الجزء الأول

خبز المدينة -42-

الثلاثاء 09 ماي 2006 - 12:27

خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه "المغربية" بنشر فصول من الرباعية الروائية الجديدة "خرائط الروح"، التي انتهى أخيرا من إنجازها، ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تا

ورأيت أن الإنسان الوحيد الجدير بأن تزوره، وتنعم ببركاته هو الشيخ البلبال، رجل يتعامل مع عالم الروح، لا مع دنيا المنافع والمطامع، والاغراءات المادية، التي وقعت اسيرا لها، وركضت وراء سرابها فكنت كالقابض على الريح، فالى هذا الشيخ يجب أن تتجه، ان رمت تطهرا وتوبة وعلاجا لاسقام الروح وخلاصا من أعباء الماضي.

وما ان صحوت واغتسلت وتناولت إفطارك من خبز وشاي وجبن، حتى توكلت على الله متجها الى بيت الشيخ البلبال في زنقة شايب العين، قريبا من ميدان الساعة.

هبطت السلالم ويممت صوب باب الفندق فاذا الشيخ البلبال يجتاز العتبة داخلا، فلم تزد على ان قلت لحظة ان رأيته، والدهشة كادت ان تعقد لسانك لهذه المصادفة الغريبة :

ــ كنت في الطريق إلى زيارتك يا مولانا.

ــ جئت الى هنا، لاعفيك من عناء مشوار لا طائل من ورائه.

ــ لماذا تحرمني من عونك يا مولانا.

ــ لانك لن تجد العون لدى احد غيرك انت.

ــ الا تتكرم وتتلطف وتجود علي بكلمة انتفع بها.

ــ كم مضى من الوقت لم تزر والديك، الا تعلم ان رضاهما من رضوان الله.

اعطاك الكلمة التي طالبته بان يجود بها عليك، واختفى، في حين رجعت انت صاعدا الدرج إلى غرفتك، ودون ابطاء وضعت في شنطة الكتان ما تحتاجه اثناء السفر الى القرية من أغراض، وانطلقت الى وكالة الشوشان، تبحث عن سيارة متجهة الى اولاد الشيخ.

كانت أخبار الحظوة التي تتمتع بها لدى الحاكم الايطالي قد جعلت منك واحدا من أصحاب الجاه والسلطان في أعين أبناء البلدة، وما ان سمعوا بوصولك حتى توافدوا على بيت والدك حيث اقمت، لاستقبالك وتهنئتك بما وصلت اليه، ولم يتوان والدك في تأكيد هذه الوجاهة، فنحر كبشا على شرف قدومك، يطعم به هؤلاء الضيوف، وكان خلال الايام الماضية قد استثمر هذه السمعة، فصنع لنفسه مكانة بين أكابر القرية، حتى اصبح بيته مكانا يقصده هؤلاء الاكابر لمشاركته في تصريف أمور البلدة والاستعانة به في اجراء الاتصالات مع الحكومة، وهو الذي كان قبل ذلك مجرد رجل بسيط من عامة الناس، يقبع في دكانته يبيع العلك للاطفال والشموع والقناديل لزائري القبور، لا صلة له بأكابر القرية وشيوخها ولا يدرون بوجوده في الدنيا.

وجاء منذ اللحظة الأولى لوصولك، من يحمل لك العرائض والشكاوى، يريد حلا على يديك، وكنت تريد ان تشرح لهم انه لم يعد لك صلة بالمكتب الذي يتولى هذه الامور، لانك تركته لمشرفين آخرين، وعدت عسكريا في جيش الطليان.

الا ان والدك، منعك من الخروج اليهم، ومصارحتهم بمثل هذا الكلام الذي يراه سابقا لاوانه، فانت مازلت لم تترك رسميا مكتب الشكاوى، ولو تركته فان هذا لن يلغي صلتك الوثيقة بالحاكم العام التي يعرفها اهل القرية ويفخرون بها، وعندما ترفض استلام شكاواهم، فانت بذلك ترفض خدمتهم، وتكسر خاطرهم، وتجلب السمعة لنفسك وأهل بيتك.

وهكذا كان هو الذي يخرج اليهم ويستلم منهم شكاواهم وعرائضهم، ولا يتردد في وعدهم بالنتائج السريعة التي سيوافيهم بها ابنه وما سيبذله من سعي لتحقيق مطالبهم، كما جاء الشيوخ والمدراء برسائلهم ومذكراتهم الرسمية المرفوعة الى الحاكم العام، يطلبون فيها أن يشمل قريتهم بعين الرعاية والرضا وأن يساعدهم في التغلب على الفقر والبطالة بالموافقة على عدد من المشاريع التي تأخر تنفيذها مثل تعبيد الطريق الموصل لعاصمة الإقليم وبناء المستوصف الجديد وحفر بئر جديدة للشرب تنقذ أهل البلاد من شرب المياه الجيرية الموجودة في البئر القديمة، فاخذها منهم الاب مع التأكيد على استعداد ابنه لاقناع صديقه الحاكم العام بتلبية هذه المطالب، فلا خير في صاحب المسؤولية والنفوذ اذا لم يذهب خيره لأهل بلدته قبل كل الناس.

جئت إلى أولاد الشيخ هاربا من المدينة، تنشد فيها السكينة والسلام، بعيدا عن الاجواء التي اصابتك بتعب البدن والروح، فاذا بتلك الاجواء تسبقك اليها، وتقضي على ما كنت تجده من ألفة وعفوية عند لقائك مع اهلك وذويك في هذه البئية الريفية القروية الخالية من تعقيدات المدينة وعلاقاتها القائمة على المنفعة وتبادل المصالح، فاذا بك تجد هذه المصالح تدخل في أكثر العلاقات حميمية وخصوصية مثل علاقتك بوالدك، الذي سد اذنيه واقفل قلبه وعقله عن سماع ما كنت تقوله له، بان هذه الأخبار السارية عن علاقتك بالحاكم العام، مجرد شائعات لا اساس لها، وان العمل في مكتب الشكاوى تولاه اناس آخرون، وان ذلك لا يغير من حقيقة انك بخير وعافية، ولك رتبة في الجيش تضمن لك راتبا يكفي حاجاتك ويفيض بما يمكن ان يساعد به اخوته من حين لآخر، فما ضرورة الادعاء بامتلاك ما ليس لنا، الا انه ظل متشبثا بهذه الاوهام التي جعل منها بديلا للواقع، فلم يعد قادرا على مواجهة الحقيقة.

ذهبت تنقل بعض همومك إلى امك، قائلا لها، بلغة بسيطة تناسب مداركها كل ما قلته لابيك، مضيفا اليه انك لا تدري كيف تعالج الامر مع والدك، الذي صار الآن يقدم الفتوى لأهل القرية ويمني اصحاب الشكاوى بالاماني الجميلة، وينسب لك قوة ونفوذا لا اساس لهما في الواقع.

فلم ترد عليك الا بالبكاء، لأن كل ما لديها هو الدموع، تعبر بها عن حالات الفرح والحزن، والرفض والاستجابة، والاحتجاج والرضا، والوداع والاستقبال، وعندما سألتها لماذا كل هذه الدموع، قالت بأنها دموع الفرح للمكانة العالية التي وصلها ابنها في الحكومة، والتي جعلته كبيرا في اعين اهل البلدة، وانك مهما اسرفت في الانتقاص من قيمتك تواضعا ونكرانا للذات، فإن الناس الذين يعرفون قدرك، ورأوا عن قرب ما بلغته من مكانة عالية بين اهل المدينة، لا يستطيعون انكار شهادتهم، فقد جاءوا يبشرون اهل القرية ويهنئون اسرتك، وكان اول المبشرين والمهنئين قريب العائلة المقيم في المدينة عبد المولى، الذي يلهج دائما بالثناء عليك لما اصابه من خير على يديك، وما قدمته من احسان للبؤساء والمساكين في طرابلس وما بلغته من شأن عظيم في الحكومة، وصداقة مع الحاكم العام، وكلام كثير آخر لا يعني الا أنها لا تصدق كلمة واحدة مما قلته لها، فالحقيقة ليس ما تقوله انت عن نفسك، وانما ما يقوله الآخرون من شائعات عنك، وهي تريدك الآن وبعد ما اسديته من خدمات للاغراب، ان تلتفت لاخوتك، فهم اولى بالمعروف من سواهم، وان تساعدهم في الحصول على منح وهبات من الحكومة ومرتبات حتى وهم دون سن العمل والوظيفة، ولم تجد فائدة من تكرار الحديث عن مكانتك المتواضعة التي لا تسمح بهذا الترف الذي تطلبه، فقد بدا لك ان المنبت المتواضع الفقير لأسرتك، سواء من ناحية الاب او الام، هو الذي ساعد على تشبث أفراد العائلة بهذا الوهم، لانهم ما ان لمحوا كوة في سقف عالم الفقر الذي يعيشون تحته، حتى أحسوا بأن السماء أخيرا انتبهت إلى وجودهم، وقررت فتح خزائنها لمنحم شيئا من حقوقهم، التي حرمتهم منها وحجبتها عنهم لدهور طويلة، ولم يكن سهلا اقناعهم ان تلك الكوة لم تكن الا كذبا، وان جدران الفقر والعوز ستظل تحاصرهم وتطبق على صدورهم دون هوادة ولا هدنه، وان انصاف السماء وعدالتها، سوف يتأخران لبضعة اجيال اخرى.

اكتفيت بان قلت لها بأن اخوتك من أمك أو من ابيك مازالوا صغارا لم يبلغوا سن العمل والوظيفة، وان المساعدة الوحيدة التي يحتاجونها، ليست في يدك وانما في ايدي الاسرة باولاد الشيخ التي يجب الا تمنعهم من الالتحاق بالمدرسة الايطالية، باعتبار أن التعليم هو أفضل ضمانة للمستقبل، وقلت نفس الكلام لابيك عندما جاء هو الخر على ذكر اخوتك ومستقبلهم، كما فعلت امك، وكأنهما رغم انفصالهما، الذي مر عليه عقد ونصف من السنين، يتمتعان بتواصل الأفكار وتماثلها.

كنت متلهفا للهروب من هذه الاجواء الخيالية التي احاطك بها الأهل، عائدا للاحتماء بغرفتك في فندق الكبران، قبل ان يأتي من يعري الاكذوبة ويكشف للناس حقيقة امرك، الا ان الاسرة الكبيرة التي تضم أسرة أبيك وأسرة أمك، اتفق رجالها الكبار، على اقامة وليمة يحضرها كل الاهل، فرضخت لما طلبوه منك، وجلست بين الاعمام والعمات، والاخوال والخالات، تسمع إلى منطق الاهل الذين يتحدثون عن زواجك القادم، الذي خططوا له دون علمك، ووصل الامر إلى اختيار العروس، ولم يبق الا كتب الكتاب وتعلية الجواب : ــ لابد ان تعرف ان قبيلة المساعيد، هي اكبر قبائل القبلة، وشيخها الحاج اسعد هو اكبر شيوخ المنطقة واكثرة هم قوة وثروة وعزوة، والتصاهر مع هذه القبيلة سيضمن لاهلك في اولاد الشيخ سندا قويا يحتاجون اليه في أوقات الشدة والحاج اسعد يرحب ويتمني ان يجد لابنته شهلة، عريسا مثلك …… وقبل ان يكملوا كلامهم، اعتذرت لان موعد سفرك قد حان، وان لديك مشاغل ومهمات تمنعك من الزواج الان واخذت حقيبتك وغادرت البيت.

لم تكن على علم بوجود سيارة في طريقها إلى طرابلس، الا انك اردت مغادرة البلدة باي وسيلة، فاندفعت ماشيا عبر الطريق الرئيسي المؤدي الى المدينة، برجاء مرور اية سيارة شحن تنقلك فوق بضائعها، وجاء بعض افراد الاسرة يركضون وراءك، يرجون عودتك، فلم تعرهم انتباها.

مشيت مسافة ميلين أو ثلاثة أميال، قبل أن تأتي سيارة تفتيش عسكرية، عائدة من إحدى نقاط المراقبة الصحراوية، فأوقفت سائقها واريته بطاقتك العسكرية، وركبت بجواره عائدا الى طرابلس، تبحث في ذهنك عن السر وراء نصيحة الشيخ البلبال في ان تزور أهلك هذه الأيام.

اخبرك الكبران، وانت تصل ليلا إلى الفندق، ان نورية ترددت عليك اكثر من مرة خلال اليومين الماضيين، وانتظرت عودتك هذا المساء، وعندما تأخرت، ذهبت برجاء ان تعود غدا، ثم أضاف :

ــ انها تلح الحاحا شديدا في رؤيتك، وكان حظنا طيبا انها لم تجدك، لان ذلك اتاح لنا فرصة ان نستمع الى غنائها الجميل.

ــ من ؟ نورية مغنية ؟ هل هذا مزاح؟

ــ لا تقل انك لا تعرف ذلك، لانك تعرف ولم تشأ ان تقول لنا، كما تعرف ايضا ان لها دراية كبيرة بالغناء الشعبي.

ــ كل ما اعرفه انها تقيم في بيت "الزمزامات".

ــ ربما لانك احضرت لنا الحاكي الذي يقدم الأغاني المحفوظة، شئت أن تحتفظ بهذا النوع من الطرب الحي، لنفسك.

ــ ولكن ما الفائدة، فها قد وصلتم اليها، واخشى ما اخشاه ان تصادروها كما صادرتم الحاكي.

ــ ان لها صوتا مثل الكروان.

ــ غناء الكروان في فندق الكبران، سيكون اعلانا يجذب الجمهور لو قررت ان تقيم لها حفلا فنيا في الفندق.

ودون ان يعير الكبران اهتماما لاقتراح صاحبه واصل الكبران حديثه الحماسي عن نورية :

ــ ليتك كنت هنا عشية الأمس، فقد اجتذب صوتها البديع كل زبائن الفندق الذين التموا حولها وهي تغني أغنيتها الجديدة عن بالبو.

ثم صار يدق ايقاع الاغنية على الطاولة التي امامه مرددا مطلعها :

ـــ حبيتك اعظم حب ياللي قلبك من ذهب بالبو يا حاكم دولتنا ياسيد اسياد حكومتنا انعيشوا معاك فرح وطرب استغربت من اين لنورية ان تعرف بالبو، حتى تغني له هذا الغناء، وتحبه كل هذا الحب، الا اذا كانت اجهزة الاوفرا قررت أن تتدخل في شغل الزمزامات وتقرر عليهم هذه الاغاني التي تحض على حب الحاكم العام، ولكن منذ متى صارت نورية من أهل الطرب، مع أن عمل الاعراس لم يكن غير غطاء للمهنة الاخرى التي تدر ربحا كثيرا، وتحظى باهمية اعظم عبر العصور باعتبارها اقدم مهنة في التاريخ
اعطاك الكبران مجموعة من الالتماسات والعرائض، كان اصحابها، ممن لم يعرفوا خبر طردك من مكتب الشكاوى قد تركوها معه، فاخذتها معك الى غرفتك والقيت بها، في كيس يمتلىء باوراق استلمتها من أصحابها قبل سفرك الى اولاد الشيخ واخرى جئت بها من هناك، ونمت فلم تعبأ بمغادرة سريرك صباحا.

استمتعت بيوم بطالة لا يتخلله أي جهد.

فكرت في القيام بمشوار صغير الى رئيس القلم الإداري لمعرفة آخر التطورات، ثم عدلت عنه.

انه يعرف عنوانك ويستطيع ان يرسل اليك احد السعاة لو أراد، فلتنعم اذن بهذه البطالة التي فرضت عليك فرضا.

ولتبق ان شئت في سريرك حتى ينقضي النهار، خاصة وان لديك شيئا تنتظره بلهفة، هو مجيء نورية، ليس فقط لانها قوتا جنسيا يأتي في وموعده، وانما ايضا لكي ترضي فضولك وتفهم سر هذه التحولات الكبيرة في حياتها التي نقلتها من امرأة تبحث عن رخصة للعمل في بيوت الدعارة الرسمية، الى مغنية البلاط الملكي في طرابلس، لصاحبه الملك غير المتوج ، ايتالو بالبو.

لا تدري لماذا يكون للجنس في لحظات التوتر والعصبية هذا التأثير الشافي الذي يحرر الجسم من توتره، بل اكثر من ذلك بالنسبة لك، اذ تجد له هذا المذاق الحراق وهذه النشوة التي تفوق نشوة الممارسة الجنسية في ايام الامان والاستقرار.

انه الكهف السري، الذي تلجأ اليه من ملاحقة غيلان » التابعة «، وتهنأ فيه بضع لحظات بعيدا عنها.

والمرهم الذي تمسح به جراح القلب فيفلح في تسكين أوجاع هذه الجروح ولو لفترة وجيزة.

وتحس بأن له تأثير حبة الحلوى في الريق المر، عارفا ان الريق سيعود في فمك مرا بعد ان تمضي لحظات الحلاوة هذه، او هذا ما احسست به عندما جاءت حورية، فاتحا ذراعيك لاحتواء هذا الجسد الفارع، تحاول طيه طيا وسط مساحة السرير الصغيرة، وقبل ان تسألها عن أي شيء آخر، تلقفتها ودخلت بها الفراش، فالاولوية، مع امرأة مثل نورية، للجنس قبل أي شيء آخر، الجنس الذي تمارسه وتستمتع به، لوجه الجنس وحده، لا تخالطه هموم ولا اوهام ولا وساوس تتصل باداء الواجب، ولا هدف الانجاب واستمرار الحياة الزوجية كما في العلاقات الشرعية، ولا تلونه تلوينات اخرى كما هي العلاقة بين العشاق.

الجنس، النقي، المصفي، الذي لا هدف له خارج نفسه، فهو جنس من اجل الجنس، بريء ونظيف من اية شائبة من غير عنصره.

وكنت مشوقا بعد ان اخذ حيوان الغريزة علفه وسد حاجته، ان تسمع منها اسباب ترددها على الفندق يوما وراء الاخر، وبهذا الالحاح وهذه المثابرة، وجاء ما قالته مفاجأة لم تكن تتوقعها، لانها لم تفعل ذلك الا بتحريض قوي من زميلاتها وعلى رأسهن شريفة سيدة البيت، التي ارسلت لك معها كنزة ثمينة من الصوف، هدية لك، أخرجتها من لفافتها ونشرتها امامك، بامل ان تحميك من برد الشتاء، لقاء ما فعلته معها ونساء بيتها، عندما ضمنت لهن الدفء مدى الحياة، واسديت لهن معروفا سيذكرنه لك طوال العمر.

لم تستطع فهم ما تقوله نورية، او معرفة الدافع وراء الهدية، الا بعد ان شرحت لك، ان العريضة التي قدمتها لك عند اول اشتغالك بمكتب الشكاوى، وجدت استجابة سريعة من الحاكم العام، وجاء من طرف اللجنة المكلفة باعادة تسكين أهل ذلك الحي، من قام بمعاينة البيت، ووجده معلما من المعالم الاثرية التي تحتاج للصيانة والترميم، فصدر الأمر بنقل ساكنيه إلى المشاريع الجديدة بمدينة الحدائق، ولان للمارشال بالبو اهتماما خاصا بالفن وأهله، فقد أمر بتشجيع هذه الفرقة من مطربات الأعراس، وتخصيص حصة يقدمنها في الاذاعة العربية المحلية تعنى بالغناء الشعبي الطرابلسي وأرسل لهن من كتب الاغاني التي تمجد ايطاليا والوجود الايطالي في ليبيا، التي كانت من بينها اغنية في حب بالبو، غنتها لصاحب الفندق وزبائنه، تحت الحاحهم، واغان كثيرة غيرها يتدربن على ادائها وتقديمها في الحصة الإذاعية، وقد اخذن جزءا من ثمن هذه الاغاني مقدما، وسيتفرغن تفرغا كاملا لهذا العمل الذي بدأ يدر عليهن دخلا كبيرا، ويتركن الاشتغال باية مهنة أخرى
هاهو بالبو، يرتفع إلى مستوى سمعته الدولية التي جعلت اسمه يتحول إلى بابوللو، تشبيها له باله العالم القديم ابوللو الذي يرعى الفنون والموسيقى، والذي سبق ان عثر على بقايا معبده في المدينة القديمة، فاراد ان يحتفي باتباعه في هذه البلاد التي احبها واعطاها اسمها وجعلها مكانه المفضل في العالمين، وفي حين تتخلى عنك ربات الحظ السعيد، ينشطن في استخدامك انت بالذات، لتكون قدم خير وسعد، لبشر آخرين مثل نورية وشريفة ورفيقاتهما وكل نساء الحي العتيق من بائعات الاوقات السعيدة، ويتحقق لشريفة وبناتها هذا المكسب الكبير من خلال ورقة لا معنى لها، كان يمكن ان يكون مصيرها مثل هذه الأوراق التي تتكوم في ركن الغرفة، والتي ستبقى هناك الى ان يذوب حبرها، ليصبحن حلمهن في بيت جديد حقيقة في يوم وليلة، وفوقه العمل الكريم الذي يدر رزقا وفيرا، أكثر مما يدره بيع الاجساد لزبائن المتعة، وتضيء انجم السعد سماءهن، بينما تنطفيء نجومك انت واحدة بعد الاخرى، فالاقدار كما يبدو، مغرمة بلعبة التوازنات، وعندما تهبط كفة الميزان في مكان ما، فلا بد ان تعلو كفته في مكان آخر، فالحمد الله الذي لايحمد على مكروه سواه، ولكن من اين للحاكم العام، هذا الوقت الاضافي الذي يصرفه في الاهتمام بشكوى نساء »الزمزامات« ويعتني بالبحث عمن يكتب لهن الاغاني ويستلهم من اجلهن الالحان الشعبية ويجلب الاجواق الموسيقية التي تعزف لهن هذه الالحان ويفتح امامهن باب الاذاعة، ويخصص لهن، وبهذه السرعة، بيتا في ارقى وافخم احيا ء المدينة .

لابد أن يكون وراء ذلك سببا، وخطر في بالك ان يكون هذا السبب امرأة.

احدى نساء البيت، رآها بالبو في مكان ما واغوته، ففتح لها مغارة الكنز، الا ان ذلك امر مستبعد لانك تعرف البيت ونساءه اللاتي لا تعرف منهن من تملك مؤهلات انثوية تقود الى قلب صياد ماهر للجمال مثل بالبو، وما ان اقصيت هذا الدافع حتى ظهر امامك الدافع الحقيقي واضحا جليا، الى حد انك تعجبت من نفسك كيف لم تهتد اليه منذ اللحظة الاولى، فقد شاعت في الأيام الأخيرة بعض الاغاني التي يقوم بتسجيلها عرب المهجر من الفنانين الليبيين، مثل المغني الشعبي بشير فهمي، المقيم بين تونس وباريس، الذي اثاره قانون الجنسية الذي ايده قبل صدوره عدد من شيوخ البلاد من بينهم مفتي الديار الليبية، فاطلق هذا الفنان عددا من الاغاني الشعبية الهجائية، التي تهاجم هذا القانون، وتهاجم الادارة الاستعمارية الايطالية، ورموزها مثل الحاكم العام، واعوانه من الليبيين مثل مفتي الديار، وكانت آخر هذه الاغاني، تلك التي يقول مطلعها : ــ مبروك عليكم يا ناس قاضيكم اصبح بيباصو بسبب سهولة الحانها وبساطة اللغة التي كتبت بها، بالاضافة الى مضمونها السياسي الذي يوافق هوى الناس، فقد انتشرت هذه الأغاني بين كل طبقات الليبيين، وصاروا يرددونها جهارا، بما في ذلك الاطفال اثناء لعبهم في الشارع، مما اثار غضب رجال السلطة في طرابلس، فوضعوا بشير فهمي وأغانيه بما في ذلك العاطفية والفكاهية في القائمة السوداء، واصدر الرقيب الايطالي قرارا بمعاقبة كل من يغني اويسمع اغانيه أو يقتني او يبيع او يشتري اسطواناته، او أي اسطوانة من انتاج شركته » فهمي فون«، وتوافقت العريضة التي قدمتها نورية وصاحباتها، مع هذه الاجواء الفنية المعادية للايطاليين، فاراد الحاكم العام ان يستخدم مغنيات الأعراس في حملة مضادة، يجند لها الملحنين والمؤلفين، لابطال مفعول الاغاني المعادية وإغراق السوق بموجة جديدة من اغاني الدعاية للايطاليين.




تابعونا على فيسبوك