الجزء الأول

خبز المدينة -47-

الإثنين 22 ماي 2006 - 16:33

خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه "المغربية" بنشر فصول من الرباعية الروائية الجديدة "خرائط الروح"، التي انتهى أخيرا من إنجازها، ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تا

حدث اكثر من مرة أن تناهى اليك صوت المؤذن، وأنت في الساحة، في أوقات الظهر أو العصر او المغرب، فقد صرت تخرج للساحة كثيرا، لمجرد ممارسة هذه الحرية التي لا يملكها بقية النزلاء، فتتخذ مكانا بجوار التمثال وتتجه صوب القبلة لأداء الصلاة، وقد ايقظ الاذان في ذهنك روابط وعلاقات وصور ومشاهد ربطتك بهذه المدينة التي تغادرها يوم الخميس القادم، ولا تدري إذا كنت ستعود إليها أم لا تعود.

تفرغ من الصلاة، وتتساءل بينك وبين نفسك، أو بينك وبين الحصان البرونزي، ان كان هذا هو الوداع الاخير لهذه المآذن، وهؤلاء البشر وهذا الوطن بمفازاته الرملية الشاسعة وواحاته التي تتناثر بقعا خضراء فوق المتاهة الحمراء، لتتوى عظامك في احدى الفجوج البعيدة لافريقيا السوداء.

هل هذا هو آخر عهدك بهؤلاء الأهل والأصدقاء الذين صاروا يفدون اليك بأعداد كثيرة كل يوم ويقيمون المناحات في قاعة الزوار، فتخرج إليهم وسط القاعة وتلتقي بهم دون حواجز، تصافحهم وتتبادل معهم الأحضان والقبلات.

لم يكن غريبا أن تبكي أمك هذا البكاء الحارق القوي الذي يهز حيطان السجن، وإنما الغريب هو ان ترى والدك، الذي لم تشاهده يبكي قبل الان، يدرف الدموع غزيرة وهو يحيطك بذراعه ويأخذك الى حضنه ويعبر عن هذا الفيض من العواطف وهو الذي كان حريصا في كل المناسبات على ان يبدو قويا، قادرا على حبس دموعه وكبح مشاعره، في اكثر المناسبات حزنا التي شهدتها مع العائلة، في طفولتك وصباك، بما فيها موت أعمام وعمات، هم بالنسبة له اخوة وأخوات.

ولم تستطع انت ايضا ان تقاوم الرغبة في البكاء، فصرت انت ايضا تذرف دموعا اكثر غزارة من دموعه وأنت تدرك لأول مرة ان لوالدك كل هذه العواطف نحوك التي لم يكن يظهرها لك
واخرجت أمك حجابا قالت إن الفقي عبد الله، اعده خصيصا لك، وكتب فيه التعويذه التي تسخر الملائكة لحراستك، وعلقت الحجاب في عنقك واوصتك الا تخلعه بالليل والنهار
لم تشأ ان ترد عليها ما جاءت به من قديد وكعك وسويق ممزوج بمسحوق الحلبة ومعجون بالزيت والتمر.

اخذته منها، ورجوت بعد خروجها عبد المولى أن يأخذه، لانك لن تذهب الى السفينة محملا بهذه الصرة التي تفوح منها رائحة الحلبة وشرائح اللحم المقدد، خشية أن يرمي بك قبطانها في البحر.

جاءت نورية وصاحباتها، بمن فيهن شريفة ،سيدة البيت البدينة، التي كانت دائما في استقبالك، جالسة في غرفة السقيفة بالبيت القديم بزنقة البهلول، كما هي لم تتغير، تنهج تعبا، وتصدر شهيقا وزفيرا عاليا، حتى وهي واقفة لا تفعل شيئا.

جئن واحضرن معهن لحم الذبيحة التي كانت تنتظر حفل خروجك، فذبحت اليوم، وملأت هبر اللحم المذبوح طنجرتين، تم توزيع كل منهما على الحراس، والسجناء الذين تصادف وجودهم في قاعة الزويارات، هم وضيوفهم، واخذت بعضا منه لرفاق الزنزانة، وبعكس الزيارت الاخرى التي يلونها الحزن، كانت هذه الزيارة الوحيدة المليئة بالمرح والدعابات، وخلقت قدور اللحم جوا احتفاليا شارك فيه الحراس انفسهم الذين كانوا ينهبون اللحم من بعضهم بعضا ويطارد بعضهم الاخر ليسترد ما نهب منه، ولم تسمح لنورية ان تفسد هذا الجو بالبكاء، فقد أخرجت منديلها وبدأت أولى شهقاتها، فرجوتها الا تفعل، لانك تريد ان تحتفظ بصورتها في ذاكرتك، وأنت تذهب الى الحرب، باسمة، جميلة، لا باكية حزينة، تفسد ملامحها الدموع.

وقبل انتهاء الزيارة، اخذتك السيدة البدينة جانبا، واعطتك هدية، رات انك ستحتاجها اكثر من أي شيء آخر في الايام القادمة المليئة بالاعمال الحربية، وهي علبة معدنية من غبرة المسك.

رأتك تمسك العلبة حائرا لا تعرف شيئا عن استعمالاته، ولا تدري لماذا ربطت بينه وبين العمليات الحربية، فافهمتك انه مسك من النوع الأصيل المستخرج من اكباد الغزالات، الذي لا تصمد أية رائحة مهما كانت كريهة امامه فهو يزيلها وينشر عبيره في مكانها، لانه ليس من تلك الانواع المقلدة الرخيصة التي تملأ السوق، وانك لن تجد شيئا افضل من غبار المسك الحقيقى تحارب به رائحة الموت، ولم تقل شيئا يفيد انك مازلت لم تفهم قصدها بالضبط، الا انها رأت ان علامات الحيرة لم تختف من جبنيك، فواصلت الحديث قائلة بأن المجاهدين أنفسهم كانوا يستخدمون هذه الغبرة لحفظ كرامة موتاهم، أثناء المعارك، أي عندما يتعذر نقلهم ودفنهم، فكانوا يدرون غبار المسك عليهم، لتبقى رائحتهم زكية عطرة حتى تبلى عظامهم، وان هذه الغبرة هي أهم عنصر من عناصر الحنوط الذي يدخل في تطييب الموتى من الأكابر والعظماء.

ورغم ما يبعثه حديث الموت من كآبة، وما تثيره الاشياء التي تتصل به من رهبة وتخوف ،الا انك اخذت منها العلبة باسما شاكرا لها هديتها، مقدرا لها شعورها النبيل الذي يدعوها الاهتمام بكرامة الموتى الليبيين من ضحايا الحرب في الحبشة.

وخطر لك عندما عدت الى الزنزانة، ووجدت علبة المسك في جيبك، أن تجرب مسحوقها في محاربة الرائحة الكريهة التي لا تزال عالقة بسقوف الزنزانة وجدرانها، وكانت النتيجة مبهرة، فما أن قبضت بأصبعيك على كمية ضئيلة منها، ورميت بها في فضاء الغرفة، حتى نشرت عرفا طيبا أزال ما كان يملأ الجو من رنخ وعفونة.

وعندما جاء الكبران لزيارتك، أبى أن يأتي دون ان يحضر معه جهاز الحاكي، الذي رآى أن واجب الصداقة يفرض عليه ان يعيده اليك، وحيث انك مسافر إلى تلك المجاهل الافريقية الموحشة، فلابد انك ستحتاج الى جهاز مثل الحاكي، يكون مصدر تسلية ومؤانسة لك
واختار ان يضع فيه اسطوانة تحمل اغنية شعبية تناسب المقام هي "فتنا النخل والديس وتعدينا، لحقنا الندم ياريتنا ولينا ".

وقد اطلق الحاكي يلعلع وسط أجواء السجن ،غير عابىء بما يمكن ان يقوله الحراس، لا انهم لم يقولوا شيئا، فقد جاء من كان مناوبا منهم في الساحة، ينضم الى الموجودين في قاعة الضيوف، يسمع الاغنية التي تذكره باجواء اخري تركها وراءه في الأرياف التي جاء منها.

ورغم جو المرح والتهريج الذي خلقه الكبران ورفاقه الثلاثة من أعضاء الشلة الذين جاء بهم معه، قائلا بطريقته الفوضوية، بأنهم جاإؤوا لوداعك ظاهريا، اما الحقيقة فانهم جاؤوا لوداع الحاكي، الذي يفارقونه بعيون دامعة.

رغم هذا الجو الضاحك، لم تستطع أن تمنع عبراتك من النزول وانت تستمع الى هذه الاغنية الحزينة، وكلماتها الموجعة ،المؤلمة، ولحنها الشعبي المورزقاوي الذي ينساب صافيا رقراقا كالغدير، و التي تصور قسوة الرحيل.

توقف تهريج الكبران واصحابه وأراد ان يوقف الاغنية فسألته أن يتركها حتى تنتهي
جففت دموعك بعد انتهاء الاسطوانة، وأردت ان تعود إلى جو المرح، فقلت للكبران انك ترد اليه الحاكي، بشرط الا يتركه دائما يردد الأغاني القديمة التي رددها عشرات المرات الى ان يصيبه الضجر فيتوقف عن العمل، وأن يعمل على تزويده بالاغاني الجديدة التي تنزل السوق.

وسالته ان يحتفظ بالحاكي كتذكار منك، فادعن مرغما لرغبتك واضعا شرطا لقبول الهدية :

ــ سأحتفظ به ليس كتذكار وإنما كأمانة تستردها عندما تعود قريبا ان شاء الله.

ــ ان شاء الله.

نعم، لانه لاشيء في الدنيا خارج هذه المشيئة الالهية، ولها وحدها حق اتخاذ القرار فيما كنت ستعود او لا تعود.

وكانت ثريا، التي لا تشبه شيئا غير اسمها، هي آخر من جاء، صحبة أمها وأخيها، حاملة تحية والدها ورسالة شفهية منه، وهي الا تستاء من شيء كتبه الله لك، وتحاول أن تسخره لصالحك حتى لو كان سجنا وذهابا للحرب، لانه هو القائل "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"، اذ ما اكثر ما كانت التجربة القاسية فرصة لاختبار قوتنا وتعزيز الثقة بانفسنا، دون ان تنسى وانت ذاهب الى الحرب، بأن الاعمار بيد الله، وانه لا احد في هذه الدنيا يموت ناقصا عمرا.

افرحك مجيئها، وأشاع في نفسك شعورا بالطمأنينة والآمان، وقفت قبالتها محاولا ان تحتوي ما يفيض به وجهها من عذوبة وشفافية، وان تستمد من وهج عينيها دفئا لاعماقك المقرورة خوفا، وأن تستمد منها ضوءا يزودك بطاقة جديدة تعينك على اعباء الرحلة المرة القاسية التي تنتظرك.

اعتذرت لامها عن صرة الاطعمة التي تشبه صرة امك، تريدك ان تحملها لصهرها فتحي، متحججا بانهم يرفضون ادخال مثلها إلى السفينة، ووعدتها بأنك ستبحث عن فتحي حتى تلقاه، وترسل من هناك رسالة تبلغهم فيها باحواله، وأحوالك، مع صورة شمسية لكما على ضفة احد الانهار، تشربان حليب جوز الهند.

قلت هذا الكلام لتخفف عن المرأة المسنة قلقها على صهرها، وترسم لها صورة اخرى غير صورة الحرب.

ندمت على شيء واحد، هو أنك لم تنتهز فرصة خروجك منفردا مع ثريا، فتأخذها الى احد المصورين الطليان، من أجل صورة تذكارية تكون زادا لك في تلك البلاد البعيدة.

تمنيت لو استطعت احتضانها، ولان ذلك كان مستحيلا في مثل هذا المكان، وفي حضور أمها وأخيها، فقد اكتفيت بأن امسكت بيدها واستبقيتها لحظات في يدك، مستمتعا بلذة هذا التواصل الحسي، وما ترافقه من متعة روحية تسكب قطراتها في صدرك بردا وسلاما
احضر لك عبد المولى من غرفتك بالفندق، حقيبة احتوت بعض الامتعة التي تحتاجها في السفر، واودع ما تبقى لدى اسرتك، وجاء، في صباح يوم الخميس، اثنان من جنود البحرية، لاخذك في سيارة عسكرية الى الميناء، واصطحابك عند دخول السفينة، وحتى تسليمك لاحد حراسها، فلم يعودا حتى جعلاه يضع توقيعه على الورقة التي تفيد باستلامك منهما.

كان المشهد مؤثرا وأنت تجد هذا العدد الكبير من الأقارب والأصدقاء، من رجال ونساء، جاؤوا لوداعك، وكان الفضل لعبد المولى في إبلاغهم بالموعد وتجميعهم على هذا النحو بمن فيهم الشيخ البلبال الذي وجدته يقف قريبا من سلم السفينة منذ وصولك اليها وفي يده قطعة طويلة من جريد النخيل يغطيها السعف الاخضر، فتفاءلت بوجوده بين المودعين واقبلت تشكره وتحييه، الا أنه حاول أن يمازحك بطريقة اثارت حنقك قليلا، عندما رفع قطعة الجريد، وأنت تصعد السلم، وظل يضربك بها على ساقيك وقدميك، ولم ينقذك الا وصولك اثناء الصعود الى مستوى أعلى مما تصل اليه جريدته، دون أن تدري ان كان معنى هذه الحركات مباركة لك أو تعبيرا عن غضبه منك، اذ من تراه يستطيع أن يعطي تفسرا لأفعال درويش مثل الشيخ البلبال؟ أسعدك كثيرا ان ترى الحاج المهدي، قد جاء راكبا عربة الحنطور، وظل جالسا بها يلوح لك بيده مودعا، ولم تكتف نورية هذه المرة بجلب صاحباتها وإنما أحضرت ابنتها ورده، ذات السنوات السبع، وصارت ترفعها فوق رأسها لكي تراها، وقد قفت جنبها نساء لا تعرفهن وخمنت انهن من نساء سيدي عمران ممن حصلن على البيوت الجديدة إثر تلك الزيارة، وراين في ذلك معروفا اسديته لهن وجئن يكافئنك بهذا الوداع، بينما وقف حول الكبران اناس لا تعرفهم، يلوحون لك بايديهم، فتذكرت ما سبق ان قاله عن وجود اناس من اصحاب الشكاوي، ممن استجابت الحكومة لشكاواهم التي اعطوها لك، وهم يبحثون عنك ليعبروا عن مشاعر الامتنان والعرفان بالجميل.

وقريبا من السلم عن وقف والدك، مع عدد من ابناء البلدة، ينظرون باستغراب لهؤلاء النسوة الطرابلسيات اللائي جئن لوداعك، غير قادرين، فيما يبدو، على تفسير او معرفة الرابطة التي يمكن ان تربطك بهن، وحاول والدك، اثناء مرورك قريبا منه، ان ينقل اليك دعواته، ووصاياه بأن تأخذ حذرك وتحافظ على نفسك وتعود لاهلك سالما غانما
ولم تستطع، في ما تبقى من زمن الانتظار على رصيف الميناء، وانت واقف بمحاذاة سور السفينة، وسط عدد من المجندين الذين يلقون نظرتهم الاخيرة، قبل السفر، على اهلهم، الا ان تصرف ذهنك، وتتجه ببصرك، الى امرأة واحدة في هذا الحشد، استولت على مشاعرك كلها، ورمت شباكها على قلبك فاضحى رهينة في قبضتها، الى درجة أحسست معها بتأنيب الضمير، لأن أمك التي تبكي بذات الحرقة واللوعة منذ ان جاءت من القرية، لم تستطع، برغم حبك لها، أن تنافس ثريا في استقطاب مشاعرك، وكان ثريا حقا، تملك قوة سحرية، لها قوة جذب وسيطرة على عقلك وقلبك وجسدك، واحسست بعد فترة من التحذيق فيها، وتركيز بصرك عليها، ان الافق كله امتلا بصورتها.

وكان اجمل ما حدث لك ان رأيت مصورا ايطاليا، يلتقط الصور للمودعين من فوق ظهر السفينة، وعندما عرفت انه مراسل حربي، سيرافقكم الى الحبشة، طلبت منه، ان يلتقط صورة مقربة لثريا، وستعطيه أي ثمن يطلبه ،الا انه أبدى استعداده لالتقاط الصورة لثريا بلا ثمن، قائلا بأن هذا هو ابسط واجب يقدمه صحفي ايطالي لجندي ليبي في طريقه إلى الحرب من اجل عزة ومجد ايطاليا.

اسعدتك استجابته السريعه، الا أن مزاجك الحزين هذا النهار، وضعها في مصاف الاستجابة التي يلقاها عادة المحكوم عليه بالاعدام، لما يسمونه الرغبة الأخيرة، لأن هذه كانت آخر أمنية جاهرت بطلبها من انسان، قبل ان ترفع السفينة خطافاتها التي تشدها الى قاع البحر، وتفك الحبال التي تربطها باوتاد الرصيف، وتباشر ابحارها إلى الشطوط البعيدة.

ابتعدت السفينة عن الشاطيء وشمس الظهيرة تغرق المدينة بفيض من الضياء فوداعا طرابلس، القلعة، والميرامار، وبرج الساعة، والفندق الكبير، وسيدي الشعاب، والقباب الذهبية لقصر الحاكم، و مآذن جامع الباشا، وقرجي، وبن ناجي، وسيدي حموده
الشاطيء يأخذ تكوينا جماليا كلما اوغلت السفينة في عمق البحر، ويتحول الى هلال ضخم، يحضن زرقة البحر باخضراره المضيء، اللامع، وأقواس الحجر وأوراق الشجر التي تصنعها الصورة البعيدة لأشجار النخيل وهي تندمج في أجنحة الآبار المحاذية للشاطيء
يتضاءل حجم المدينة، وتتلاشى ابنيتها، وقصور حكامها، فلا يبقى ظاهرا الا ذؤابات اشجار النخيل ومآذن المساجد.

لابد ان تركب البحر لترى طرابلس على حقيقتها، هكذا كنت تقول لنفسك طوال الوقت
لابد ان تبتعد عنها لترى الافق الذي صنعته مأذنة ونخلة وجناح بئر، وكيف يحدد هذا الخط هويتها، ويقول لحاكمها الايطالي، افعل ما شاء لك المزاج والفن والجمال ان تفعل، تزويقا وتلونيا لهذه المدينة، من أجل الباسها حلة أجنبية، فإنها ستبقى واحة من واحات الصحراء، تحيط بها الارض القاحلة الجرداء، وكتبان الرمال التي تتماوج حمرتها المبهجة تحت ابخرة الشمس الحارقة، هذه الرمال التي صنعت ذراعين عملاقين، يحملان الواحة الخضراء، ويقدمانها قربانا للبحر.

كل شيء يسبح في الضياء الصارخ لشمس الظهيرة.

كل شيء يتراءى لك وكأنه ينفك ويتحلل، ويسير مبتعدا عن بعضه البعض.

الشاطيء يسير القهقرى، متراجعا، مبتعدا عن السفينة، والسفينة تسير مبتعدة عن الشاطيء، والبحر الذي تتماوج زرقته، وتتحرك مياهه، وتتكسر فوقها اشعة الشمس العمودية، يسير هو الاخر مبتعدا عن خط الافق.

وترفع بصرك الى السماء، فتجد سحبا بيضاء كندف القطن، تلتقى ثم تنفصل عن بعضها البعض، والأفكار في رأسك، عربات تلاحق بعضها بعضا، وتصطدم ببعضها البعض، قبل اأن تغيب في السديم الكبير الذي يغلف الكون.

ولا تدري لماذا خطر ببالك، وانت ترى طرابلس محمولة فوق الذراعين الاحمرين، العاريين، المتوهجين، لعملاق الرمال، مشهد مختار العساس، وهو يحمل بين ذراعيه جثة ابنته وسط البراري.

تذكرته وهو يبكي ويسير، باحثا وسط متاهة الصحراء، الشاسعة، القاحلة، الجرداء، الحمراء، عن قبر يدفن فيه ابنته.

رأيت المدينة تبكي وتسير، والشاطيء يبكي ويسير، والسفينة تبكي وتسير، والشمس في قبة الكون تبكي وتسير، وانت تبكي وتسير باتجاه مصير، غامض، مجهول.




تابعونا على فيسبوك