الجزء الأول

خبز المدينة -44-

الإثنين 15 ماي 2006 - 14:20

خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه "المغربية" بنشر فصول من الرباعية الروائية الجديدة "خرائط الروح"، التي انتهى أخيرا من إنجازها، ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تا

تركته وسرت خلف شرطي الحراسة الذي جاء يقودك الى غرفة يستخدمها الطبيب الزائر، لفحص المساجين.

وضع السماعة على صدرك وظهرك، ونظر بالمجهر إلى حلقك واسمعته عينة من سعالك، وأخرجت له لسانك، وبعد ان انتهى من فحصه أعطى أمره بضمك إلى أحد العنابر.

قبل الذهاب الى العنبر، قادك الشرطي إلى المخزن، حيث اعطوك بذلة السجن، وطلبوا منك ارتداءها وتسليم بذلتك الى المخزن، كما اعطوك مرتبة من القش وبطانية واناء نحاسيا، وعندما عدت كانت الساحة فارغة فقد رجع النزلاء الى زنازينهم.

كانت الزنزانة التي اختارها لك جندي الحراسة، مكتظة بنزلائها، تضم تسعة أنفار، بينما هي لا تصلح لاكثر من اربعة اوخمسة، ولذلك وقفت عند الباب حائرا، تبحث عن مكان يتسع للمرتبة التي بحوزتك فلا تجد، اذ لم يبق شبر واحد من أرض الغرفة ليس فوقه مرتبة من هذه المراتب التي تمدد فوقها النزلاء، بعضهم يغمض عينيه مستسلما لاغفاءة القيلولة، وبعضهم يحدق في السقف كانه قرر ان ينام ويبقي عينيه مفتوحتين، وبعضهم يسدل ملامحه في بلاهة وينظر اليك ساهما دون ان يتطوع بابداء كلمة تعينك على الخروج من حيرتك، وكلهم في حالة صمت وسكون كالتماثيل، عدا اياديهم التي تتحرك حركة الية، روتينية، امام اوجههم، تنش عنها ارتال الذباب .

ادرت بصرك الى الحارس تستنجد به كي ينقلك الى عنبر او زنزانة اخرى يكون فيها متسع لك، او يعيدك اذا شاء، الى الزنزانة الانفرادية، الا انه اقفل الباب خلفك وتركك تواجه الموقف الصعب مع زملاء الزنزانة وحيدا.

و بمجرد انسحابه، دب النشاط والفوضى في الغرفة الهادئة، قام الراقدون من مراقدهم ينطون كالقرود، لان سكونهم لم يكن الا تظاهرا كاذبا في حضرة الحارس، وعادوا الى لعب الورق بعد ان قسموا انفسهم الى مجموعتين، يتشاحنون ويشتمون بعضهم بعضا، دون ان يعيروك انتباها.

رآك احدهم ما تزال واقفا، تحت ابطك المرتبة والبطانية، وفي يدك اناء الطعام الفارغ الذي يسمونه »القاويطه«، فسألك مستغربا عما يدعوك للوقوف على هذا النحو، وأشار إلى الورق قائلا بانه بإمكانك أن تشارك في اللعب إذا أردت.

اخبرته بأنك لا تجيد لعب الورق، فاعاد دعوته لك بالجلوس لان وجودك واقفا امامه يمنعه من التركيز.

رميت أمتعة السجن تحت قدمك، وحشرت نفسك بينهم، تحاول ان تتعلم كيف يلعبون، طالما هذه هي الوسيلة المعتمدة لديهم لقتل الوقت، واكتشفت بعد دقائق قليلة انك لن تستطيع ان تكون طرفا في هذه اللعبة، لأنهم يقامرون بالسجاير، التي لا تدري كيف يحضرونها داخل السجن، ويقامرون بها، ويستخدمونها بديلا للعملة في شتى معاملاتهم، وطالما أنك لا تشرب السجاير ولا تملكها، فانت غير صالح كشريك في لعب الورق، ولعل بعضهم، ممن نظر اليك باستهزاء عند دخولك، يراك غير جدير بمشاركتهم الزنزانة
وجاء سريعا موعد الغذاء، فوضعوا لك في القاويطه مغرفة من حساء الفاصوليا، ورموا اليك نصف رغيف يابس.

أرغمت نفسك على اكلهما لكى لا تبقى طوال اليوم تعاني من آلام المعدة الفارغة، ودخلت معركة ضارية مع ارجال الذباب التي حاولت دون جدوى ان تشاركك صحن الفاصوليا البارد، ورغم دوشة زملاء الزنزانة ولعبهم وخروجكم في استراحة المساء إلى الساحة وعودتكم منها، ومجيء الحارس بمغرفة حساء اأرى لوجبة العشاء، فقد مضى الوقت بطيئا، ثقيلا، وتساءلت وانت تجد بين زملاء السجن من له خمس وست سنوات على هذا الحال، كيف استطاع هؤلاء الناس ان يحتملوا مرور كل هذه المدة في هذا المكان وتحت هذه الشروط.

وجاء موعد النوم، فتزحزت المراتب الأخرى قليلا لتترك لك مكانا عند عتبة الباب، وضحكت معهم أثناء الليل، على شاب من النزلاء، له موهبة في تقليد الناس، اختار ان يكون ضحيته هذه الليلة أحد القضاة المعروفين بتملقهم للايطاليين، ممن يأتمرون بأمرهم حتى في اصدار الاحكام، فيقلده عندما يذهب إلى رئيسه في قضية مواطن بريء يريد الحاكم الإيطالي من القاضي ان يحكم عليه بالسجن المؤبد، وحيرة القاضي وهو يسأل الحاكم عن الحيثيات التي يكتبها للحكم، ويكلمه بالايطالية مصرا على تطبيق قواعد اللغة العربية فيرفع مارشال ليصبح مارشاللو، لانه اسم كان، وطليان ليصبحوا طاليانو باعتباهم فاعلين، وانتهى اللعب والسهر داخل الزنزانة، فنمت نوما متواصلا لا تقطعه الا لسعة بقة تسللت إلى جسمك لامتصاص ما تقدر عليه من دمك، فتقتلها، لتموت شهيدة الواجب، وتعود أنت إلى نومك.

توقعت ان تسمع احدا يستدعيك من إدارة السجن، لإبلاغك بنتيجة التحقيق في التهم الموجهة اليك، او تقديمك للمحاكمة، او اجراء استجواب معك، او أي شيء آخر يعطيك فكرة عما يدبر لك، فلم يظهر احد سوى اثنين من الحراس يحملان اخشاب الفلقة وعصاها، وقبل ان تسأل عن السبب، وجدتهما يبدآن معك انت باعتبارك الأقرب إلى الباب، يربطان قدميك الى لوح من خشب، ثم يمسك به احدهما مرفوعا الى اعلى وقد ارتفعت معه قدماك في مواجهة الحارس الثاني الذي بيده عصا غليظة يتولى بها ضرب باطن القدم عشر مرات، وهو يحسب الضربات بصوت عال، واحد، اثنان، ثلاثة، ومع ازدياد الضربات تتضاءل قدرتك على السيطرة على الامك وصراخك الذي تحاول كتمانه، لكنك في النهاية لا تستطيع إلا ان تصرخ لشدة الآلم، وهكذا كان حال بقية الزملاء في الزنزانة الذين اخذوا نصيبهم من الفلقة دون استثناء، واطلقوا صرخات اعلى من صرخاتك، لان ضربات اليوم تقع فوق آثار ضربات تلقوها في الايام الماضية فكانت اكثر وجعا منك وأنت تتلقى أولى هذه الوجبات التأذيبية، وهي عقوبة عرفت انها تقدم في السجن دون سبب سوى ان هناك نزيلا في عنبر آخر ارتكب ذنبا ما، فيتم تذنيبه، ومعه تذنيب كل نزلاء الحصان الاسود الذين يفوقون الخمسمائة .

بدأت شيئا فشيئا تتكشف أمامك حقيقة الحياة داخل السجن، الذي تدخله لأول مرة في حياتك.

إذ لم يكن العقاب في اليوم الثاني »الفلقة« كما بالامس، وانما حرمان الجميع من وجبتي العشاء والغذاء، لان سجينا آخر ارتكب ذنبا استوجب هذا العقاب، وتسأل عن طبيعة هذه الذنوب والمخالفات، فتجد انها لا تزيد عن كلمة احتج بها أحد المساجين على قسوة أو شتيمة أحد الحراس، اما لماذا يكون العقاب جماعيا، فلا جواب سوى انها وسيلة لقهر واذلال الإنسان الذي أوصلته نجوم نحسه إلى هذا المكان.

ولكن ماشأنك انت ومجتمع الاجرام والجريمة من سارقي الماعز ولصوص الدكاكين، فانت تعرف، كما يعرف الذين امروا بحبسك، انك لست مجرما ولم ترتكب جناية صغيرة أو كبيرة تستوجب هذا السجن، فلماذا إذن جاءوا بك إلى هنا ووضعوك بين هؤلاء الناس وجعلوك تخضع لهذه المعاملة القاسية المخصصة للمجرمين؟ والاقسى من ذلك، ان اليوم الثاني يمر، ويأتي الثالث، والرابع، ولا شيء يحدث بشأنك، مما انبت في رأسك هاجسا يقول بانك هنا لامد غير محدود، وان هناك خارج السجن، من اراد بهذا الاهمال المتعمد، وابقائك في السجن دون قضية، ان يدمر اعصابك، ويتلف قواك البدنية والمعنوية، فلا تخرج من هذا المكان إلا حطاما، والدليل على هذه النية المبيتة في محاصرتك وزرع امراض القلق والتوتر والكآبة في نفسك، ان تبقى دون كل السجناء محروما من أي انسان يأتي لزيارتك.

يبدأ موعد الزيارات وينتهي كل يوم، ويذهب اصحاب الجنح والجنايات للقاء زائريهم من نساء ورجال والحديث اليهم من وراء الشباك الحديدي، الا انت.

الأمر ليس طبيعيا، والقبض عليك لم يحدث في صحراء الحمادة الحمراء، الخالية من البشر و العمران، وانما في فندق الكبران، وعلى مرآى من الغادي والرائح، ممن طيروا الخبر لمن يعرفك ولا يعرفك، ولا يعقل الا يكون بين هؤلاء الناس، من أراد زيارتك.

ولا تفسير لبقائك بلا زيارات طوال الايام الاربعة الماضية، غير انهم يمنعون وصول الزوار اليك، لكي تكتمل حلقات المؤامرة التي تهدف الى عزلتك ومحاصرتك ،ثم القضاء عليك، وتسأل نفسك وتعيد السؤال مرة تلو الاخرى، لماذا وما الذي فعلته ليتفجر ضدك الحقد بهذه القوة والقسوة والتوحش.

في اليوم السابع احضروا سجينا إيطاليا، وضعوه في الزنزانة الانفردية.

كان ذلك موضع استغراب النزلاء، لان للإيطاليين سجونهم الخاصة التى لا يختلطون فيها بالليبيين.

اثار الرجل فضولك انت ايضا، خاصة وانه كان رجلا انيقا، تدل قيافته انه ينتمي الى مهنة راقية مثل الاطباء والمحامين والمهندسين، ولذلك قررت وانت تراه يتمشى بمفرده في الساحة، ان تبادره بالتحية والحديث.

وابدى الرجل ترحيبا بك، عندما قدمت له نفسك بانك المسؤول السابق عن مكتب الشكاوى، وفوجيء بأن يوجد في هذا السجن من ينتمي مثلك لشريحة الموظفين
وعرفت منه انه صحافي، يعارض السياسة الاستعمارية لبلاده، وانه جاء متسللا الى طرابلس، لان السلطات الإيطالية لم تشأ ان تمنحه تصريحا للدخول، لكي لا يكتب منتقدا الاوضاع السائدة في المستعمرة، ولذلك فانهم، عندما اكتشفوا وصوله الى الميناء دون تصريح، قبضوا عليه لإعادة ترحيله إلى روما، وهو هنا مؤقتا إلى حين توفر وسيلة السفر، سواء عن طريق الجو أو البحر، اما سبب حجزه معنا، بدلا من السجن المخصص للايطاليين، فهو خوفهم من ان تصل أفكاره المعادية للسياسة الاستعمارية إلى السجناء الايطاليين، ومن خلالهم، إلى جمهور اعرض من المستوطنين فيؤثر ذلك في روحهم المعنوية.

لم تشأ ان تنتقد أمامه سياسة بلاده، او تتفوه بكلمة نقد واحدة عن الأوضاع الداخلية للبلاد، ورغم الاسئلة التي أمطرك بها، لم تأت على ذكر أي شيء عدا محنتك الشخصية عندما وجدت نفسك مسجونا بلا ذنب، معبرا عن ثقتك في الحاكم العام الذي لن يرضى بهذا الظلم اذا عرف به.

انه ايطالي يستطيع ان يختلف مع حكومته كما يشاء، اما انت، فمن تكون حتى تبدي اعتراضا أو احتجاجا على استعمار بلاده لبلادك، كل ما استطعت قوله، هو ابداء دهشتك لان هناك إنسانا إيطاليا يخالف الدوتشي، الذي أجمع الشعب على حبه، فاختفت بالتالي أصوات النقد والمعارضة والاحتجاج.

ـ من قال إنني أخالف الدوتشي عندما أعارض السياسة الاستعمارية ؟

انني لا اقول في صحيفتي شيئا الا اعادة اقوال الدوتشي نفسه، ولا افعل الا ما كان يفعله عندما قاد المظاهرات ضد احتلال ليييا عام 1911، ووقف امام الدبابات المسافرة اليها، ودخل السجن من أجل هذا الموقف.

كان ما قاله شيئا جديدا بالنسبة لك، لأن الليبيين يربطون بين الفاشية وبين انتهاك شروط الهدنة التي كانت بينهم وبين الحكومة السابقة، ومعاودة احتلال ليبيا بوسائل وأساليب أكثر عنفا ووحشية، وعندما أردت ان تسأله مستفسرا عن السبب الذي أجبر الزعيم على تغيير سياساته ومواقفه بعد ان وصل إلى السلطة، اوقفك قبل ان تكمل السؤال قائلا : ـ تلك ليست قضيتي.

قضيتي هي ان اجد منفذا اعبر فيه عن افكاري دون ان اتحول الى لحم مفروم.

شعرت بقلبك ينفتح لهذا الايطالي النبيل الجريء، الذي فرحت لوجوده وتأسفت لفراقه، عندما اخرجوه في صباح اليوم التالي من السجن، الا انه وعدك بان يثير قضيتك مع مسؤولي السجن، وسيهددهم بالكتابة عنك، واتخاذك مثالا للقهر الذي يمارسونه ضد أهل البلاد، فسجنك دون محاكمة، وعدم انتداب أحد المحامين للدفاع عنك، ومنعك من استقبال الزوار، والاعتداء عليك بالضرب وحرمانك من الطعام دون سبب، أمور لا تحدث إلا في النظم البدائية، لا تلك التي تقول ان لها رسالة حضارية، مثل الحكومة الإيطالية.

واضاف غامزا :

ــ الدوتشي لا يرضى بهذا الكلام.

لم تتوقع خيرا بعد خروج الصحافي، لانه هو نفسه ضحية القهر الذي يحكي عنه، فكيف لمن لا يستطيع دفع الاذى عن نفسه، ان يدفعه عن الآخرين، ولكن ما حدث خيب توقعاتك المغموسة في حنوط اليأس والقنوط ،فقد تحقق ما وعدك به، وبدأ الحصار الذي ضربوه حولك يتقوض وينهار بعد يوم واحد من خروجه، وشرع الزوار يهلون عليك واحدا بعد الآخر، وكان الكبران أول القادمين، قائلا بانه حاول ان يزورك منذ اليوم الأول لوجودك في السجن، إلا انهم ان الزيارة تقتضي تصريحا، والتصريح لا يأتي في نفس اليوم، فجاء في اليوم الثاني والذي يليه وهم يماطلون ويسوفون، حتى كاد أن يصيبه اليأس ويتوقف عن مراجعهم، إلا انهم فاجأوه اليوم بأن التصريح جاهز، فأخذه وظل واقفا أمام باب السجن ينتظر الوقت المحدد للزيارة وليس هذا حاله وحده وانما حال اقارب واصدقاء قالوا لهم نفس الكلام يوما وراء الآخر حتى يئسوا من جدوى التردد على السجن، إلا انه سيحمل الخبر لكل من يراه ويبلغه برفع الحظر عن زيارتك، وهو يبدي استعداده لعمل أي شيء من أجل اطلاق سراحك، والذهاب إلى أي شخص مهم في الحكومة ترى اهمية الاتصال به للمساعدة، لان الكبران واثق من ان هناك خطأ ما في ما حدث لك، وان خبر سجنك لم يصل الى الحاكم العام والا لتدخل في الحال للإفراج عنك، فهي مكيدة دبرها الكومندان الذي أكلت قلبه الغيرة من نجاحك "وخاف ان يفقد مكانته مع الطليان".

قدمت للكبران الشكر على ما ابداه نحوك من جميل العواطف، فقد اسعدتك زيارته وارأيت فيها فاتحة خير وانفراج، وافهمته ان الوقت مازال مبكرا على اجراء الاتصالات مع الشخصيات الكبيرة، لانك تفضل ان يأخذ الشق القضائي طريقه، باعتبارك واثقا من براءتك التي ستظهر دون عون من احد، إلا أنك من باب الاحتياط سألته ان يضع امتعتك في صندوق من الورق المقوى او صندوقين، ويحتفظ بها في مخازنه، ليستطيع ان ينتفع بتأجير الغرفة بدلا من وجودها عاطلة بهذا الشكل، فاستنكر هذا الكلام، ورفض الفكرة قبل ان تنتهي من شرحها له.

ـ لا تقل هذا الكلام.

الغرفة ستبقى في انتظارك الى ان تعود اليها قريبا ان شاء الله.

وبعد الكبران جاءت نورية، يقودها عبد المولى الشحاذ.

جاءت وفي يدها منديل وردي تجفف به دموعها التي تأبى ان تتوقف :

ـ إنها عين وأصابتك ومنذ ان اخذوك من الفندق وانا اذهب كل صباح الى ضريح سيدي الهدار، وأوقد له الشموع واطلب عونه على إطلاق سراحك.

ـ والله فيك الخير يا نورية.

ثم اجهشت بالبكاء، وادارت وجهها الى باب السجن ورفعت يديها أمامها، تدعو بصوت تخنقه العبرات : ـ يا سيدي الهدار، يا من اخترت ان يكون ضريحك في الهواء الطلق، فلم تسمح ببناء حيطان حوله ولا باب يقفل عليه، سألتك بجاهك عند الله، ان تعجل بالإفراج عن عثمان ولد الشيخ.


ثم التفتت تسألك عن اسم ولدتك، تسهيلا لمهمة الولي الصالح في مساعدتك فقلت لها »مريم الشيخ«، فواصلت الدعاء :

ـ وابن مريم الشيخ، البريء المظلوم، وتفك كربته، قادر يا كريم.

وفهمت منها بعد ان توقفت عن البكاء انه تم ارجاء الوليمة الى وقت آخر، ورأت في ذلك فرصة لان تكون وليمة اكبر، بعد ان توفر لها وقت اطول للتحضير، وستكون الفرحة هذه المرة فرحتين، فرحة الحصول على البيت، وفرحة خروجك قريبا من السجن، وهي تملك يقينا كاملا بما تقول، لانها مؤمنة بان سيدي الهدار لن يخذلها، وواثقة ايضا من صدق امرأة من اهل الفلاح والصلاح، تسكن شارع ابو هريده ذهبت اليها لتقرأ لها طالعك، فابلغتها بانك ستحطم القيود، وتنطلق وراء الحدود، وتنتصر على عدوك، وتتمكن من استرجاع ماضاع منك، باذن واحد احد لا يغفل ولاينام.

فقلت لها بان كل تنبؤاتها ممتازة ما عدا الانطلاق وراء الحدود فهو امر يثير القلق خاصة اذا كان هذا الانطلاق صوب المجاهل الافريقية ، فتولى عبد المولى الشحاذ الاجابة بأن كلام اهل النبوءة والعرفان ليس كلغة الناس العاديين التي تؤخذ بحرفيتها وانما لغة مفاتيح ورموز والحدود في هذه الحالة حدود الكدر والضيق والعزلة والظلم التي ستعبرها محلقا في أفق الأمان والحرية.

رأيت فيما قالته نورية وما بذلته من جهد لاجلك، وما سكبته من عبرات حزنا عليك، شهادة لها بنقاء الروح التي لا سيطرة لاحد عليها، ام الجسد فهو ابن عالمه، يتصارع معه، ويغوص في المعارك ضد الظروف القاسية التي تواجهه، فتقهره هذه الظروف ،او يقهرها، وفقا لقوة وشراسة هذه الظروف أو ضعفها وهشاشتها، الا ان الروح، تستطيع مهما كانت الظروف ان تحتفظ بنقائها وقوتها وسموها، عصية على القهر والانكسار.

وجاء عبد المولى هذه المرة في صورة جديدة.

جاء يرتدي بذلة عربية نظيفة، ويعتمر طاقية حمراء مثل كبراء القوم، ويضع في قدميه صندلا أنيقا، وقد ترك الأسمال البالية التي لم يتخل عنها إلا أثناء سفره إلى »أولاد الشيخ«، لانه يستخدم تلك الأسمال لاستدرار العطف، مع وجهه الذي يبقيه دون حلاقة وملامحه الشعتاء كجزء من ديكور البؤس ، الذي يراه اكثر الناس بؤسا، فيحمد الله على ما أعطاه من نعمة مقارنة به :

ـ ما الذي حدث في الدنيا يا عبد المولى حتى تركت ما كنت ترتديه من خرق وأسمال.

ـ تلك كانت عدة الشغل، التي لابد منها لمن يمتهن الشحاذة.

ـ وهل تريد ان تقول، انك تركت هذه المهنة.

ـ الفضل لله ولك انت يا ابن العم، فقد وضعت ما اعطيته لي فوق القروش التي ادخرتها على مدى الاعوام الماضية، واشتريت عربة يد ابيع فيها الخضروات والفواكه وتدر الخير والبركة.

ـ هذه معجزة ياسي عبد المولى، لان الشحاذ لا يترك الشحاذه حتى لو صار ملكا، الم تسمع عن الفتاة الفقير التي تزوجها ملك السند، واخذها الى عاصمة ملكه لتكون سيدة على بلاد، فكانت تتسلل متنكرة من القصر كل مساء لتمارس الشحاذة.

ــ انها مهنة ليست لنا رجال اولاد الشيخ، وكما تعلم فقد كنت اخفي نفسي كالمجرمين عن ابناء قريتي، اما الان فان اولادي يفخرون بانني تاجر جوال.

لقد سافرت اول امس الى هناك للمساعدة في بيع صفقة فاكهة وخضار لاحد بقالي القرية، ورجعت بالامس بعد أن رايت اهلك الذين يبلغونك السلام، ولولا انني اخبرتهم بان الزيارات ممنوعة لكان جميع الناس قد جاءوا اليك.

والدك يقول لاهل القرية بان الرجل الكبيرخاف على منصبه منك.

ـ يقصد بشير بيك الغرياني.

ـ لا يقصده، وانما يقصد من هو اكبر منه.

ـ انه نوع من الهديان يقوله ابي نتيجة احساسه بالصدمة فلا تأبه له، المهم انني لا اريد احدا من اولاد الشيخ ان يزورني في السجن، فقل لهم بانني سازورهم هناك قريبا ان شاء الله لانني واثق ان سجني لن يطول.

ـ سأفعل.

هل تريد اية خدمة اخرى من خارج السجن.

ـ ليس سوى احضار علبتين من السجائر واخفائهما داخل رغيف او رغيفين من الخبز
وعدا الزيارات فان ظروفك في السجن ظلت كما هي، ولم يظهر في الافق ما يوحي بان اقدارك تختلف عن اقدار بقية المساجين، ونصيبك من العقوبات يأتيك مثلهم، بما في ذلك عقوبة الفلقة، التي كانت اكثر هذه العقوبات مهانة وقسوة، ولو ان الحراس بعد ان عرفوا انك عسكري مثلهم، وانك تحل رتبة شاويش في الجيش، صاروا يضربونك باسلوب اكثر رفقا من الاخرين، وجربت ذات مرة ان تختبر كونك اكبر رتبة من الحارس الذي يتولى الضرب، فقلت له بلهجة آمرة، بعد ان افلحت في السيطرة على صرخات الأمل : ــ كفى ضربا اليوم.

وكانت المفاجأة المذهلة حقا انه فعلا توقف عن الضرب قبل ان يصل الى نصف الضربات المقررة، وانتقل هو وصاحبه الى النزيل الذي يليك، وصرت تكرر إصدار الاوامر قبل بلوغ نصف الجلدات المقررة، وتتولاك الدهشة دائما وانت تراهما ينفذان تعليماتك التي صارت جزءا من روتين يخضعان له بطريقة لا إرادية.

ورغم مهانة الضرب، والحرمان من الخروج للساحة احيانا، والحرمان من الطعام، الذي يستطيع البعض تعويضه بما قد يأتي من طعام عن طريق الزوار، فقد انتعش لديك الامل في الخروج، بعد فتح باب الزيارة لك، وصرت ترى يوم الخلاص قريبا كما تقول نبوءة المرأة الصالحة التي زارتها نورية في شارع أبي هريدة.

ستخرج الى عالم جديد، غير العالم الذي عرفته في كل اعوامك السابق، هكذا كنت تقول لنفسك وتعيد ليلة وراء الأخرى، وسط هذا الفراغ الموحش وأيام السجن المكرورة الممرورة الخاوية، عالم جديد، لابد أن تضع لنفسك خطة كيف تواجهه وتسهم في تحديد معالم حياتك فيه، لأنك لن تجد، بعد خروجك من السجن، وقتا كمثل هذا الوقت الذي يملكه السجناء.

عالم جديد، تراه لأول مرة بأعين إنسان عاش تجربة السجن وعرف ما تعنيه الحياة خارجه، وهو لن يكون مثل عالمك الذي عشت فيه اثناء حياتك في القرية، الذي كان عالما قريبا من الفطرة، وثيق الصلة بالطبيعة، يختلف عن مجتمع المدينة وتعقيداته، وقد تباعد ذلك العالم واتسعت المسافة التي تفصلك عنه وتفصله عنك.

كما انه لن يكون شبيها بالعالم الذي عرفته بعد ذلك عندما انتقلت الى المدينة وانضممت إلى الجيش والتحقت بالعمل سائقا لدى السنيورة حورية واقتربت من أهل الحكم.

وشملتك لفترة قصيرة دائرة الضوء التي تصنعها السلطة، والتي احسست بها تدفئك، ثم يزداد الوهج حتى يصبح لهبا يحرقك، وقد تقطعت الآن، الأسباب بينك وبين هذا العالم أيضا .

إنه عالم لم تتضح لك معالمه، ولا تعرف عنه شيئا سوى انه يختلف عن عوالمك السابقة، وحقيقة انك تخرج من السجن انسانا يختلف في رؤاه وتفكيره عن الإنسان الذي دخل السجن، وأكثر حرية، لأنك لم تعد رهينة لجمائل أحد أو وساطته أو سلطانه، ستعتمد على نفسك وتصنع بها ما تريده أنت لا ما يريده الذين استخدموك، وتحاول توظيف حصيلتك من الخبرات والمعارف التي اكتسبتها خلال الفترة الماضية لصالحك، لا لصالح وظيفة أو حكومة، ولا صاحب أو صاحبة نعمة، فانت ومنذ اللحظة الاولى لخروجك من هذا السجن، بل وقبل خروجك منه، لن تكون موظفا لدى أية جهة، سوى جهة واحدة هي أنت، وبهذا تجعل السجن، الذي أرادوه قمعا لك وقهرا لإرادتك وتحطيما لمعنوياتك فعل تحرر وتجدد وانعتاق من الأغلال التي ربطتك بهم والظروف التي رهنت حريتك وإرادتك لديهم
عندما جاء وقت الزيارة في اليوم التاسع او العاشر من وجودك في السجن، ورأيت مختار العساس وعياد الفزاني ومعهما امرأة لم تعرفها لانها أحكمت اللحاف حول وجهها ولم يبق الا البانبوك الذي لا يكشف شيئا من ملامحها ،اندهشت، لانك لم تتوقع مجيئهما ولم تتصور امكانية أن يصل خبر سجنك اليهما، بعد ان باعدت بينك وبينهما ظروف العمل والإقامة.

كانت المراة ذات اللحاف المقفول، هي حواء، التي ما ان عرفت انها هي حتى صحت بها :

ـ أكان لابد يا حواء ان تأتي بنفسك إلى هنا، ولديك رجلان يستطيعان حمل التحية عنك إلى هذا السجن ـ وهل تهون العشرة إلا على قليل الأصل.

ـ أصيلة دائما يا.




تابعونا على فيسبوك