تصوير: عزالدين الكايز
تصوير: عزالدين الكايز
في إقليم أزيلال، المصنف ضمن الأقاليم التي تسجل مؤشرات اجتماعية واقتصادية هشة على الصعيد الوطني، تتسارع خلال الأعوام الأخيرة وتيرة عدد من المشاريع التنموية التي بدأت تعكس تحولا ملموسا على مستوى البنيات والخدمات. هذه الدينامية تجسدت عبر مشاريع تجاوزت قيمتها 9 مليارات درهم خلال خمس سنوات فقط، شملت الصحة والتعليم والماء والكهرباء والبنيات الأساسية.
لم أكن بحاجة إلى تقرير رسمي لأفهم الفرق بين سرعة التنمية في المدن الكبرى والمناطق الجبيلة بالأطلس المتوسط. يكفي أن تقود سيارتك نحو أزيلال، وتتعمق في مسالكها المتعرجة، لتدرك أن التنمية هنا لا تسير بوتيرة ثابتة، بل تصارع مجموعة من العقبات الطبيعية والبشرية.
الطريق الجبلية الممتدة نحو 43 كيلومترا بين جماعتي ووازيغت وتيلوكيت بالكاد تسمح بسرعة تتجاوز 30 كيلومترا في الساعة، حيث كل منعطف يحمل حكاية عن صبر الإنسان وصعوبة التقدم.
في مدخل المدينة، كان المرشد الحسين، رجل خمسيني بملامح حفرها البرد أكثر مما حفرتها السنين، ينتظرني.. يرتدي جلبابا صوفيا وطاقية تقليدية، يمشي بخفة لا تتناسب مع عمره، كأنه يحفظ كل حجر في الطريق وكل شجرة تلوح من بعيد. وبين خطوة وأخرى، يخرج معلومة أو رقما أو حكاية، ليتركها معلقة في ذهنك حتى يكتمل المشهد لاحقا.
وسط سوق خميس أزيلال، بدأت الأرقام التي تنشرها المندوبية السامية للتخطيط تكتسب معناها الحقيقي.
كانت الأيدي تتحرك بسرعة فوق قطع النقود. امرأة تعد ما في كفها قبل أن تمده للبائع، ورجل يقلب دجاجة بين يديه ليتأكد من وزنها قبل أن يساوم على الثمن، وآخر يطيل النظر في محفظته كأنه يحسب ما تبقى من مصاريف أسبوعه. في هذا المكان، لا تحتاج إلى تقارير طويلة لتفهم شيئا من ملامح العيش في إقليم يضم أكثر من 572 ألف نسمة، أغلبهم يعيشون في القرى، حيث إن أزيد من 42 بالمائة من السكان لم يلجوا أي مستوى تعليمي.
وعندما تخبرك خرائط الفقر أن الإقليم يسجل إلى غاية سنة 2025 نسبا تتجاوز 17 بالمائة وفق المقاربة متعددة الأبعاد، يكفي أن تبقى قليلا في السوق لتفهم المقصود. فالمساومة هنا ليست مجرد عادة، بل ضرورة يومية، فكل درهم يُقلب في الكف مرتين قبل أن يُدفع للبائع، لأن ما في المحفظة يجب أن يكفي لاقتناء أكثر من حاجة.
كان الحسين يقترب مني بين الفينة والأخرى ويهمس بنبرة هادئة: "الناس هنا يكابرون… ويجرون الأمل كما يجرون سلعهم في السوق".
الأرقام تحكي نصف القصة
بينما كان الحسين يقودني عبر قرى الإقليم، بدا المشهد اليومي واضحا: البيوت بسيطة، والطرق ضيقة ومتعرجة، وحركة الناس محدودة خصوصا في الشتاء. من الأعلى، القرى تبدو كخيوط صوف مفككة، متداخلة مع مساحات زراعية صغيرة.
في صمت الطريق، تكررت في ذهني أرقام المندوبية السامية للتخطيط، التي تفيد بأن أزيلال شهدت بين 2014 و2024 أحد أكبر الانخفاضات وطنيا في الفقر المتعدد الأبعاد، بمقدار 16,7 نقطة مئوية. رقم يوحي بتحسن ملحوظ، لكن الحقيقة على الأرض أكثر تعقيدا.
الحسين لا يفهم كثيرا في الأرقام لكنه كان يشير كل مرة إلى تغييرات بدأت تظهر على مستوى الإقليم، مثل مسلك يتوسع، قنطرة جديدة في طور الانجاز، أو عمود كهرباء يصل الضوء إلى القرى النائية.
محمد مرزوق، البرلماني السابق عن الإقليم، قال بيقين العارفين بخبايا الأمور: "الحقيقة أن الإقليم كان من بين الأكثر فقرا في المغرب، لكن الوضع بدأ يتغير، والمؤشرات الأخيرة تُظهر انخفاضا ملموسا وتحسنا في مجالات عديدة، من أبرزها تعميم الماء والكهرباء على أغلب القرى بنسبة تتراوح بين 90 و95 بالمائة، وشبكة الطرق أصبحت 70 بالمائة منها معبدة، فيما 30 بالمائة تم توسيعها وتقويتها."
ورغم ذلك، يقول الحسين، تبقى فرص التشغيل محدودة بسبب غياب المعامل والشركات. لكن البرلماني مرزوق أشار إلى رقم يبعث على التفاؤل: حوالي 6500 شاب أسسوا في السنوات الأخيرة مقاولات صغرى أو ذاتية، يمكنها تشغيل 10 إلى 15 شابا وشابة مباشرة أو غير مباشرة، خصوصا في البناء والفلاحة والسياحة والخدمات.
حتى الرياضة كانت حاضرة في حديثنا، إذ أكد أن 60 بالمائة من الجماعات المحلية تتوفر اليوم على ملاعب معشوشبة، وهو مؤشر إيجابي لم يكن ممكنا قبل سنوات قليلة.
الحسين، الذي تابع حديثنا عن قرب، لفت إلى أن "عددا من الشباب في القرى صاروا بدورهم منتجين ومعيلين لأسرهم، مما انعكس بشكل مباشر على مستوى المعيشة داخل العائلات". حينها تدخل البرلماني مرزوق ليوضح أن هؤلاء الشباب استفادوا من برنامج "تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب"، الذي استهدف الفئات الهشة، بما فيها المسنون وذوي الإعاقة والنساء دون موارد، مؤكدا أن البرنامج أحدث فارقا ملموسا في حياة المستفيدين.
مشاريع تصنع الفرق
جلسنا في مقهى متواضع، فتح الحسين جريدة محلية أمامنا، وبدأ يمرر أصابعه على الصفحات كما لو كان يقرأ تفاصيل حياة الإقليم بعيون السكان. قال: "شوف هاذ الصورة ديال حسن زيتوني عامل الإقليم الجديد… من أول يوم بدا كيخدم". المقال كان يتحدث عن المشاريع التي قام الأخير بتدشينها، ويتعلق الأمر بدار الطالبة بتامدة بطاقة 80 سريرا، ودار للأمومة بدائرة آيت عتاب بتكلفة 1,45 مليون درهم، وملعب للقرب بجماعة مولاي عيسى بن إدريس على مساحة 924 متر مربع، مزود بعشب اصطناعي وإضاءة تعمل بالطاقة الشمسية".
الجو في المقهى، بين رائحة القهوة وضوضاء الطريق، تعطى شعورا بالواقعية لما يقوله الحسين: مشاريع معلنة، وانتظارات حقيقية، وأسئلة تتعلق بما إذا كانت ستصل إلى المستفيدين كما هو مخطط لها.
2500 مشروعا تنمويا
في أعالي أيت بوكماز، وبينما كان الحسين يخفف السرعة عند كل قمة يغطيها خيط من الثلج، استرجعت الأرقام المذهلة التي أوردها عبد الرحمان الصوفي، رئيس قسم التجهيز بعمالة أزيلال، الذي كشف لنا أن الإقليم أنجز خلال خمس سنوات فقط أكثر من 2500 مشروع، سواء كانت منجزات فعلية أو مشاريع مبرمجة، بتكلفة إجمالية تقارب 9 مليارات درهم. وشملت هذه المشاريع فك العزلة عن أكثر من 90% من الدواوير، وتوفير الماء الصالح للشرب بالنسبة نفسها، وربط القرى بالشبكة الكهربائية بنسبة 99%.
عصام بن عسو، رئيس قسم العمل الاجتماعي بعمالة إقليم أزيلال، أوضح لنا أن المرحلة الثالثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ساهمت، بدورها، في إنجاز 864 مشروعا بإقليم أزيلال بغلاف مالي يقارب 797 مليون درهم، شملت الصحة والتعليم والطرق والماء والكهرباء، إضافة إلى برامج موجهة للفئات الهشة، ودعم الشباب. وأضاف بنبرة واثقة أن برنامج الدفع بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة لم يكتفِ بالأرقام على الورق. فحتى الآن، تم إنجاز 118 مشروعا بغلاف مالي إجمالي يناهز 388 مليون درهم، شملت مشاريع التمدرس وصحة الأم والتعليم الأولي، مع تركيز خاص على العالم القروي، حيث يشعر الأطفال والأمهات مباشرة بثمار هذه المبادرة، تتجسد في أقسام جديدة ومعدات مدرسية ودور للأمومة ومراكز صحية.
صفر ولادة منزلية
تزامن وجودنا بمنطقة آيت بوكماز مع حالة ولادة طبيعية لامرأة قادمة من إحدى القرى النائية، جرت في ظروف صحية جيدة داخل المركز الصحي القروي من المستوى الثاني، وذلك رغم موجة البرد والتساقطات المطرية والثلجية التي تعرفها المنطقة. وجرت العملية في إطار تدخلات برنامج "رعاية"، الذي تشرف عليه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لتعزيز خدمات القرب، الذي يستهدف ساكنة المناطق المتضررة من موجات البرد والمناطق القروية المعزولة.
وفي تصريح بالمناسبة، أوضح الدكتور محمد دامو، الذي التحق بالعمل بالمنطقة قبل أشهر قليلة، أن المركز يتوفر على تجهيزات طبية كاملة ويشتغل بفريق يضم ثمانية أطر بين ممرضين وإداريين، مشيرا إلى أن المؤسسة تستقبل يوميا ما بين 150 و160 مريضا، وهو ما يعكس تحسنا ملحوظا في الإقبال وجودة الخدمات الصحية المقدمة لفائدة السكان.
حسن لعكون، فاعل جمعوي، أشار من جهته، إلى أن التحسينات لم تقتصر على الصحة، بل شملت الاتصالات، حيث بلغت التغطية الهاتفية حوالي 70 بالمائة، مع العمل المتواصل لاستكمال الباقي.
فتحت دار الأمومة بواويزغت أبوابها لنا لنشهد ولادتين جديدتين، بعد متابعة دقيقة منذ الحمل من طرف الوسيطات الجماعاتيات اللواتي يرافقن النساء خطوة بخطوة، ويقربنهن من الرعاية الصحية اللازمة لتفادي الولادات المنزلية. وأوضحت فاطمة حساني، المديرة، أن "هنا توجد 23 وسيطة جماعاتية، وهدفنا تحقيق صفر ولادة منزلية، وضمان سلامة الأمهات والأطفال خلال الحمل والولادة".
وفي ظل المسافة الطويلة التي تفصل أحيانا بين المريض والعلاج، يبرز مشروع المستشفى الإقليمي الجديد كتحول حاسم في الخريطة الصحية. مشروع استشفائي بغلاف مالي يقارب 266 مليون درهم، يجري تشييده حاليا على مساحة تفوق خمس هكتارات، ليمنح الإقليم بنية صحية حديثة تستجيب لحاجيات ساكنته، بحسب المندوب الإقليمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بأزيلال، عادل أيت حدو.
المستشفى الجديد سيتوفر على 120 سريرا، موزعة على أقسام المستعجلات، والجراحة، والطب العام، وصحة الأم والطفل، ما سيمكن من تقليص التحويلات الطبية نحو مدن بعيدة، وتخفيف معاناة الأسر مع التنقل القسري، خصوصا أن طاقمه يُرتقب أن يضم حوالي 270 إطارا بين أطباء، وممرضين، وإداريين.
تحديات التنمية في تيلوكيت
في جماعة تيلوكيت، يروي محمد البوسكوري، أحد سكان المنطقة، أن الطريق كانت شبه منعدمة والماء رحلة عذاب يومية، قبل أن تظهر مشاريع الدولة، مثل شق مسالك جديدة وبناء القناطر وتوصيل الكهرباء والماء، مع العمل على إنشاء سدود صغيرة وصهاريج متنقلة لمواجهة انحباس المطر.
كان الحسين، مرشدي طيلة هذه الرحلة، يصغي باهتمام إلى حديث هذا الرجل السبعيني وهو يشير بيده نحو القرى المتناثرة في الأفق، كأنه يرسم خريطة حية للمجال. قال الرجل بهدوء: هنا لا تُقاس المسافة بالكيلومترات، بل بالوقت والصبر.. عندها فقط بدأت أستوعب معنى الامتداد الجغرافي لهذا الإقليم، الذي تصل مساحته إلى نحو عشرة آلاف كيلومتر مربع، أي ما يعادل بلدا كاملا مثل لبنان.
هذا الاتساع الشاسع يفسر الكثير من التفاصيل التي لا تظهر في الأرقام. فالدواوير المترامية فوق سفوح وواويزغت، وتيلوكيت، وزاوية أحنصال، لا تفصل بينها مسافات فقط، بل تفصلها تضاريس وعرة ومنحدرات حادة تجعل الوصول إليها تحديا يوميا. هنا تبدو التنمية وكأنها تسير بإيقاع مختلف، إذ يتحول كل مشروع إلى مغامرة لوجستية حقيقية، تتطلب جهدا مضاعفا لتجاوز عوائق الطبيعة قبل أي شيء آخر.
تعليم يقاوم خشونة الطبيعة
في العديد من الدواوير، كانت المدرسة رحلة مرهقة تمتد لساعات، لكن بناء دور الطالبات وتوسيع خدمات النقل المدرسي خفف من العبء نسبيا.
لحسن عزيم، أحد سكان جماعة وواويزغت، وهو أستاذ متقاعد، أوضح لنا أن ظاهرة الهدر المدرسي لم تعد فعلا بتلك الحدة التي كانت عليها قبل سنوات، وذلك بفضل المدراس الجماعاتية المنتشرة في العديد من الجماعات القروية وتعزيز البنيات التعليمية في المراكز الحضرية. كان كلامه ينسجم تماما مع المعطيات التي حصلنا عليها من المديرية الإقليمية للتربية والتعليم بأزيلال، والتي تشير إلى تحول عميق يعرفه قطاع التعليم بين 2021 و2026.
فالمديرية، بحسب المصطفى عابيد، المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية بأزيلال، عززت البنية التربوية بإحداث 472 وحدة للتعليم الأولي تضم 519 قاعة، و68 دار الطالب والطالبة، وتوفير أزيد من 300 سيارة للنقل المدرسي، ما سمح بتخفيف الاكتظاظ بشكل ملحوظ، وتراجع عدد الأقسام متعددة المستويات، وهو عنصر كان يشكل عبئا ثقيلا على جودة التعلم في العالم القروي. كما ارتفع عدد الأساتذة، واستفاد المئات من التلاميذ من خدمات الإطعام المدرسي التي توسعت بدورها، ما خفض نسب الانقطاع في بعض المناطق التي كانت تعد الأكثر هشاشة، مثل تيلوكيت.
أزيلال الممكنة
عبد الرحيم لخويط، خبير في الهندسة المدنية والبيئية، ابن المنطقة، قال: "أزيلال بحاجة لمنطق جديد في تدبير الجبل"، داعيا إلى ضرورة بناء الطرق حسب طبيعة الانحدار والصخور، وإلى صيانة سنوية صارمة، ودعم المشاريع الصغيرة، مثل السدود الصغرى والطاقة الشمسية، وتحسين شبكة الماء، مع تثمين المنتوجات المحلية كالخزامى والعسل والخشب والفخار.
كان الحسين ينصت للخبير، الذي يعمل أستاذا جامعيا في كندا، بينما يراقب عن كثب خطوات الحفر في القرى النائية. ثم همس بهدوء: "بهذا الإيقاع، ورغم الكلفة الإضافية التي يفرضها الجبل، يمكن لإقليم أزيلال أن يواصل إقلاعه."
هنا، يقول لخويط، لا تُبنى التنمية بسرعة الإنجاز، بل بالتراكم والصبر والاستدامة. فكل مسلك ييتم تعبيده يختصر ساعات من العزلة، وكل قنطرة تُشيد تؤمن عبورا آمنا في موسم الأمطار، وكل مرفق عمومي يفتح أبوابه يخفف شيئا من ثقل التضاريس الوعرة، لترسم مسار إقليم يتقدم ببطء، لكن بخطى ثابتة ومدروسة.
تصوير: عزالدين الكايز