسؤول عن تلك الشكاوى، وان أي أوراق تلقيتها أو اتصالات أجريت معك انما تمت على هذا الاساس، فاخرج لك ضابط التحقيق قرارا من درج مكتبه، لم تره الا هذه اللحظة، ولم يبلغك به احد من قبل، يحمل تاريخ أسبوع مضى، وتوقيع الحاكم العام، يكلف فيه الكومندان بشير بيك الغرياني، بالاشراف على مكتب شكاوى المواطنين ويعهد الى تابعه فور مباشرة العمل اليومي هناك بدلا منك.

أفهمته انك لم تتلق أية رسالة تبليغ بهذا القرار، الا أنه لم يجد في هذا الدفاع مبررا يعفيك من المسؤولية، أو ينفي عنك التهمة التي تثبتها الأوراق المضبوطة في غرفتك ولذلك امر بحبسك على ذمة التحقيق.

لم تجد في ما جرى لك شيئا يدعو إلى الدهشة، وبرغم أنك لم تتوقع ان يصل الامر الى حد الافتراء عليك بهذه الصورة المفضوحة، والصاق مثل هذه التهمة الباطلة بك، وسوقك بسببها الى السجن كاي مجرم، الا انك كنت مستعدا لتلقي نوع من العقاب، ولا تجد غرابة فيه، حتى لو جاء، كما هو الآن، أكثر قسوة مما كنت تنتظر، ولم تشعر وانت تسمع كلمة السجن، بذلك الرعب الذي تصورت انه سيجتاحك.

تقبلت كل شيء بهدوء اعصاب، ودون ادنى درجة من الغضب، أو الاحساس بالمرارة والصدمة، بل العكس ربما كان صحيحا، إذ كنت تنظر إلى الجانب الساخر في ما حدث، لأن والدك الذي رفض ان يسمع كلامك عندما أردت ان تقول الحقيقة لأهل القرية، فمضى يواصل لعبة خداع الذات وخداع الآخرين، سيعرف الآن، وبعد ان تصله اخبار سجنك بتهمة الكذب وانتحال شخصية مزيفة، خطأ مافعل عندما رفض الإنصات إليك، ودعك من أمك فتأتيرها لا يصل إلى دوائر ابعد من بيتها، مثل والدك، ولو انها هي أيضا يجب ان تتعض بمثل هذا الدرس.

وضعوا في يديك الحديد، وامروك ان تصعد الى صندوق السيارة، حيث جلست وبجوارك شرطي الحراسة، يأخذك إلى حيث مضت بكما السيارة، حتى بوابة الحصان الاسود، او السجن الذي اعطاه الناس هذا الاسم بمنطقة بورتا بينيتو، لوجود تمثال برونزي مطلي بالاسود، لحصان يتوسط ساحة السجن.

اقفلوا عليك باب الزنزانة التي لم يكن بها احد سواك.

صدمتك على الفور الرائحة التي تشبه رائحة قطة ميتة.

احسست انهم وضعوك داخل علبة صفيح نتنة واحكموا إغلاقها عليك.

هناك كوة في حجم راحة اليد، معلقة آخر الجدار، قريبا من السقف، تعجز عن ادخال أي ضوء أو هواء.

فتشت بعد ان الفت عيناك العتمة، علك تجد هذه القطة الميتة.

فلم تجد شيئا.

كان واضحا انها رائحة بول، امتزجت برائح اخرى تراكمت على مدى الأزمنة، وصنعت هذا الخليط من الروائح الكريهة.

لم يكن هناك غير مرتبة من القش وبطانية بالية.

كانت عفونة الغرفة قد كتمت على انفاسك وتحولت من شيء تميزه بحاسة الشم، إلى التأثير في حاسة الذوق، فتشعر بمذاقه كالعلقم في حلقك وعلى طرف لسانك
تريد ان تتقيأ فلا تستطيع.

الآن فقط بدأت تستوعب حقيقة ما حدث لك، وفهم معنى السجن الذي لم تستطع استيعابه في بداية القبض عليك، وقابلته بشيء من الاستهزاء، لجهلك ببشاعة ما هو السجن.

الآن فقط تدرك حقيقة هذا السجن، دون ان تستطيع فهم لماذا أنت هنا، وأي ذنب عظيم جنيته، واستحق ان يكون عقابه هذه الزنزانة التي لا تليق إلا بقطة ميتة، لا بإنسان حاول قدر جهده ان يخدم أسياد البلاد، ويضع نفسه تحت تصرفهم.

فما الذي تراك فعلته للحاكم العام، حتى تسقط هذا السقوط المريع من سحابة الرضا التي جلست فوقها تغني وتدلدل ساقيك، ظنا منك أنك بلغت أقصى مراتب الامان، ثم اذا بالسحابة تذوب وتتلاشى في غمضة عين، وإذا بك تتأرجح في الهواء وتسقط في هذه الحفرة النتنة .

تعرف أنك رفضت عرضا جاءك من حورية للاقتران بها، وهو عرض كنت دائما تراه أقرب إلى الدعابة منه إلى ارتباط جاد وحقيقي تسعى إليه حورية، ليكون بديلا عن علاقة المصيرالتي ربطتها بالمارشال والتي تحقق لها ما تريد من اكتفاء على كل المستويات المادية والمعنوية، والروحية والجسدية، وتعلم أنك تعاملت بشيء من الرعونة مع الكومندان بشير بيك الغرياني الذي لم تتفوه بكلمة واحدة تسيء إليه، رغم ما بدر من استفزاز ومهانة منه، فهل يستحق ما فعلته أن تجد نفسك مرميا في سجن الحصان الاسود، وفي اكثر زنازينه قذارة وبشاعة، لانك لا تتصور ان تكون هناك زنزانة أخرى أكثر ضيقا وعفونة.

لابد ان هناك أسبابا أخرى لا تعرفها وتستطيع الآن أن تتبين كل أبعادها، استوجبت الحاق هذا النوع من العقاب لك، فقد كان أقصى ما تتوقعه العزل من وظيفتك، أو تجميد مرتبك، أو شيء آخر غير تلفيق التهم والالقاء بك في السجن.

تنبهت إلى وجود أصوات بشرية قادمة من الزنازين الأخرى، وصرخات أناس يتم تعذيبهم في جزء بعيد من السجن، لان صراخهم يأتي خافتا، مكتوبا، كأنه يخرج من انفاق تحت الأرض.

وهناك قرقعة سلاح في مكان ما، كأنها فرقة إعدام تستعد لإطلاق نيرانها على ضحاياها
ضاعفت هذه الصرخات وقرقعة السلاح من الخوف الذي بدأت تشعر به.

حاولت أن تتمشى داخل الغرفة بدلا من الوقوف ملاصقا للباب، متوهما أن أحدا سيفتح الباب يدعوك للخروج، رافضا ان تصدق ان هذه الغرفة هي الآن مقر إقامتك بمثل ما كانت قبل اليوم غرفتك في فندق الكبران.

لقد أقفل الباب وسدت منافذ الضوء والهواء، وعليك ان تواجه سجنا يعلم الله وحده الى اين امد يطول
الا ان المجال داخل الغرفة لم يكن يتسع لاكثر من خطوتين في كل اتجاه، ثم تجد نفسك تصطدم بالحائط، وعلى كل حائط من الحيطان الأربعة، نقشت كتابات وخربشات وخطوط، حاولت من خلال ما تسمح به عتمة المكان تبينها، إلا انها كانت عصية على القراءة، تحتاج لتركيز وتمعن، بعضها أسماء أناس، لعلهم نزلاء هذه الغرفة سجلوا بها أسماءهم للذكرى، وأكثرها كلمات أمل ورجاء "اشتدي أزمة تنفرجي"، »كل من دخل خرج، ما بعد الضيق الا الفرج«، »السجن للرجال والابطال« وأحدهم وجد صلة نسب بين هذه الزنزانة ومعتقل العقيلة، فرسم على الحائط من مقاطع قصيدة سيدي رجب بوحويش »مابي مرض غير دار العقيلة، وحبس القبيلة، وبعد الجبا عن بلاد الوصيلة«، اما الكتابات الاخرى فهي ايات قرآنية ونداءات للاولياء والصالحين والنجدة بسيدي عبد السلام الاسمر، اوسيدي الهدار، اوسيدي الشعاب، اوسيدي الحطاب، اوسيدي المصري، نفعنا الله ببركاتهم اجمعين، كلمات كتبها اناس مروا بهذه الزنزانة، يعالجون بها أمراض اليأس وانهيار الروح، وهم يعيشون وسط هذا الصندوق الحجري الذي يحط من قيمة الانسان وينتهك من آدميته، ما شد أزرك حقا، ان هؤلاء النزلاء الذين خطوا هذه الأسطر كلهم أناس متعلمون، فوق طبقة اللصوص والمجرمين الذين لا معرفة لهم بالقراءة والكتابة، وربما كان بعضهم مجاهدا ،ايام الجهاد، أو مناضلا للظلم في هذا الزمان.

اكتشفت وأنت تنتقل إلى حائط آخر من الحيطان الأربعة، ان بين الخطوط والخربشات شجيرة مرسومة على رقعة واسعة من الجدران، بلون أسود، ثم اكتشفت عندما أمعنت النظر، انه ليس سوادا، وانما حمرة قانية، وسرت في نفسك قشعريرة رعب، وقد اتضح لك انه دم تناثر على الجدار.

كان واضحا أنها آثار دماء الضحايا ممن شهدت هذه الزنزانة تعذيبهم، أو قتلهم تحت التعذيب.

ها انت هنا، تلتقي وجها لوجه بلغة الجبروت والطغيان، لغة القوة التي إذا قالت فعلت، حتى وان كانت مكتوبة بدم النزيل، لا ما يكتبه هذا النزيل بنفسه مستخدما لغة المسكنة والرجاء، متوسلا بالاولياء والنصوص الدينية سبيله للخلاص.

هذا هو الوجه الآخر للحاكم الإيطالي، الذي لا تعكسه المرايا الكثيرة الموجودة في بيت عشيقته حورية .

جلست فوق مرتبة القش، لا تدري ماذا تفعل بنفسك.

اظلمت الكوة الصغيرة أعلى الجدار، رأضيء في دهليز السجن مصباح كهربائي يتسلل منه الضوء إلى زنزانتك عبر شباك حديدي في بابها، إلا أنه ضوء لا يضيء شيئا.

أطبق الليل وبدأت الأصوات تهدأ إلا من أنين يأتي من مكان بعيد.

نمت نوما متقطعا، ومضى الوقت دون أن تشعر بعطش أو جوع أو حاجة لقضاء الحاجة البشرية، حتى جاء الحارس مع الصبح يذكرك بانقضاء الليل.

قادك إلى دورة المياه البدائية، وأعادك ليعطيك إفطارك، كسرة من الخبز وكمية من الشاي البارد في كوب نحاس صغير.

ورغم علمك انه لا يعرف شيئا، فقد حاولت ان تعرف أي شيء يمكن ان يضيء عتمة هذه الظروف الغامضة التي تحيط بك، ويبدو أنك سألته اسئلة محظورة، أو لم يألف سماعها، فقد التفت وراءه مذعورا، وخرج مسرعا، واقفل خلفه الباب بقوة، دون أن يقول شيئا
سمعت بعد قليل من انصرافه، اصوات ابواب تفتح واقدام تعبر الممر امام زنزانتك، وعرفت فيما تناهى اليك من كلام، انه موعد خروج السجناء الى الساحة.

حسبت ان هناك تعليمات تمنع خروجك من الزنزانة، مثلما منعت اختلاطك بهم في عنابر السجن، والاحتفاظ بك في زنزانة منفردة، إلا ان شرطي الحراسة ما لبث ان جاء يفتح الباب ويدعوك للخروج مثل بقية النزلاء.

عرفت اثناء وجودك في الساحة، ان هذه الزنزانة تخصص فقط لاول يوم يقضية النزيل في السجن، قبل استكماله للفحص الطبي، كاجراء وقائي، صحي، وتفاديا لما حدث في السابق، عندما جاء سجناء يحملون امراضا معدية مثل السل الرئوي والتهاب الكبد الوبائي، نشروها بين زملائهم في العنبر، عندها فقط عرفت السبب في انهم انتزعوا عينة من دمك قبل ايداعك هذه الزنزانة، إلا أنك تستطيع بمجرد التطلع الى وجوه هؤلاء السجناء، ان تعرف ان لا أحد منهم يخلو من مرض مزمن، يكفي ان ترى عظام وجوههم البارزة، ورقابهم التي لم يبق بها إلا الحبال، واصابعهم التي تشبه أصابع هيكل عظمي، وبشرتهم الصفراء التي تؤكد ان مرض فقر الدم حقق عدالة التوزيع بينهم جميعا دون ان يستثني أحدا ، لتدرك ذلك.

اما الرمد الذي يأكل العيون، فهو سمة مشتركة بين اغلبية النزلاء، ويبقى سيد الأمراض كلها، الذي جاء بهم إلى هذا المكان، هو الفقر، إذ أنك ما سألت أحدا منهم، عن سبب وجوده في السجن، إلا وجدته لصا، سرق متجرا، أو سرق عنزة، أو سطا على شجرة عنب في مزرعة مستوطن إيطالي، كلهم معدمون، لا يجدون فرقا بين وجودهم في السجن أو في بيوتهم، لانها ليست أفضل من هذه الزنازين، ولا الطعام أفضل من هذا الطعام، الذي، رغم مستواه المتدني، قد لا يجدونه هناك.

رأيت بين المساجين من جاء يتفرس في وجهك، وكانه لا يصدق انه انت، ثم يصيح مندهشا :

ـ هل هذا معقول؟

عثمان الشيخ معنا في السجن.

كان الرجل هذه المرة شابا، تحسبه في بداية الأمر بدينا، بل لعله البدين الوحيد بين هذه الهياكل البشرية، ثم لا تلبث ان تكتشف ان ما به ليس بدانة، وانما بناء جسمي قوي، اكتسبه بالتدريب والتمرين، كأبطال ألعاب القوة، من مصارعين وملاكمين، وقفت تتأمله قليلا، مستغربا لوجوده بين هؤلاء البشر القادمين من حضيض الحياة.

تركته وواصلت المسير، مشى بجوارك قائلا :

ـ الم تعرفني؟

ـ لا اذكر، ولكن لا بأس ان تذكرني.

مددت يدك تصافح اليد التي مدها إليك، وأنت ترى فيه أحد المساجين القليلين ممن يمكنك ان تتواصل معهم دون خوف من انتقال القمل إليك.

ـ اخشى ان قلت لك، ان تغضب عني.

نظر اليك بزاويتي عينيه، فتذكرت في الحال ،انه سبق وان التقيت بهذه النظرة في ليلة لن تنساها.

انها ذات النظرة التي لمعت تحت أضواء سيارة عابرة.

ليلة ان تربص بك ثلاثة من أوغاد المدينة القديمة، أوسعوك ضربا حتى أشرفت على الهلاك في زنقة القزدارة والحدادين.

كدت تأخذ بخناقه، إلا أنك تمالكت أعصابك وقلت له حانقا :

ـ أرجو ان تبتعد عني فهذا أفضل لك ولي.

ــ ليس قبل ان تسمع اعتذاري، لأن وجودك هنا في هذا السجن، مهما كانت التهم الموجهة إليك، يعني شيئا واحدا، هو أنك واحد منا، ولست منهم.

ـ لا انتظر شهادة براءة من أحد.

ـ أرجو ان تسامحني.

ـ عفى الله عما سلف.

ـ وجدوني أقوم بتوزيع منشورات أصدرتها لجنة الدفاع عن طرابلس وبرقة، الموجودة في المهجر، فقادوني بلا محاكمة إلى السجن، وأنت ما الذي جاء بك، إذا سمحت لي ان أسأل؟ ـ ان كنت تعرف تهمتك، فصدقني لو قلت لك أنني لا أعرف تهمتي.

ـ سأعود فور خروجي من السجن إلى مواصلة العمل الوطني، بإذن الله، فمرحبا بك ان رغبت في خدمة الوطن معنا.

ـ هل استطيع ان أعرف ما عمرك؟

ـ واحد وعشرون عاما، وعمر المختار الذي مات شهيدا وهو يحارب الطليان، كان عمره فوق السبعين، فما أهمية العمر؟ ـ عمر المختار حارب منذ بداية الغزو، واستشهد منذ خمسة أعوام مضت فكان موته خاتمة الجهاد، بدأ مع جيش قوامه الشعب كله، وانتهي بجيش صغير قوامه عدة انفار، فبأي جيش تخوض أنت الحرب.

ـ الناس موجودون لكنهم بحاجة إلى قيادة.

أدركت ان الولد لم يستوعب ما قلته له، وإذا كان بطلا أسطوريا مثل المختار لم يستطع ان يواصل معه الجهاد إلا عدد قليل من هؤلاء الناس الذين طحنتهم حرب طويلة غير متكافئة، فكيف إذن مع قيادات على شاكلة هذا الصغير.

ـ وأين هم هؤلاء الناس؟

ـ لنبدأ من هذا السجن، كل واحد موجود هنا لديه ألف سبب لأن يحارب الطليان.

ـ ولماذا لم يحارب إذن؟

ـ الشعب في حاجة إلى تنظيم وقيادات.

قلت له ساخرا :

ـ واين ذهبت انت؟

وكأنما أخذ كلامك مأخذا جادا، فقد أجاب بسرعة وحماس :

ـ القيادة السياسية موجودة، ولكن القيادة العسكرية هي التي تنقصنا.

قلت محاولا أن ينتهي هذا الحوار العبثي :

ـ أنت الخير والبركة.

ـ لابد من رجل له خبرة عسكرية، وهو موجود، بل هو هنا في هذا السجن.

نظرت إليه باستغراب وسخرية، قبل ان تتركه وتمضي، إلا أنه استوقفك قائلا :

ـ لا تستغرب يا سيد عثمان، انه أنت هذا القائد.

لم تستطع ان تمنع نفسك من الضحك.

ـ ولماذا الضحك؟

ـ أضحك لأنني منذ أمد قصير، كدت ألقى حتفي على أيديكم باعتباري عميلا للطليان
ـ وما الغرابة في ذلك، ألم يكن سيف الله المسلول ،سيدنا خالد بن الوليد، قائدا لجيش الكفار، قبل أيام من توليه قيادة جيش المسلمين.

خبرتك في العمل معهم، ستكون احدى نقاط القوة التي تساعد في تحقيق النصر عليهم بإذن الله.

قررت ان تكون جادا مع هذا الفتى المهووس ببطولات الماضي، فأنسيته الواقع.

قلت له محذرا :

ـ دعك من مثل هذا الكلام الذي سيكون سببا في هلاكك لو وصل الى اسماع "الاوفرا" .

واصرف جهدك للدراسة، او الرياضة التي تحبها، فذلك اجدى من هذه الأوهام التي لا علاقة لها بالواقع، اما أنا، فارجو أن تخرجني من رأسك، لانني مازلت عسكريا في جيش الطليان.




تابعونا على فيسبوك