خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه "المغربية" بنشر فصول من الرباعية الروائية الجديدة "خرائط الروح"، التي انتهى أخيرا من إنجازها، ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تا
كانت حواء هي التي نقلت الخبر لمختار وعياد، بعد أن سمعت إشارة عابرة من سيدتها عن وجودك في السجن، دون ان تسمع منها شرحا عن دوافع وقصة هذا السجن، واتفقت معهما على زيارتك.
أردت تهوين الامر امامهم، وهم يسألونك بلهفة عن السبب وراء محنة السجن، فاخبرتهم بانه مجرد عراك نشب بينك وبين الكومندان بشير بيك الغرباني، أدى إلى هذه النتيجة المؤسفة، وان الموضوع في طريقه الى الحل قريبا، وعرفت منهم أن أشياء كثيرة تغيرت في بيت حورية خلال الشهر الذي مضى، وأن هناك عنصرا جديدا دخل على المشهد الذي كنت تعرفه هانئا، آمنا، فأفسده.
اذ توثقت علاقة حورية بواحد من شباب الحزب الفاشي الليبي، عاش طفولته في ملجأ للايتام، وخرج منه لا يعرف له أبا ولا أما إلا الحكومة الإيطالية، ولا لغة إلا لغة الإيطاليين، وهو الذي عقدت عليه قرانها فجأة خلال الأسبوع الماضي.
تظاهرت بأنك لا تعرف شيئا عن خلفيات الموضوع، لأن العساس والسائق لا يعرفان شيئا عن هذه الخلفيات التي كنت طرفا فيها، ولا أحد غير حورية يعرف سر العلاقة الخاصة غير حواء، التي كانت شاهدة على ما جرى بينك وبين حورية، علاوة على أنها تمثل لها أكثر من مجرد الدادة ومدبرة شؤون البيت، وانما الأخت والصديقة وكاتمة الأسرار، وهي تعلم جيدا أنك كنت مرشحا لأداء هذا الدور الذي أخذه الفتى المعجون من مادة ليبية إيطالية
تساءلت باندهاش :
ـ والباشا الكبير، هل استطاع الاستغناء عن حبيبة عمره.
أجاب عياد الذي بدأ منزعجا مما يحدث :
ــ الحقيقة أن زياراته ازدادت هذه الأيام، وما ان يأتي حتى يتسلل الولد هاربا، فلا يعود حتى يتأكد ان الباشا الكبير غادر البيت.
وأضاف بشيء من الغضب والمرارة :
ــ قدمت طلبا للتقاعد من العمل، لأعيش مع أولادي في مرزق، لأن الحال لم يعد قابلا للاحتمال.
وجاء تعليق مختار العساس يضيء جانبا لا تعرفه من جوانب العلاقة التي ربطت فجأة بين حورية وهذا الوافد الجديد :
ــ سي عياد عنده حق، ولو كنت مكانه لتركت العمل حقا، لأن الرجل لا يحترم صغيرا ولا كبيرا، ولا يتكلم إلا بلغة الضرب والشتائم، حتى السنيورة حورية لم تسلم من شتائمه.
ــ وما الذي يجبر السنيورة حورية على القبول به.
ــ معذور عندما تسأل هذا السؤال لأنك لا تعرف.
ثم نظر الثلاثة إلى بعضهم بعضا وسكتوا.
وقطعت حواء الصمت قبل أن يطول :
ــ والله الذي لا إله إلا هو، ما كانت حورية لترضى بالنظر إليه حتى من الشباك، ولكن المسكينة مجبورة.
أدركت انها متحرجة من ذكر السبب، فجازفت انت بالقول :
ــ مجبورة؟ لماذا؟
هل بسبب الجنين الذي في بطنها.
لم تكن تعلم ان حورية حبلى، ولم تكن قد لاحظت عليها أي اثر أو علامة لهذا الحمل، فهو بالتأكيد مازال في مراحله الأولى، أو لعله ليس كذلك، واستطاعت أن تنجح في اخفاء هذه العلامات.
إلا أن إلحاحها الشديد على موضوع الزواج، وبهذه السرعة القياسية التي تنشدها، جعلتك ترتاب في أن هناك ما هو أكثر من مجرد الرغبة في زواج يعطي الغطاء الشرعي والضروري لانجاب الأطفال مستقبلا.
لأن أول هؤلاء الأطفال، بدأ فعلا أول مراحل الوجود، يواصل نموه في رحمها، قبل ان يصل الزوج الذي سيكون أبا شرعيا لهذا الطفل.
ورغم اللحاف الذي يغطي وجهها كان يحجب ما يرتسم عليه من تعبيرات، إلا عينها التي ظهرت من كوة الرداء، جحظت حتى صارت في حجم الفنجان :
ــ وكيف عرفت؟
هل أخبرتك هي بذلك؟
ــ وهل هناك في الحمل أسرار؟
حتى لو اعتبرته سرا، فستظهر العلامات التي تكشف هذا السر.
ــ لا تقل هذا الكلام، فالله يعلم بمدى براءة ونقاء هذه المرأة.
ــ المهم أنها تداركت الأمر، فلا تظهر العلامات إلا وهي في عصمة الزوج.
ــ أتمنى ألا تكون حاقدا عليها، لأن حورية جوهرة لمن لا يعرفها يا سي عثمان.
أدركت أنها تغمز من طرف خفي، فلم تشأ أن تتحدث معها بما تعرفه أمام الرجلين.
انتظرت حتى حان موعد انتهاء الزيارة، وقبل ان يغادروا باب الصالة، ناديتها لتستفرد بها قليلا بعد أن أخذت أذنا من الحارس :
ــ كان ما قلته تلميحا لشيء ما، فما هو؟
ــ هو أنك لم تعرف حورية، ولهذا استهنت بها ورفضت عرضها.
ــ وهل تعرفين أنني في هذا السجن بسببها؟
ــ انها بريئة من مثل هذه الأعمال، فهي ليست وراء سجنك لأنها أرقى و أشرف من ان تفعل ذلك، ولكنها طبعا لم تتدخل لحمايتك لأنك خذلتها وتخليت عنها.
ــ وهل كان يرضيك ان أتزوجها ثم أركض هاربا من البيت عندما يأتي ذلك الرجل.
ــ كان الحال سيختلف، لأنها أحبتك أنت، وتريدك أنت، وكانت صادقة في ان تبقى مخلصة لك، وقد وافقت أنت على ان تطوي صفحة الماضي، وتفتح صفحة جديدة، ثم أخلفت وعدك.
ــ وهل ظلت مخلصة لزوجها الجديد؟
ــ لانه ببساطة ليس زوجا، وليس رجلا، وليس اختيارا من اختياراتها، فقد جاء عارفا لماذا جاء، وسيقبض الثمن، ويرحل، لان سيدتي لا تكره أحدا في الدنيا كما تكرهه.
ــ أرجو ان تبلغيها تحياتي.
ــ أنت الذي تحيرني، لماذا وافقت وعاهدت ثم تراجعت وهربت.
ــ لان حورية لم تستطع ان تشرح لي كيف يمكن ان تقطع علاقتها بالرجل الذي ينفق عليها، ويواصل مع ذلك هذا الانفاق.
أليس ذلك مستحيلا؟
ــ لو انتظرت قليلا كنت ستفهم، لان حورية كانت ستفتح معك صفحة جديدة مبنية على الصفاء والثقة والصراحة والحب، وكانت على وشك ان تخبرك كيف ان الرجل سيستمر في الانفاق، لا بسبب العلاقة التي ستضع لها حدا، ولكن بسبب ثمرة العلاقة الماضية، أي هذا الجنين، الذي يعرف الرجل الكبير إنه طفله، وسيواصل الانفاق عليه وعلى أمه، حتى لو لم يستطع أن يعطيه اسمه، هل فهمت ؟
قلت لها وهي تستدير تجاه الباب :
ــ ابليغها أسفي لأي كدر أكون قد سببته لها.
ــ لا أستطيع، لانني لم اخبرها ولن اخبرها بامر هذه الزيارة.
لم تكن واثقا من ان ما قالته حواء يمكن ان يغير شيئا من الحقائق التي بنيت عليها موقفك عندما انسحبت من مشروع حورية ومن حياتها، بل ربما جاء هذا الكلام ليؤكد صحة الظنون والشبهات ويحيلها الى يقين.
لن تشغل بالك بما أصبح ماضيا، فهي صفحة طويت وانتهى زمانها، ولن يفيد شيئا أن تبقي عقلك رهينة لاحداثها الميتة، وتستمر أنت غاطسا في دخانها الذي لن يفعل شيئا أكثر من تعتيم الرؤية التي تريدها صافية، واضحة، لتستطيع ان تعرف جيدا، أين تضع قدمك عند دخول عتبات حياتك الجديدة.
طبعا، لم يكن ممكنا ان تكون حورية شخصيا، هي التي أمرت بسجنك أو حرضت عليه، فهذه تدابير اجرامية، تحتاج إلى طاقة من الشر لم تكن تملكها حورية، كل ما في الأمر أنها رفعت يدها عنك، وسحبت بردة الحماية والأمان التي كان تسدلها فوقك، هذا كل ما فعلته ربة الحسن التي حبتك بحبها، ومنحتك رعايتها، واسكنتك في الدائرة القريبة من قلبها، وعندما اكتشفت أنك غير أهل لهذه الرعاية والحماية، أدارت وجهها للناحية الأخرى وتركت لذئاب البراري، حرية الركض وراءك وافتراسك.
دعك الآن مما مضى وما سوف يأتي، وانظر لراهنك، والواقع الذي تعيشه في هذا السجن، ولتروض نفسك على قبوله كما هو، ولتحاول ان تجد حلا مع السجائر، وامتلاك كمية منها، تسهم في تحسين هذه الإقامة، حتى تنتهي، خاصة بعد ان عرفت ان السجائر أيضا هي أداة الرشوة التي يتعامل بها الحراس، وبموجبها يرفعون عنك الأذى ويتساهلون في عقابك، ويلبون طلباتك، ويقضون لك داخل السجن بعض المصالح التي لا يعاقبهم عليها القانون.
كان عبد المولى قد جاء حاملا لك السجائر داخل رغيف الخبز.
صارت معك الان علبة سجائر إيطالية فاخرة تؤمن بها مكانا أفضل لنومك من الاستلقاء عند باب الزنزانة، وتستطيع ان تشارك في لعب الورق ان شئت، وتستطيع بكمية أكثر منها ان تفرض هيبتك واحترامك على بقية النزلاء، فالثروة هنا هي السجائر، ومع كل يوم يمر، تكتشف القوة السحرية لهذه اللفائف، إلى حد أنك أوصيت عبد المولي، بأن يداوم على امدادك بها كل يوم، ومرت عدة أيام اكتشفت خلالها انه يمكن للنقود أيضا ان يكون لها نفس المفعول، وربما أكثر قليلا مع الحراس، وبعدد قليل من الليرات صارت الفلقة مجرد مداعبة فوق بطن القدم، لها فعل الزغزغة التي تجعلك تضحك بدلا من ان تبكي.
كان طيف ثريا يأتيك كثيرا في النوم، وتفكر فيه خلال ساعات اليقظة، ربما كان السبب هو خروج حورية من حياتك، أو خروجك من حياتها، بهذا الشكل الحزين، مما جعل اللجوء إلى طيف ثريا يمثل شيئا من السلوى، كما يتيح لك فرصة الهروب من أجواء السجن البائسة ووجوهه الكالحة وروائحه الكريهة.
تستخدم قوة الحب، لاستحضار سماحة وجهها ونفحات عبير العنبر الذي تتعطربه، تحارب بهما كآبة الواقع الذي تعيشه.
لم يكن ممكنا ان يعرف الحاج المهدي بسجنك، ولا يبعث كل أفراد أسرته لزيارتك كل يوم
فهو بالتأكيد لم يعرف، وانت بوسعك، إذا أردت، ان ترسل إليه عبد المولى بكلمة عن سجنك، وستجد ثريا أمامك في اليوم التالي مباشرة.
انك لست مشوقا لأن ترى أحدا أو شيئا في الدنيا أكثر من شوقك لرؤية عينيها
ولكن هل تراه مناسبا ان تأتي إلى هنا لتراك وأنت في هذا الواقع المهين.
أليس من الأفضل ان تصبر حتى ترحل هذه السحابة السوداء من فوق رأسك، لتراها في شروط اكثر ملائمة للحب الذي تحمله لها.
ضحكت من نفسك وانت تحدثها عن حب مشنوق وامرأة كتبتها الأقدار لرجل سواك
ولكن القلب دائما يعمل بمعزل عن هذه الاعتبارات.
انه مشدود لامرأة اسمها ثريا، يستطيع ان يراها عندما يكون خارج السجن متى يريد، ويستدعي صورتها كلما اشتاق إليها وكفى.
بين الكتابات الكثيرة الموجودة على حيطان الزنزانة، كتابات عاشق مر على هذا السجن، ونقش فوق كل جزء من الجدران الأربعة اشعار الشوق لحبيبته صالحة، التي يطلق عليها في كل قصيدة من قصائده، ربيع القلب، مع انه، كما سيعترف في واحد من ابياته، لم ير صالحة في حياته ابدا، فقد احبها من خلال الخاطبة التي رشحتها له كزوجة، وكان سيخطبها ويتزوجها لولا ان السجن حال بينه وبينها فزوجوها من رجل آخر، وكان هذا هو مصدر الحرقة واللوعة في قصائده.
لقد صنع ذلك السجين ربيعا وهميا لقلبه، في أغوار هذا السجن، فكيف لا تحتفي أنت بربيع قلبك، وهو ربيع حقيقي، متجدد، مونق، خصيب.
كان الولد الذي حصل بجدارة على لقب مهرج الزنزانة، بسبب ما يقدمه من مشاهد ضاحكة، يصر ليليا على اعادة اغنية شعبية حزينة، يسميها النشيد الوطني لسجن الحصان الأسود، تقول كلماته :
ابكي معاي ياللي فيك دموع ابكي معاي بدموع الدم الناس تجلب وتجيب غنم وانا اهو قاعد في الهم جنب سواني الزعزوع ياللي فيك دموع ابكي معاي واقترحت عليه، من اجل احداث شيء من التنويع، ان يصنع الحانا، يقتبسها من الاغاني المشهورة، للقصائدة المنحوته عن صالحة فوق جدران الزنزانة، والتي صرتم جميعا تحفظونها، لانها طوال الوقت أمام اعينكم، وسيكون جميلا ان تراها ترتدي ثوب الغناء والتلحين، وكانت سهرة ناجحة، لأنه اختار ألحانا خفيفة مرحة، أغرت الجميع بالرقص على ايقاعها، يراففونه بالتصفيق والضرب الايقاعي على الصحون :
يا صالحة يا ربيع قلبي الغالي يا واقدة نجوم الفرح في بالي يا صالحة تعالي لي يا واقدة نجوم الفرح في ليلي دق الحارس باب الزنزانة غاضبا مهددا بالعقاب الذي سيطول كل نزلاء السجن، ولكن ورقة من خمس ليرات، تسللت إليه من تحت الباب، جعلته يختفي الليل كله، ولا يعود حتى صباح اليوم التالي.
قد لايختلف أسلوب الناس في السجن أو أخلاقياتهم، عن سلوكيات وأخلاقيات الناس خارجه، إلا أن النفوس هنا أكثر ضعفا وهشاشة والإرادة أكثر قابلية للانكسار وما يبدو كبيرا عزيزا خارج اسوار السجن، كالكبرياء والكرامة والصدق والأمانة والشرف والنزاهة، يمكن بسهولة ان يتحول لشي لا أهمية له داخل الأسوار، ولهذا صار ممكنا أن تكون للسيجارة كل هذه القوة، وصار ممكنا بالنسبة لك ان ترى فيما رفضته وانت خارج السجن، شيئا لم يكن يحمل من المهانة ما يستحق الرفض، فماذا لو انك قبلت ما عرضه عليك الكومندان، عندما ارادك تابعا لتابعه فوزي ؟
ألم تكن بهذا القبول قد جنبت نفسك الأذى الذي جاء بعد ذلك، فما الذي افادك هذا الرفض الارعن المتهور الذي لا معني له.
كنت قد خرجت في موعد الزيارة للقاء عبد المولى، تتلقى منه عبر قضبان الحديد، تموينك من السجائر المخبأة في ارغفة الخبز، عندما جاءك أحد ضباط السجن، يبلغك بوجود زائر يريد ان يراك الآن.
وقفت في مكانك خلف السور ترنو إلى باب الصالة الذي يدخل منه الزوار، متوقعا ان ترى هذا الزائر الذي تفضل الضابط بالإعلان عنه وهو لايزال في الشارع.
ولكن الضابط أشار عليك أن تتبعه، لان الزائر موجود في مكتب مدير السجن.
سألت عبد المولى ان ينتظر، فربما استطعت ان تعود إليه قبل انتهاء موعد الزيارة، وذهبت لتجده في انتظارك، هو ولا أحد غيره، الرجل الذي تشير كل الدلائل انه كان وراء وجودك في السجن، الكومندان بشير بيك الغرياني، بلحيته التي اختلط بياضها بسوادها، ووجهه العريض، المائل إلى الاحمرار، الذي ينضح بدهن الصحة والعافية، وبذلته العربية الكاملة، والبرنس الذي احتوى هذا الهيكل الكبير وعطاه مزيدا من المهابة، بلونه الزيتي الجميل.
كان جالسا على أحد كراسي الصالون في الغرفة الكبيرة، الواسعة، التي بدت لك أكثر اتساعا من حقيقتها، وسقفها أكثر ارتفاعا، وجدرانها أكثر نظافة والتماعا وجمالا، وكان أبهى شيء في المكتب هو ذلك الشباك المفتوح على فضاء بديع عامر بخضرة الأشجار وزرقة الأفق، الذي تراه الآن بعينين أعيتهما أجواء الزنزانة، الضيقة، الخانقة، الكريهة
أراد صاحب المكتب ان يغادره ليعطي للكومندان فرصة ان يتكلم معك على انفراد، إلا ان البيك طلب من مدير السجن أن يبقى، وأشار إليك بيده التي تحمل مسبحة الكهرمان المضيئة، ويزين احدى أصابعها الخاتم الكبير، ان تجلس، فجلست على الكرسي المقابل، تستمع إليه.
ــ لا تظن يا ولدي أني أردت بك شرا .
أو أنني سعيت لجلب الضرر لك، فالظلم ليس من طبعي عملي هو رفع المظالم عن الناس لا تعريضهم للظلم، وأفرح كثيرا عندما أجد شابا من أهل البلاد، يثبت للإيطاليين أن العنصر الليبي، صاحب فطنة وذكاء، وانه جدير بالثقة وتحمل المسؤولية ولذلك.
قاطعته بشيء من الحدة :
ــ ولذلك أنا في السجن.
ــ لا تقاطعني أرجوك، فهذه العصبية الزائدة عن الحد هي التي أدخلتك السجن، لأنك أخطأت عندما رفضت الامتثال للتعليمات ومواصلة العمل في مكتب الشكاوى كما أبلغتك
الوظيفة ليست دكانة تملكها وتحتفظ بها مدى الحياة.
انها شأن من شؤون الحكومة، وللحكومة حق ان تضعك اليوم في هذا الموقع، وغدا في موقع آخر، دون ان يكون في ذلك ما يوجب الغضب والاحتجاج، لانه قاعدة تسرى على كل من يعمل في الدولة من الحاكم العام إلى السعاة والفراشين.
ــ من حق الإنسان ان يستقيل.
ــ إنك مازلت صغيرا على مثل هذا الكلام.
تستقيل لتذهب إلى أين؟
وتستقيل لماذا؟
ثم إنك منخرط في الخدمة العسكرية، وهي لها قواعد وشروط تمنع الاستقالة قبل انتهاء المدة القانونية.
ثم وقف متكئا على عصاه، استعدادا لمغادرة المكتب :
ــ جئت لأقول لك ان تأخذ حذرك في المرة القادمة، وان تبتعد عن التهور، وتلتزم بالتعليمات ولا تكن حرونا عنيدا، لأن ذلك لن يكون لصالحك.
لقد منعت الموضوع من ان يتطور، وأوقفته عند هذا الحد، رحمة بك، وبأهلك في أولاد الشيخ، الذين جاؤوا إلى بيتي يرجون تدخلي لانقاذك من السجن والمحاكمة
وقبل ان تسأل عمن جاء إلى بيته من أهلك في أولاد الشيخ، أبلغك بلهجة رسمية ان هناك قرارا صدر من قائد الأركان بانهاء ندبك وإعادتك لعملك العسكري، وستخرج من هذا المكان فور انهاء الشكليات.
خرجت لتجد عبد المولى مازال بانتظارك أمام شباك الحديد.
انتهى موعد الزيارات، إلا أنه احتج لدى شرطة الحراسة بأن حقه في الزيارة اغتصبه السيد مدير السجن الذي استدعاك لمكتبه، فضحكوا من هذا المنطق الغريب، وسمحوا له بالبقاء بضع دقائق بعد الوقت.
أخبرته بأنك ستعفيه من مهمة جلب السجائر لأنك ستخرج قريبا كما أبلغك الكومندان بشير بيك.
بسط ذراعيه أمام القضبان كأنه يحاول احتضانك، وتهنئتك بالافراج القريب، وقال تعليقا على زيارة بشير بيك :
ــ شكرا له ولعنة الله عليه.
ــ ولماذا تخلط الشكر باللعنة.
ــ استحق الشكر لأنه جاء ينقل لك خبر الافراج، واللعنة لأنه هو الذي كان وراء سجنك
لم يفته ان يذكرك، قبل انصرافه، بما يجب عليك عمله فور خروجك من السجن، فهناك الحفل المؤجل الذي ستقيمه حورية وصاحباتها في بيتهم الجديد، والذي يتوقف على إشارة منك، حتى لو أردته مساء اليوم، ثم الرحلة إلى أولاد الشيخ، وفاء للوعد الذي قطعته على نفسك بزيارة الأهل حال خروجك من السجن.
أردت ان تسأله عمن ذهب من أهلك لزيارة الكومندان، إلا ان السؤال خطر لك متأخرا بعد ان اتجه عبد المولى إلى الباب، فكان سهلا ان يتظاهر بأنه لم يسمع السؤال، لكي لا يعود ويدخل معك في نقاش حول خطأ ما حدث أو صوابه، لأن النتيجة تحققت، وهي صدور الأمر بالافراج عنك.
ذهب عبد المولى لابلاغ من يجب إبلاغه بأنك في الطريق إلى الخروج من السجن، وجاء في اليوم التالي مبكرا يستفسر من إدارة السجن عن موعد الخروج، وحان موعد الزيارة، فوجدته، يقف بانتظارك، قلقا، متوتر الأعصاب، لأنه لا يرى سببا لهذه المماحكة والممطالة، أو سببا يمنعهم من اخباره بساعة خروجك ليقوم بإبلاغ الأهل والأصدقاء الراغبين في استقبالك على باب السجن.
فسألته بألا يفعل ما يفعله بعض الموسرين والتجار الذين يدخلون السجن ويخرجون منه، فيقيمون بمناسبة خروجهم احتفالا صاخبا، ويعمدون أحيان إلى نحر الخراف واحضار من يعزف المقرونة ويضرب الطبلة وسط حشود المستقبلين عند بوابة السجن، فحالك لا يماثل حال أولئك الناس، وسجنك لم يكن إلا حدثا عرضيا، تريد ان تعامله باهمال، وتمحوه من سجل حياتك كأنه لم يحدث أصلا، لا ان تقوم باشهاره والإعلان عنه، وبدلا من الانتظار والسؤال عن ساعة الافراج، فإن الأفضل له ولك، أن يذهب للاعتناء بعمله، وبيع الخضروات والفواكه التي بحوزته قبل ان يلحقها الفساد، وسيجدك بعد خروجك، بانتظاره في فندق الكبران، كما سيجدك هناك كل من يريد ان يراك من الأهل والاصدقاء، لأنك لا تريد ازعاجهم بالمجيء إلى هنا والتجمهر أمام السجن كما كان يقترح .