"كرامات" ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش

"كرامات" ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش

الصحراء المغربية
الإثنين 15 أكتوبر 2018 - 13:28

يترك المرء كل تمظهرات التمدن والفكر والثقافة والعلم جانبا أثناء غوصه في منعرجات جبل علم، ، فلا صوت يعلو هنا عن صوت القرآن وأدعية "الشرفاء" العلميين المرابطين بجبل علم، أو بضريح ، وهو القطب الصوفي الشاذلي المعروف بشيخ "اجبالة".

هنا ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش، بمنطقة بني عروس، بإقليم العرائش، هنا موطن القداسة والروح، بل ومرتع البركة المفقودة بين زخم الحياة المفعمة بالماديات.

المكان هنا لا يخلو أيضا من رواج اقتصادي وحركة غير عادية لبعض الأنشطة المثيرة، التي تمزج بين التصوف والبحث عن البركة بأسسها الشعبية، وبين الخرافة التي تنتعش في عقليات الوافدين على الضريح.

لكن البركة هنا، لا ترتبط فقط بفئة العوام، بل تصل لمن يعتبرون أنفسهم نخبة المثقفين وأحيانا السياسيين الكبار ممن يختارون ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش للتبرك والدعاء الصالح لاستكمال مشاويرهم وأنشطتهم المجتمعية أو حتى الاقتصادية منها، بعد حصولهم على ما يسمونه "الإذن" أو "الإشارة" من الشرفاء على قبول المشروع، في ما يشبه نوعا من "الاستخارة" التي تكشف للوافد القبول أو الرفض للغرض الذي يأتي من أجله.

لكن عموم فئات الشعب، وخاصة من ذوي التعليم المحدود، يقصدون "جبل علم" لغايات أخرى أقرب للخيال والخرافة، ومن بين المقاصد، التي يختار عموم الزائرين لـ"جبل علم" قضاءها الشفاء التام من الأمراض الجلدية، من خلال استخراج تراب محكوك من الحجرة المباركة أو تسهيل فرص الزواج من خلال زيارة كهف "العروسة الممسوخة"، أو التأكد من رضا الوالدين من خلال المرور من ممر ضيق لحجرة تختبر مدى حسن سلوكك مع محيطك ووالديك بالخصوص.

 

"حجرة المساخيط"

 

 لا تكتمل الزيارة لضريح مولاي عبد السلام إلا بعد أن يقوم الزائر بجولة تبتدئ من السوق، وتصل إلى عقبة الضريح، تليها زيارة لـ"السيّد"، ومن تم الانطلاق لاكتشاف عالم جديد تصبح فيه الأحجار في مواضع القداسة، بل وترتبط ارتباطا وثيقا بالذاكرة الاجتماعية والثقافية لأهل المنطقة، وكذا زائريها، هذه الأحجار الكريمة "المقدسة" تحمل أساطير وقصص لا تسع مساحة كتاب "ألف ليلة وليلة"، لكنها تجتمع على بركة هذه الأحجار، وعلى رأسها "حجرة المساخيط" المثيرة.

وقفت "الصحراء المغربية" على قمة "جبل علم" تراقب اختبارات الزوار لدرجة "رضا الوالدين" عليهم، من خلال المرور عبر مضيق حجري، فإن تمت العملية بسلام فالشخص في اعتقاد الحاضرين "مرضي الوالدين"، وأما إن ضاق به الممر ولم يستطع المرور منه فهو "مسخوط"، بحسبهم.

الآلاف مروا من هذا المضيق، ومن هؤلاء الذين علقت قصتهم بذاكرة أهل المنطقة، زائر من منطقة بني جعد، حضر رفقة أصدقائه لضريح مولاي عبد السلام هربا من تداعيات نزاع مع أحد والديه، لكن مروره لم يكن سليما، حيث علق بالمضيق الصغير نتيجة خطأ في المرور، الذي يتطلب منطقيا رشاقة في الجسم ودقة متناهية في عملية المرور.

تعالت الأصوات والهتافات طلبا للنجدة، لكن الزائر ظل مقاوما لآخر أنفاسه، إلى أن حضر "الطلبة ديال السيّد" والشرفاء، الذين رتلوا عليه ما تيسر من آيات الذكر الحكيم، وبفضل توجيهات أحد السكان المحليين العارفين بخبايا الخروج من بين فكي الصخرة، استطاع الشاب تجاوز المضيق وسط زغاريد النسوة، وبكاء الأطفال، وتفاخر "الطلبة ديال السيّد" بقدسية عملهم.

يقول عبد اللطيف، أحد سكان المنطقة، إن الحجر يضيق على كل مسخوط عرفته هذه الحجرة المباركة.

يتجمع الناس هناك لمشاهدة من يحاول المرور، بعض الأمهات ترافق أبناءهن، ويشجعنهن على التجربة، وتصيح الأمهات «راحنا راضيين عليك» خلال عبور الابن أو البنت، لتنتهي بالزغاريد والتصفيق كل خروج سليم، كما يتجمع العشرات من الشباب والشابات، يحاولون عبور ممر ضيق جدا بين صخرتين كبيرتين، حيث يقتضي الأمر تقنية خاصة للعبور، وإلا التصق المار بين الحجرتين، وأصبح من الصعب عليه العودة إلى الوراء أو التقدم إلى الأمام. ويصبح بذلك «مسخوطا» أي عاقا لوالديه، ويجب أن ترضى عليه والدته، ليتمكن من الخروج بسلام.

أحمد الداودي، أستاذ لمادة الفيزياء وسائح من مدينة طنجة، قال في تصريح لـ"الصحراء المغربية"، إن زيارته لضريح مولاي عبد السلام المعروف بمناظره الخلابة، تدخل في إطار سياحي، لكنه أوضح زيارته همت بالخصوص "الحجرة الداوية"، التي يدعي أصحابها الشفاء من الأمراض الجلدية، وكذا "حجرة المساخيط"، مؤكدا استعداده لخوض التجربة وتصويرها لقناة "لوماتان تيفي"، ناصحا الجميع بخوض تجربة الزيارة لمنطقة مولاي عبد السلام تشجيعا للسياحة الداخلية. 

 

البحث عن زوج عند "العروسة الممسوخة"

 

تحت "حجرة المساخيط"، وفي منحدرات صعبة تكشف بالملموس سوء العناية بهذه المدارات، التي يمكن استغلالها جيدا في المجال السياحي، توجد حجرة "العروسة الممسوخة، التي تقول عنها الأسطورة، حسب رواية الشريفة طامو، التي رفضت تصويرها من طرف "الصحراء المغربية"، أنها ليست حجرة عادية، لأن الحجر العادي لا يبكي بحسب زعمها، بل هي حجرة مباركة تكتنز مسخا لعروسة، وما تلك القطرات التي تخرج من الصخرة إلا دموع العروسة. وأضافت الشريفة طامو أن تفاصيل هذه الحكاية تعود لزمن عشق كبير كان يجمع بين شاب وفتاة من المنطقة، لكن أسرة الشابة رفضت زواج ابنتها من الشاب المعني، وأرغمتها على الزواج بشاب آخر، لكنها رفضت وأصرت على رفضها، وبقيت تبكي إلى غاية يوم العرس، اعتقادا منها أن والديها قد يشفقان عليها، لكن بعد ارتداء لباس الزفاف الأبيض، تيقنت أنه لا مفر من هذا الزواج، ما دفعها إلى الفرار بعيدا، فاعتكفت بذلك الكهف واستمرت في بكائها، وهي ترتدي لباس العروس، إلى أن تكلست وتحولت إلى صخرة صامدة، تخرج منها قطرات ماء أشبه بالدموع.

عند اقترابنا من الحجر، لم تسعفنا الطريق في تحديد مكان "العروسة الممسوخة" أو" العروسة الباكية"، لكن أصوات النساء والشابات وزغاريدهن والصلاة على رسول الله بصوت مرتفع كانت سندا لنا في تحديد المكان عبر اتباع مصدر الصوت، لأن العديد من العازبات يقصدن هذه الصخرة لطلب الحصول على زوج عبر التوسل لهاذه العروسة التي هي نفسها لم تتزوج أبدا.

عند مدخل الكهف وفي جنباته، يلفت الانتباه بعض الملابس الداخلية للنساء، حيث تضع بعض النسوة ملابسهن الداخلية، فضلا عن كميات كبيرة من الشمع المذوب على جنبات الحجر، بينما يكاد لون الحناء يغطي قتامة لون الأحجار الباكية، إذ تقول الأسطورة إن طالبة الزواج مطلوب منها وضع بعض لباسها الداخلي بالمكان.

تلج الفتيات الكهف بشكل جماعي وهن يزغردن ويرددن الصلوات على الرسول الكريم، قبل أن يقفن صامتات وهن يلمسن الصخرة الداخلية، التي من المفترض أنها العروس الممسوخة، ثم يقمن بغسل وجوههن بما ينزل منها من ماء يعتقدن أنه دموعها.

 

الحجر الشافي من الأمراض

 

"قبل ما تشك ..اعمل النية"، هذه أولى العبارات التي استقبلنا بها الحاج المختار على عتبة "الحجر الشافي"، إذ يسود الاعتقاد أنه بمجرد أن يقوم الزائر الراغب في الحصول على الدواء للأمراض الجلدية، مثل "الكزيمة" بحك حجر صغير بالحجرة الشافية ليستخرج تراب أبيض اللون يُعتقد أنه  يكتنز بركة الشرفاء، التي تشفي الزوار من جميع الأمراض الجلدية.

ويعمل بعض الشباب والأطفال في فترات الذروة على حك الحجر وبيعه كدواء للزوار بأثمان تتراوح بين درهمين وعشرة دراهم، حسب مقدور كل زائر، غير أن هذه المستخرجات الطبيعية لم تخضع ذات يوم للمراقبة أو التحاليل الطبية التي تكشف حقيقة هذه "الحجرة الشافية".




تابعونا على فيسبوك