من البكالوريا إلى الجامعة… سعيد جميل يحذر من كلفة التوجيه الخاطئ

الصحراء المغربية
الإثنين 15 يونيو 2026 - 16:43

على بعد حوالي يوم واحد من صدور نتائج امتحانات الباكالوريا برسم الموسم الدراسي الحالي، أكد الأستاذ سعيد جميل، الخبير في الشؤون الاقتصادية والتعليمية، أن النقاش الذي يتجدد كل سنة حول نتائج امتحانات البكالوريا لا ينبغي أن يحجب الإشكال الأعمق الذي تعاني منه المنظومة التعليمية، موضحا أن الخلل الحقيقي لا يكمن في الامتحان النهائي في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بضعف منظومة التوجيه الدراسي وغياب المواكبة الفردية للتلاميذ في بناء اختياراتهم المستقبلية.

وقال سعيد جميل إن البكالوريا ما تزال تحظى باهتمام واسع من طرف الأسر ووسائل الإعلام والمسؤولين التربويين، حيث ينصب التركيز في الغالب على نسب النجاح والمؤشرات الرقمية، بينما يغيب السؤال الجوهري المتعلق بمدى قدرة المدرسة على مساعدة التلميذ في اختيار مسار دراسي ومهني منسجم مع قدراته وميولاته وطموحاته.

وأفاد سعيد جميل بأن المغرب لا يشكل حالة استثنائية في هذا المجال، إذ إن عددا من بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط تواجه الإشكال نفسه، بسبب توجيه دراسي غالبا ما يكون متأخرا وغير مشخص بما يكفي، ويتأثر أحيانا باعتبارات اجتماعية أكثر من اعتماده على أسس تربوية وعلمية دقيقة.

ولفت سعيد جميل إلى أن المفارقة تكمن في أن نسب النجاح في التعليم الثانوي قد تتجاوز في بعض البلدان 80 أو حتى 90 في المائة، غير أن الصعوبات الحقيقية تظهر بعد الولوج إلى الجامعة، حيث يجد عدد كبير من الطلبة أنفسهم داخل تخصصات لا تنسجم مع قدراتهم أو ميولاتهم، مما يؤدي إلى التعثر أو تغيير المسار أو مغادرة الجامعة قبل الحصول على الشهادة.

وأوضح المتحدث أن السبب الرئيسي لهذا الوضع هو الخلط بين التوجيه والتوزيع، مشيرا إلى أن التوجيه الحقيقي يعني مرافقة التلميذ بشكل تدريجي لاكتشاف مؤهلاته واهتماماته ومشروعه المهني، بينما يقتصر التوزيع على إلحاقه بشعبة أو مقعد متاح، دون مراعاة كافية لخصوصياته الفردية.

وأبرز أن المشكلة تبدأ منذ المرحلة الإعدادية، حيث يكون المدرسون قادرين على ملاحظة ميول التلاميذ وقدراتهم في وقت مبكر، غير أن هذه المعطيات لا يتم استثمارها بالشكل المطلوب ضمن استراتيجية واضحة للتوجيه المدرسي.

وأشار إلى أن الأسرة تلعب بدورها تأثيرا كبيرا في اختيارات الأبناء، إذ ما تزال بعض التخصصات ترتبط في المخيال الاجتماعي بالنجاح والوجاهة، بغض النظر عن قدرات التلميذ الحقيقية، وهو ما يدفع عددا من الشباب إلى اختيار مسارات لا تعكس مؤهلاتهم ولا تطلعاتهم.

وأضاف سعيد جميل أن التعليم الثانوي تحول، في كثير من الأحيان، إلى فضاء للتحضير لاجتياز امتحان البكالوريا، بدل أن يكون مرحلة لبناء المشروع الشخصي للمتعلم. وتظهر نتيجة ذلك بوضوح في التعليم العالي، عندما يكتشف آلاف الطلبة أن اختياراتهم لم تكن مبنية على قناعة، بل على الاضطرار أو ضغط المحيط.

وقال سعيد جميل إن لهذا الوضع كلفة إنسانية واجتماعية واقتصادية مرتفعة، تتمثل في ضياع سنوات من الدراسة، وتحمل الأسر نفقات إضافية، فضلا عن هدر موارد الجامعات والدولة بسبب الانقطاع وإعادة التوجيه وضعف الانسجام بين التكوين وسوق العمل.

واعتبر سعيد جميل أن بعض التجارب الدولية تقدم دروسا مهمة في هذا المجال، مبرزا أن النموذج الألماني يجعل التوجيه ركيزة أساسية للنجاح التعليمي، من خلال تنويع المسارات منذ سن مبكرة وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، خاصة عبر نظام التكوين المزدوج.

كما أشار إلى أن عددا من الأنظمة الآسيوية الناجحة، مثل سنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية، تعتمد على المواكبة الفردية والتقييم المستمر وبناء مشروع المتعلم بشكل تدريجي، بدل اختزال النجاح في امتحان نهائي واحد.

وشدد سعيد جميل على أن تقييم أداء المنظومة التعليمية لا ينبغي أن يقتصر على نسبة النجاح في البكالوريا، بل يجب أن يشمل مؤشرات أعمق، من بينها النجاح الجامعي، واستقرار المسارات الدراسية، ومدى توافق التكوين مع متطلبات سوق الشغل.

وقال سعيد جميل إن الأسئلة الحقيقية التي يجب أن توجه السياسات العمومية هي: كم من التلاميذ يلجون التخصصات التي يرغبون فيها فعلا؟ وكم منهم يكملون دراستهم العليا؟ وكم منهم يجدون عملا منسجما مع تكوينهم وطموحاتهم؟

وأكد سعيد جميل أن تحدي القرن الحادي والعشرين لم يعد يتمثل فقط في رفع عدد الحاصلين على شهادة البكالوريا، بل في تمكين كل شاب من اكتشاف طريقه الحقيقي، وتحويل مواهبه إلى مشروع حياة متماسك ومستدام.

وختم سعيد جميل بالتأكيد على أن إصلاح التوجيه المدرسي يجب أن يصبح أولوية وطنية، تنطلق من المرحلة الإعدادية، وتشرك الأسر والمدرسين والجامعات والمقاولات، وتعتمد على معرفة دقيقة بكفاءات التلاميذ وقدراتهم. واعتبر أن البكالوريا ستظل شهادة مهمة، لكنها ليست نهاية المطاف، بل محطة ضمن مسار تعليمي ومهني متكامل.




تابعونا على فيسبوك