داخل شباك البركة .. كيف يسقـط الضحايا في فـخ "السماوي"

الصحراء المغربية
الخميس 15 يناير 2026 - 12:35

"ما كنتش فحالتي الطبيعية… كنت كنسمع غير كلامهم وكننفذ، حتى فقت ولقيت حياتي تقلبات" بهذه العبارة المؤلمة تستهل فاضمة، سيدة في الستينات من عمرها، روايتها لما تصفه بـ"أسوأ تجربة" مرت بها في حياتها.

تقول فاضمة إنها كانت تعيش مع زوجها السبعيني حياة طبيعية بالرغم من المرض والوهن وكبر السن إلا أن حياتها كانت منظمة بين أشغال البيت والاعتناء بزوجها التاجر، وذات صباح كعادتها خرجت لقضاء غرض عادي بمدينة تمارة، وفي الطريق، استوقفها رجلان يرتديان الجلباب، بادرا الحديث معها بأسلوب هادئ، وشرعا في طرح أسئلة شخصية دقيقة عن حياتها، زواجها، وأبنائها، مشيرة إلى أنها أحست بنفسها تجيب عن جميع الأسئلة دون تحفظ وقالت «كانوا كيهدرو معايا بحال إلا كيعرفوني من زمان».

بعد دقائق من الحديث، أقنعها الرجلان بأن تذهب فورا إلى منزلها وتحضر المال، و»قالو لي خاص الفلوس باش نقراو عليها شي بركة وربي غيسر لك أمورك وأمور راجلك»، لم تشعر بأي شيء سوى أنها انصاعت إلى أمرهما ورافقاها إلى باب المنزل، وهناك، طلبا منها الدخول بسرعة وإحضار ما تملكه من مال، بدعوى أنهما مستعجلان.

داخل المنزل، جمعت مبلغا ماليا يفوق 20 مليون سنتيم، كان زوجها يدخره، وأثناء بحثها عن حليها الذهبية سقط منها دملج وأقراط ذهبية بين الأغراض دون أن تنتبه، "ما كانش في رزقهم" على حد قولها، وخرجت وسلمت المال كاملا للرجلين، اللذين طلبا منها العودة إلى بيتها فورا في انتظار إرجاعه بعد "القراءة".

أكدت فاضمة أنها دخلت إلى المنزل وهي تشعر بالطمأنينة، غير أن هذه الحالة لم تدم سوى نصف ساعة تقريبا، قبل أن تبدأ تستفيق مما تصفه بـ"غيبوبتها"، لتقع مغشيا عليها من هول الصدمة، بينما اختفى الرجلان نهائيا عن الأنظار، لتبدأ بعدها رحلة معاناتها النفسية والاجتماعية، خاصة بعد أن علم زوجها بالواقعة ووجه إليها الشتائم والسباب.

تضيف الضحية أنها تقدمت بشكاية رسمية لدى مصالح الأمن، إلا أن التحقيق لم يتمكن من الوصول إلى هوية المتورطين، وقيد الملف ضد مجهول، ما تركها في مواجهة ألم نفسي رهيب حيث سلب منها مبلغ مالي كبير في ظروف غامضة ودون أن تتمكن من استرداد حقها ومقاضاة المتورطين.

لم تتوقف معاناة فاضمة عند الخسارة المادية فقط، فقد تدهورت حالتها النفسية بشكل خطير، ودخلت في دوامة من الاكتئاب، وفقدان التركيز، واضطرابات الذاكرة، وعبرت بأسى شديد أنها أصبحت تنسى كثيرا وتعيش في دوامة من الخوف والتيهان، ولم تعد قادرة على الخروج من المنزل بسبب الهلع الشديد من المجهول.

فاضمة واحدة من بين العشرات من الضحايا الذين يسقطون يوميا في شراك النصب والاحتيال باسم ما يروج له بـ"البركة"، أشخاص مجهولون يعملون في الخفاء، يتقنون اللعب على أوتار النفس البشرية، ويستهدفون بالدرجة الأولى النساء والفتيات، يسيطرون على عقولهن، ويتلاعبون بمشاعرهن، ويستغلون لحظات ضعفهن ليستولوا على أموالهن وحليهن بكل براعة ودهاء.

قصة فاضمة تتكرر يوميا وتروى بصوت منخفض، تختبئ خلفها مشاعر الخجل والعار والخوف، بينما تستمر شبكات النصب والاحتيال بما يعرف بـ"السماوي" في حصد المزيد من الضحايا يوما بعد يوم، لكن السؤال المطروح هو ماذا يقول التحليل النفسي عن هذه الظاهرة؟

في هذا السياق، تواصلت "الصحراء المغربية" مع البروفيسور محمد قصير، محلل نفسي وعالم نفس تحليلي، وطرحت عليه، بتاريخ 7 يناير 2026،  مجموعة من الأسئلة التي تتناول الموضوع من زوايا متعددة، وتوصلت بالأجوبة يوم 9 يناير 2026، حيث قدم تحليلا معمقا لأسباب هذه الظاهرة النفسية والاجتماعية، موضحا كيف أن ضعف الثقة بالنفس والحاجة إلى الأمل والطمأنينة يجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للاستهداف من قبل شبكات النصب والاحتيال باسم "السماوي".

 

السمـــــــــاوي: الحقيقة وراء الخرافة

في هذا الصدد يؤكد البروفيسور قصير أن "السماوي" ليس سحرا ولا تنويما مغناطيسيا، ولا يمت بأي صلة إلى القوى الغيبية، ما يحدث هو اختطاف معرفي مؤقت، ناتج عن تلاعب نفسي محكم، يستغل ضعف الانتباه والتحليل المنطقي لدى الضحايا ويجعلهم عاجزين عن إدراك ما يحدث لحظيا.

كيف يقع الناس في الفخ النفسي؟

يشرح البروفيسور قصير أن العملية تبدأ عادة بسؤال بسيط، مألوف وغير مهدد، مثل: "أين يوجد طبيب؟"، سؤال يثير استجابة تلقائية من الدماغ ويكسر الانتباه الافتراضي للضحية، ليضعه في وضعية استقبال واستعداد، بعد ذلك، يبدأ المحتال في استخدام لغة غامضة، وخلط الغيب بالدين، وإطلاق عبارات عامة قابلة للتأويل، مما يؤدي إلى تشبع الذاكرة العاملة وتعطيل التفكير النقدي، وينقل الضحية من التفكير التحليلي إلى الحدسي، حيث تتوقف أسئلة العقل المنطقي حول "هل هذا منطقي؟".

يتابع البروفيسور أن المحتال بعد ذلك يقدم نفسه كشخص صاحب "بركة"، أو عالم بالغيب، أو شخص مجرب ومعروف، ويستعين أحيانا بشركاء لتعزيز مصداقيته، فيتعزز هنا تأثير ما يعرف بـ"الدليل الاجتماعي"، فيشعر العقل أن "الجميع يؤكد هذا"، ويختفي الشك الطبيعي للضحية، في هذه المرحلة، تصبح الضحية ليست فاقدة للوعي، بل عاجزة عن الرفض، إذ يعمل الدماغ بدون رقابة تنفيذية أو مراجعة منطقية وأخلاقية، ما يجعلها تسلم الأموال أو الذهب بشكل "طبيعي" دون أن تدرك الخطر المباشر. بعد مغادرة المحتال، يعود التفكير التحليلي فجأة، ويحدث صدام عنيف بين الفعل والوعي، فتظهر الصدمة، الإغماء، الذهول أو البكاء، ومن هنا تعود جملة الضحية الشائعة: "لم أستوعب ما حدث إلا بعد فوات الأوان".

لماذا ليست تنويمــــا مغناطيسيا؟

يوضح البروفيسور قصير أن التنويم المغناطيسي يتطلب موافقة الضحية، وبيئة هادئة، ووقتا، وعلاقة علاجية، وهو أمر لا يمكن فرضه فجأة في الشارع أو إجبار الشخص على فعل شيء ضد قيمه ومبادئه، وبالتالي، كل ربط بين "السماوي" والتنويم المغناطيسي يعد جهلا علميا شائعا ولا يستند إلى أي أساس علمي.

 

تفكيـــك خرافــــة "السمـــاوي"

يعتبر البروفيسور قصير أن "السماوي" أسطورة تفسيرية اجتماعية تنتجها المجتمعات عندما تعجز عن فهم آليات التلاعب النفسي، واستمرار هذه الخرافة يعود إلى دورها النفسي في تهدئة الضحية وإزالة شعور الذنب، وتتوافق مع المخزون الثقافي الغيبي، وتمنح العقل مخرجا لتفسير ضعف الوعي اللحظي دون مواجهة هشاشة الانتباه والتفكير النقدي، وعلميا، لا وجود لقوة خارقة أو سيطرة غيبية، بل هناك إنسان تم اختراق وعيه مؤقتا.

من منظور علمي، يؤكد البروفيسور قصير أن "السماوي" ليس سحرا، ولا تنويما، ولا مرضا عقليا، بل هو جريمة نصب قائمة على التلاعب المعرفي واستغلال الهشاشة النفسية، ومن الناحية القانونية، يتحمل المحتال المسؤولية الجنائية عن أفعاله، ويزداد الأمر وضوحا عند وجود شركاء يعززون دليل التآمر والاحتيال، بينما تبقى الضحية غير مسؤولة عن تصرفاتها أثناء حالة الاستجابة الآلية التي تعرضت لها.

 

الحلــــول والتوعيـــــــة

يشدد البروفيسور قصير على أن الحل لا يكمن في مطاردة الخرافة أو شيطنة الضحية، بل في رفع الوعي النفسي والاجتماعي، وتعليم التفكير النقدي، ونزع القداسة عن الجهل والخرافة، وتفكيك ظاهرة "السماوي" علميا يكشف التحيزات والانفعالات المستغلة، وحدود التنويم، وتأثير الضغط النفسي على القرار، ويمنح أدوات لفهم الواقع بطريقة عقلانية وعلمية، في النهاية، "السماوي" ليس شيئا خارقا، بل درس في هشاشة البشر أمام التلاعب النفسي والاجتماعي وفرصة لتعزيز المناعة النفسية والفكر النقدي في المجتمع.

 

 غياب الإثبات يحمي المحتال

توضح وديعة عماري، المحامية والحقوقية، في تصريح لـ"الصحراء المغربية"، أن ما يعرف بـ"السماوي" أو الشعوذة لا يعالج كنص قانوني مستقل في القانون الجنائي المغربي، غير أن الأفعال المرتبطة به تدخل، متى توفرت أركانها القانونية، ضمن جريمة النصب والاحتيال، وتشير إلى أن الفصول من 540 إلى 546 من القانون الجنائي تجرم استخدام وسائل احتيالية أو ادعاءات كاذبة لإيقاع الغير في الغلط والاستيلاء على أمواله أو ممتلكاته، وتشمل العقوبات الحبس والغرامة، مع تشديد العقوبة حسب خطورة الأفعال والضرر اللاحق بالضحايا.

غير أن المحامية تؤكد أن الإشكال لا يكمن في غياب النصوص، بل في صعوبة الإثبات، خصوصا في حالات السحر أو السماوي، حيث يصعب أحيانا إثبات الوسيلة الاحتيالية عند غياب التسجيلات أو الشهود أو الاعترافات، وتضيف أنه عندما يكون الفاعل معلوما لدى الضحية وتقدم الشكاية أمام النيابة العامة، تتحرك المتابعة القانونية في إطار النصب والاحتيال، وتطبق العقوبات المنصوص عليها، لكن الإشكال الكبير يطرح عندما يكون الفاعل مجهولا، موضحة أن الشكاية تقيد حينها ضد مجهول، ما يحد من فعالية المسطرة، رغم حجم الضرر الذي تتعرض له الضحايا، خاصة النساء والفتيات اللواتي يستهدفن بعناية بناء على وضعهن النفسي أو الاجتماعي.

وتؤكد المحامية في الختام على أهمية الوقاية والتوعية، داعية إلى عدم الحديث مع الغرباء، وعدم الانسياق وراء أي شخص يدعي امتلاك قدرات خارقة أو حلولا سحرية، وشدد على ضرورة الحذر لأن الضرر لا يكون ماديا فقط، بل نفسيا واجتماعيا وقد يمتد لسنوات.
 




تابعونا على فيسبوك