تحتضن مدينة مراكش، خلال الأسبوع الأول من شهر فبراير المقبل، حدثا علميا طبيا لتقديم آخر مستجدات الوضعية الوبائية لسرطان الرئة في المغرب، وذلك خلال فعاليات المؤتمر السنوي الـ14 لسرطان الرئة، لتدارس أهمية التشخيص المبكر والدقيق، وتوعية المواطن بخطورة هذا الوباء الصامت الذي يواصل حصد الأرواح في صمت.
ويجمع هذا الموعد العلمي أزيد من 150 باحثا ومتخصصا من المغرب ومن دول أخرى، بتعاون مع مجموعة الدراسات والأبحاث في سرطانات الرئة، بهدف تبادل الخبرات والتجارب السريرية، ومناقشة آخر المستجدات العلمية المرتبطة بسرطان الرئة، الذي بات يشكل تهديدا حقيقيا للصحة العمومية، خاصة في صفوف المدخنين.
وتكمن خطورة استهلاك السجائر، بشكل عام، والإلكترونية بشكل خاص، في رفع عدد الإصابات بسرطان الرئة وارتفاع نسبة الوفيات بينهم إلى 50 في المائة، ناهيك عن الإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن والربو والسل، إلى جانب مسؤولية التدخين عن الإصابة بـ40 في المائة من الأمراض السرطانية، أولها سرطان الرئة، سرطان الثدي وسرطان عنق الرحم والفم واللسان.
وفي هذا الصدد، أفادت مصادر من الجهة المنظمة، أن سرطان الرئة أصبح نتيجة مباشرة لمرض مزمن يتمثل في التدخين، الذي يتسبب في وفاة الملايين عبر العالم. وهو ما جعل أطباء أمراض الصدر والأنكولوجيا يدقون ناقوس الخطر، خصوصا أمام توافد عدد كبير من المرضى في مراحل متقدمة جدا من المرض، حيث تصبح الجراحة غير ممكنة، ويضطر الأطباء إلى اللجوء إلى علاجات بديلة مثل العلاج الممنهج، والعلاج المناعتي، والعلاج بالأشعة، في محاولة للحد من ارتفاع نسب الوفيات.
وتبعا لذلك، يركز المؤتمر على فتح نقاش علمي معمق وتقاسم المعرفة من خلال ورشات تطبيقية، تهدف إلى البحث عن سبل عملية للحد من انتشار المرض، عبر التحسيس بأهمية الكشف المبكر، والدعوة إلى الإقلاع عن التدخين باعتباره السبب الرئيسي لسرطان الرئة. كما يندرج هذا التوجه في إطار الخطة الوطنية لمحاربة التدخين بالمغرب، بشراكة مع سجل السرطان بالدارالبيضاء، حيث من المرتقب أن يعرض البروفيسور عبد اللطيف بنيدر، اختصاصي في الأنكولوجيا، والرئيس الأسبق لمصلحة الأنكولوجيا بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد في الدارالبيضاء، الأرقام والمعطيات الإحصائية المحينة لسنة 2025.
ويتناول المؤتمر أيضا مستجدات الجراحة الحديثة، من خلال مداخلة خبير فرنسي، يتقاسم مع الأطباء المغاربة تجربته في استعمال الجراحة الروبوتية في علاج سرطان الرئة. كما سيتم التطرق إلى مفهوم "المرض قليل التقدم"، حيث يكون الورم السرطاني تحت السيطرة العامة بفضل العلاج، إلى جانب تسليط الضوء على موضوع المسؤولية الطبية القضائية بمشاركة مختصين في المجال القانوني، تضيف المصادر نفسها.
وفي هذا السياق، اعتبر البروفيسور علي الطاهري، اختصاصي العلاج بالأشعة ورئيس المؤتمر، أن تنظيم هذه الدورة يشكل نقطة تحول حاسمة في معركة التصدي لسرطانات الجهاز الصدري، مشيرا إلى أن أطباء الأنكولوجيا وخبراء دوليين يناقشون أهمية التشخيص المبكر لما له من دور فعال في الحد من انتشار المرض والقضاء عليه في مراحله الأولى. وأبرز أن الأرقام الحالية مقلقة، إذ إن ما بين 75 و80 في المائة من المرضى يتم تشخيصهم في مراحل متقدمة جدا من المرض، ما يصعب العلاج الجراحي ويضاعف من مخاطر تطور المرض.
وبالنظر إلى أهمية التشخيص والتوعية بمخاطر التدخين، من المبرمج أن يكرم المؤتمر شخصيات علمية وازنة بصمت مسار مكافحة أمراض الجهاز التنفسي والسرطانات، اعترافا بعطائها والتزامها العلمي والإنساني، من بينهم الأستاذ محمد برطال والأستاذ كحل العين عبد الواحد، في خطوة تعكس ثقافة الاعتراف داخل الوسط الطبي بأعمال التحسيس والتوعية وتسليط الضوء على الجوانب المضرة بالتدخين في الإصابة بأمراض سرطانية.
من جهته، أوضح الدكتور عز الدين محمادي، اختصاصي الأمراض الرئوية، أنه يراهن على هذه الدورات لتقوية التكوين الطبي المستمر والالتقاء بخبراء دوليين ومناقشة أحدث التقنيات العلاجية والطبية، بما يساهم في محاصرة المرض في مراحله الأولى. وأكد أن مفتاح علاج سرطان الرئة، يظل رهينا بالفحص المبكر والتشخيص الآني، بالنظر إلى أن حوالي 80 في المائة من مرضى سرطان الصدر لم يستفيدوا من تشخيص مبكر، وهو ما يفسر ارتفاع نسب الحالات المتقدمة، ما يبرز أهمية الانخراط في تغيير سلوكيات الوقاية، وتعزيز ثقافة الكشف المبكر، باعتبارهما السلاح الأنجع في مواجهة أحد أخطر سرطانات العصر.