فاز محمد نور الدين أفاية بجائزة "أهم كتاب عربي" لدورة 2015 التي تمنحها مؤسسة الفكر العربي ببيروت، عن كتابه "في النقد الفلسفي المعاصر، مصادره الغربية وتجلياته العربية"، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية.
خلال حلقة نقاشية نظمتها شعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية: بنمسيك، الدارالبيضاء، حول "كتابه "في النقد الفلسفي المعاصر، مصادره الغربية وتجلياته العربية"، بمشاركة رشيد العلوي، وعبد الواحد آيت الزين، محمد الشيخ، وموليم لعروسي، ونبيل فازيو، أجمع المشاركون على أن أفاية من أبرز المفكرين والباحثين في المغرب والوطن العربي، وكتاباته محط تقدير من النزهاء والمنصفين. وكتاب "في النقد الفلسفي المعاصر، مصادره الغربية وتجلياته العربية"، شاهد على المستوى العلمي الرفيع للمساهمات التي يقدمها للثقافة العربية المعاصرة".
عن هذا الكتاب، الذي يحاول أفاية من خلاله تسليط الضوء على فكر عدد من الفلاسفة والمفكرين الذين ساهموا في بناء صرح الفكر النقدي الأوروبي، من طراز كانط،، وهيغل، وماركس، وفوكو، ودولوز، وديريدا.. ، يقول المفكر المغربي عبدالإله بلقزيز "إنه عقل حر، ومفكر نقدي رصين، وباحث دائب النظر في قضايا الفكر والاجتماع والسياسة والثقافة والفن.
دارت أبحاثه وكتبه على مسائل ومحاور عدة: تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة الدولة والمجال السياسي وما يتصل بهما من مسائل مثل الإصلاح والديمقراطية والتنمية الفكر العربي المعاصر ثم فلسفة الجمال والصورة مع اعتناء خاص بالإنتاج السينمائي وأخيرا فلسفة التواصل. ينشر باللغتين العربية والفرنسية، ويكتب بمسؤولية عالية تجاه ما يكتب فيه، وبلغة رصينة وجميلة، ويستشكل المسائل التي يكتب فيها بنفس فلسفي ملحوظ.
يضيف بلقزيز، "أفاية، اليوم، في جملة أبرز المفكرين والباحثين في المغرب والوطن العربي، وكتاباته محط تقدير من النزهاء والمنصفين. والكتاب الذي نحتفي به، اليوم، شاهد على المستوى العلمي الرفيع للمساهمات التي يقدمها للثقافة العربية المعاصرة".
يقول محمد الشيخ، أستاذ الفلسفة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بنميسك الدارالبيضاء، جامعة الحسن الثاني. هذا كتاب في النقد الفلسفي. وقليلة هي الكتب العربية في النقد، مع قيام مسيس الحاجة إليها. وليس معنى هذا أن كتب الفلسفة العربية تفتقر إلى فصول في النقد، سواء كان نقد الفلسفة الغربية أم نقد الفلسفة العربية. ولكن معناه أنها تمارس النقد وقلما تفكر في النقد.
والحال أن هذا كتاب جعل من النقد، والنقد الفلسفي على وجه التخصيص، موضوع نظر له وموضوع إشكال. لقد فكر في أن النقد الفلسفي يحتاج إلى كتاب، فكان الكتاب، وقليلة ما هي الكتب مثيلته.
ومعنى أن يفكر المرء في موضوع النقد أمران "نظر مخصوص" أن يجعل النقد موضوعا للنظر. وهذه العملية تسمى (La Thématisation) أن يستشكل أمر موضوعه الذي هو النقد. وهي عملية الاستشكالية (La Problématisation)، فهل استجاب هذا الكتاب إلى هذين المعيارين حقا؟ الجواب نعم ولا.
على مستوى جعل النقد الفلسفي موضوعا لنظر مخصوص، يرى محمد الشيخ أن الكتاب لم يكتب كتابة الوهلة الواحدة، أو النفس الواحد، وإنما كتب على فترات متباعدة وتم تجميعه تجميعا.(Bricolage) يشعر المرء معه أن فيه قدرا من الاستكراه. فهو كتاب مرتق، جمع جمع ترتيق ولا عيب في ترتيق الكتب، ولا سيما أن فيه من مظاهر الانسجام الشيء الكثير، لولا بعض ما بدا من عدم تناغم في بعض الأقسام والفصول.
ومهما يكن من أمر، يرى صاحب الكتاب أن خيطه المنتظم إنما يتمثل بـ"النقد" وبالنقد عند الفلاسفة على وجه الخصوص. وبالفعل النقد أحضر كلمة في الكتاب، على تفاوت في هذا الحضور. لقد وعدنا الأستاذ أفاية بكتاب في النقد، وعندما نقرأ آخر صفحة فيه نكتشف أن وعده كان وعدا حقا".
يرى الباحث في الفلسفة والإسلاميات، نبيل فازيو، أن "لكتابات الأستاذ محمد نور الدين أفاية مكانتها الخاصة في جغرافيا التأليف الفلسفي في المغرب كما في الوطن العربي. والقارئ في كتبه يلحظ نفسها النقدي الذي مكنها من الإفلات من قبضة النزعة النصية، التي هيمنت على ذلك التأليف وصيرته ممارسة مدرسية كل غايتها شرح النصوص الفلسفية، الإسلامية التراثية والغربية الحديثة والمعاصرة، والتعريف بها، في غفلة كادت أن تكون تامة عن الواقع المعيش، وسياقاته الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، التي شرطت الوعي العربي، منذ ما يزيد على قرنين من الزمن.
كما يمكن للقارئ في أعماله أن ينتبه إلى المساحات النظرية الشاسعة التي تحرك فيها، بدءا بالفلسفة وقضاياها الكبرى، ووصلا إلى السينما والفن والمسألة الجمالية، مرورا بمناولته للوضع السياسي في الوطن العربي والرجات التي ما انفك يعيشها، بما يستلزمه ذلك من انفتاح على قضايا الهوية والعولمة والتواصل.
في كل هذه المحطات الفكرية كان على وعي بالدور الذي يمكن أن يضطلع به كمثقف يستمد عناصر رؤيته من تكوينه الفلسفي الرصين، إن على مستوى استشكال الراهن وتفكيك تمفصلاته، أو على مستوى توصيف أزمته واقتراح حلول للخروج منها، معتدا في ذلك بالإنصات الهادئ، المحكوم برغبة عميقة في الفهم، وبقدرة على تعليق الأحكام، مما يستلزمه الموقف الفلسفي النقدي.
أتى تأليف أفاية، خلافا لكثير من أضرابه المحتقلين لمجال الفلسفة في الوطن العربي، مهجوسا بالراهن وأسئلته الكبرى، وأراد له صاحبه أن يكون خلخلة لتلك الأسئلة من طريق فهم المعيش، والقلق إزاء أكثر مظاهره «بساطة» و«وضوحا» فاتخذ فكره الفلسفي صورة «اندهاش» إزاء أسئلة من قبيل سؤال الجسد، والمتخيل، والكتابة، والمرأة، والاختلاف، والسياسة، والهوية، والتواصل، والإبداع، والديمقراطية... ، ما يشي أننا أمام نمط في الكتابة الفلسفية ينأى بنفسه عن كل نزعة مدرسية أو انغلاق أكاديمي من شأنه أن يحول دون الإفادة من مختلف الروافد النظرية، التي يمكن أن تسعفنا ببلورة فهم معقول للواقع وتمفصلاته.
فالرجل لا يتشرنق داخل تخصص معرفي مخصوص يطل من برجه العاجي على كل أسئلته وهمومه، وإنما يتحرك بين مجالات معرفية متعددة، من فلسفة، وفن، وأدب، وتواصل، وسياسة، يتنقل بينها جيئة وذهابا دون أن يشعر قارئه بوجود حدود تفصل الواحد منها عن الآخر، يرتب معطياتها وفق ما يقتضيه منه موضوع دراسته، يطوع مفاهيمها بمقدار حاجته إليها، يركب بين عناصر مناهجها لتغدو أكثر استيعابا لقضايا راهنه، لتكون النتيجة ضربا من القول الفلسفي الذي يغرف من روافد معرفية متعددة من دون أن يتنازل عن نفسه وهويته الفلسفية من جهة، ومن دون الغفلة عن الواقع وشروطه من جهة ثانية.
في هذا السياق، تحديدا، كتب أفاية ما كتبه عن الفلسفة العربية ومسارات النقد فيها، وقد أتى كتابه في النقد الفلسفي المعاصر، مصادره الغربية وتجلياته العربية، يعبر عن مقدار حضور الهم النقدي في فكره، إذ رام من خلاله بيان المسارات التي اتخذها مفهوم النقد في سياقات تشكله الغربية، في الفلسفة الحديثة، مع كانط والمثالية الألمانية وماركس، ومن بعد في الفلسفة المعاصرة منذ النظرية النقدية وصولا إلى علاقة التفكيك بالنقد.
يتناول كتاب الدكتور محمد نور الدين أفاية "في النقد الفلسفي المعاصر، مصادره الغربية وتجلياته العربية" الحائز على جائزة "أهم كتاب عربي" لدورة 2015 التي تمنحها مؤسسة الفكر العربي في بيروت المعالم الأساسية لتطور النقد الفلسفي من كانط إلى ماركس، ويعرض الكتاب في فصوله الستة قضايا وأبعاد الفكر النقدي، بدءا بالمقدمات النظرية للنقد في الفلسفة الحديثة ثم في الفلسفة المعاصرة، مرورا بوجهات النقد الفلسفي، وبالكثافة النقدية التي تتضمنها الفلسفة وعلاقتها بأسئلة الوجود والحياة، وأسئلة القيم والقلق العام الذي أصبح يساور الأفراد والجماعات، وانتهاء بالنزعات النقدية في الفكر العربي المعاصر.
وأكد أفاية أن اختياره للنصوص والمفاهيم الفلسفية ابتداء من كانط ومرورا بهيغل وماكس وفوكو وغيرهم يجيء ليثبت أن كل إنتاج فكري يمكن أن يكون نقديا كلما تمكن من إبراز معنى جديد، وانتزع لذاته فضاء مناسبا في الإنتاج الفكري والنظري والثقافي، وذلك ما لا يمكن الوصول اليه من دون تفكير منتبه إلى العمل الفلسفي والفكري باعتباره تفكيرا مجالا مساجلا برهانيا باحثا عن المعنى ومن المؤكد أن المتن العربي الذي قدمه من خلال الخطيبي يكثف هذا المقتضى المعرفي والمبدئي.
ويتضمن الكتاب ثلاثة أقسام وستة فصول تختلف فيها الاهتمامات بمرجعيات الفكر النقدي وسياقاته، ويشتمل الفصل الأول من القسم الأول فيه على المقدمات الفلسفية للنقد في الفلسفة الحديثة، وعلى النصوص التي أسست للنظر النقدي.
بينما يقدم الفصل الثاني امتدادات النقد في الفلسفة المعاصرة، ويتناول الفصل الثالث من القسم الثاني الكثافة النقدية التي تتضمنها الفلسفة وعلاقتها بأسئلة الوجود والحياة، والأبعاد النقدية الثاوية المكونة للديمقراطية باعتبارها نظرة إلى الإنسان وإلى المجتمع فضلا عن كونها سياسة تنبني من المساءلة والمراقبة والنقد.
أما في الفصل الرابع فيحاول الدكتور أفاية تلمس القيم والقلق العام الذي أصبح يقلق ويربك الإفراد والجماعات، لاعتياد الناس كثيرا في هذا العصر على مطالعة طروحات كثيرة تتحدث بصراحة عن فقدان القيم ونشوء أزمة القيم، فقد ساعد النظام المعولم لنقل وتوزيع الثروات على قيام هذه الأزمة، ويتناول الفصل أيضا الشعور بالقلق والفوضى في كل المجالات السياسية والمالية والاجتماعية والبيئية والقيمية، خاصة وأن أنماط عيش الناس تغيرت وتحول الإنسان بالتدريج إلى كائن مديني وحضري.
وتغيرت أيضا أفكار كثيرة كان يعتقد بها الإنسان فيما مضى تخص جوهر العلاقات والقيم التي أصابها أيضا تيار التغيير واكتست بالخلخلة واهتزت صورتها وإطارها كثيرا، وتغيرت الأهمية التي كان ينظر من خلالها إلى كثير من أمور حياته، فما كان مهما في وقت ماض ربما لم يعد كذلك الآن.
وإزاء هذا التغير فقد يجد البشر أنفسهم في مواقف متناقضة وغير مفهومة أحيانا، خاصة وأننا في عصر تتصاعد فيه موجة من الخطابات الإعلامية عبر الصورة والصوت تعبر عن الموعظة والنواهي القيمية والأخلاقية.
أما الفصل الخامس من القسم الثالث فيتناول استجلاء "النزعات النقدية" التي أنتجتها تيارات الفكر العربي المعاصر، ولا سيما تلك التي انصبت مجهوداتها النظرية على كشف مكونات العقل العربي،ونقد أساسياته بقصد إنجاز تركيب فكري قادر على إدخال المنسوب الضروري من الحيوية النقدية في الفكر العربي.
ويشرح الفصل السادس ما يمكن وصفه "التفكيكية العربية" مركزا على أعمال المفكر المغربي الراحل عبد الكبير الخطيبي باعتبارها تقترح بروتوكولا نظريا ومنهجيا وجماليا لمعالجة القضايا الكبرى في الفكر العربي.
ويقول الدكتور أفاية في وصفه للخطيبي "لقد امتلك عبد الكبير الخطيبي جذارة فكرة في سياق ثقافي عربي لم يتمكن من التحرر من الأسر الفقهي التقليدي الذي كبل الثقافة العربية ولم يتعب نفسه كثيرا في المرافعات التي سجنت مناقشات المثقفين المغاربة والعرب ومساجلاتهم منذ الستينيات فأسلوبه في الكتابة تحليل وقلق وحضور، وقد تمرد على المنهج السوسيولوجي الصارم للانشغال بكل تجليات الكائن، غامر في الشعر والمسرحية والرواية والنقد والجماليات والفلسفة".
المفكر أفاية ولد في مدينة سلا المغربية عام 1956، حاصل على شهادة دكتوراه دولة في الفلسفة، وهو أستاذ التعليم العالي في تخصص الجماليات وفلسفة التواصل ويرأس جمعية البحث في التواصل ما بين الثقافات وصدر له كتب كثيرة منها "الهوية والاختلاف في المرأة"، "الكتابة والهامش"، "الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، نموذج هابرماس"، "الغرب في المتخيل العربي الإسلامي" وصدر باللغة الفرنسية، "الغرب في المتخيل العربي الإسلامي في العصر الوسيط"، "أسئلة النهضة في المغرب"، "السلطة والفكر"، "من أجل ثقافة الاعتراف في المغرب"، كما أن للدكتور أفاية مساهمات في مجموعة من الكتب الجماعية ودراسات ومقالات في مجلات عربية وأجنبية.