"رسائل الرب تصلني كل مساء" باكورة نبيل أكنوش الشعرية

الجمعة 15 يناير 2016 - 13:30
9784

صدر للشاعر المغربي المقيم في بلجيكا، نبيل أكنوش، مجموعته الشعرية الأولى "رسائل الرب تصلني كل مساء"، عن دار النشر "مخطوطات" في هولندا.

والمجموعة عبارة عن نصوص كتبها الشاعر على مدى حوالي 3 سنوات، وتقع في 96 صفحة. صمم غلافها الشاعر والفنان العراقي، ناصر مؤنس.

هي 70 قطعة شعرية يرى بعض النقاد أن تيمة العتمة تطغى على مضمون عدد منها.. لكن الشاعر يعتبر "العتمة مكون أساسي لهذا العالم المليء بأبيض خادع. وأن بمقدور الإنسان الرؤية في عمق السواد ما لا يراه في النور".

المقاطع هي أيضا غوص في الذات وفي عمق السؤال حول ماهية الحياة والموت، ونجد هذا بليغا في نص "جدتي"، تلك "الإنسان العظيم" التي عاش معها طفولته، لكن فقدانها كان له أثره في إصابته بالانطواء لسنوات.

 يقول نبيل أكنوش عن هذا النص، "ربما كنت محظوظا بالعيش مع إنسان عظيم كالجدة. والتي احتفي بها من خلال نص "جدتي". فقدانها والأخت البكر، جعلني أغوص بصورة أعمق في الذات، والانطواء لسنوات بعدما أصبح العالم الخارجي يتهددني.. هنا اكتشفت حلاوة الموت.. نعم حلاوة". ولعل النص، الذي نقرأه على الغلاف الأمامي للمجموعة، والمعنون بـ "شبح العلة"، جاء هو الآخر ليتماهى مع التيمة الرئيسية، وهي الموت، الموت الذي أخذ الجدة، والأخت ثم العم.

ويأتي العنوان، الذي هو مقتطف جملة من النص الشعري "سراب الذاكرة"، ليقدم صورة أخرى تعبر بقوة عن تربص الموت بالجسد المعبأ بعبوات ضد النهاية، وكأن الشاعر وهو يستقبل الرسائل يستعد، كل مساء، لاستقبال الموت.

وتتوزع النصوص الشعرية بين مشاعر الفقد والغربة، أو المنفى الذي اختاره الشاعر طواعية، ليقيم في بروكسيل منذ ما يقرب 10 سنوات تقريبا، وبين مناشدة روح الإنسان التي يعتبرها "نقطة ضئيلة فينا، والباقي وحش لا يتورع عن الانقضاض عَلى كل جميل.."، لذا نجد قصيدة "السواد الذي بداخلي"، التي يستهل بها مجموعته الشعرية تعبر عن اعتقاد راسخ "أن الأسود هو جزء من ذاك الوحش الذي يسكننا"، كما نجده في نصوص أخرى تثير الاغتراب والوحدة، رغم أن الشاعر لم تكن تنقصه كثرة وتنوع الشخوص، الذين عرفهم ويعرفهم.. مثل نص "سارق الحزن المحترف" الذي نقرأ فيه: "...أما أنا سارق الحزن المحترف، تتقاذفني أمواج عاتية داخل غرفتي الوحيدة...

غرفة آيلة للسقوط، وإطارا أسود يضم صورة قديمة لأمي يوم زفافها..لا عدالة تلوح في الأفق، فهذا البحر غاضب منزعج...".

جمالية اللغة عند نبيل أكنوش تزيد القصائد بلاغة لا نظير لها، ما يجعلها تتميز بخاصية فريدة من الإبداع والتعبير. ورغم ما تحمله النصوص الشعرية من دلالات عميقة موشحة بنوع من السواد والحزن، فإننا نجد قبسا من نور يبرق بين الفينة والأخرى، بين ثنايا القصيدة، كأن يقول:   

"لكنني أحتفظ بحبة بيضاء..

سأقضم نصفها.. لأقتل السواد الذي بداخلي..

وأزرع النصف الآخر..عند مدخل بيتنا..

أريد أن أطعم أهل الحي..

سأنثر فوق كل واحد، مياه الحبات البيض

سيولد الأبيض تحت الأرض...وفوقها.."

وإذا كان شعر أكنوش ينبع من أحاسيس واقعية فجرت ملكة الإبداع عنده، إلا أن كتابة الشعر، بالنسبة إليه، "تتطلب حساسية مفرطة، كما تتطلب سنوات وسنوات من القراءة لشعراء من مختلف بقاع الأرض، والتشبع بثقافات مختلفة.. بالإضافة إلى قراءة مختلف أجناس الكتابة، والاحتكاك بأدق تفاصيل الحياة، والتماهي مع الجميل والتفاعل مع القبيح.. لأن هذا التفاعل باختلافه يخلق للشاعر منعطفات تجعله يطل على الآخر وعلى جوانب مظلمة للإنسان.. هنا تظهر الرجة ورد الفعل المحرك لفعل الكتابة".

إذن، نحن أمام عمل إبداعي هو نتاج 3 سنوات من الكتابة، التي أودعها الكثير من الإحساس الوجداني، ومن التجارب الشخصية، معتمدا على تأثير المكان في وجدانه، فتأتي بعض القصائد صورة حية لمعاناة الشعور باغترابه ومنفاه الاختياري.

من المنتظر أن تشارك هذه المجموعة الأولى من نوعها للشاعر الشاب في معرض فرانكفورت للكتاب بألمانيا هذه السنة، في انتظار توزيعه بالمغرب قريبا. 




تابعونا على فيسبوك