رقصة 'الكدرة' تراث صحراوي مغربي يصارع من أجل البقاء

الثلاثاء 10 نونبر 2015 - 12:35
8188
رقصة 'الكدرة' التي كانت تمارس بشكل واسع بالأقاليم الجنوبية للمغرب

تعتبر رقصة "الكدرة " أحد التعبيرات الفنية الإيقاعية التي كانت تمارس بشكل واسع بالصحراء، وتحديدا بمنطقة وادي نون، غير أنها أضحت من وسائل الطرب النادرة في المجتمع الصحراوي، ما يستدعي التدخل من أجل الحفاظ على أصالة هذا الفن المهدد بالزوال.

يتطلع الممارسون والمهتمون بهذا الفن الشعبي، الذي يختزل ثقافة الإنسان الصحراوي في تقاطعها مع ثقافات أخرى مجاورة، إلى تنظيم مهرجان خاص بهذه الرقصة بجهة كلميم وادي نون، من أجل العناية بهذا الموروث الفني ورد الاعتبار له، وضمان تجدده في إطار الحفاظ على مقوماته الأصيلة مع الحرص على تكريم ممارسيه ورواده .

ويجمع الباحثون في التراث الشعبي أن رقصة "الكدرة " التي تصارع من أجل البقاء، في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع، استمدت تسميتها من الآلة الموسيقية الإيقاعية، وهي عبارة عن جرة من الطين تغلق فوهتها بقطعة من الجلد، وعلى إيقاع معين يتم الضرب عليها بواسطة قضيبين يطلق عليهما اسم "لمغازل" فيحدث ذلك إيقاعا موسيقيا متناغما تواكبه عملية تصفيق جماعية مستمرة.

ويرى الباحث إبراهيم الحيسن في مؤلفه "رقصة الكدرة ..الطقوس والجسد"، أن هذه الرقصة التي أفرزتها شروط سوسيو ثقافية متنوعة، تعتمد بالأساس خطاب الجسد موضوع الايماءة ومر كز الرؤية ومصدر الحركة في الفضاء وتقدمه، في أهم تمفصلاته وتمظهراته، ضمن سياقات كوريغرافية كثيرة ومتنوعة يتكامل فيها الديني والجمالي والميتافيزيقي والأسطوري، بل وتقوم على سيميائية الرقص الفردي داخل حوار جماعي يعج بالكلمة والنغمة والحركة والقول الشعري.

وتعتمد هذه الرقصة التي هي من اختصاص النساء، توظيف الجسد داخل فضاء يتوسطه رجل يسمى "النكار" يتولى مهمة الضرب على الأداة الموسيقية "الكدرة " لإحداث الإيقاع المطلوب، كما يضطلع بمهمة توجيه باقي أفراد المجموعة وإثارة انتباههم إلى الخلل الذي قد يحدث أثناء عملية الإنشاد.

وقد تضيق الحلقة الدائرية أو "الكارة " التي يتمركز بها "النكار" مثلما تتسع، حسب عدد المشاركين في الأداء الجماعي المميز لهذه الرقصة الشعبية.

وتمثل الراقصة أو "الركاصة"، وتكون غالبا فتاة أو مطلقة وفي حالات نادرة امرأة متزوجة، في هذا المشهد الاحتفالي عنصرا أساسيا، إذ تتكلف سيدة بإحضارها بعد إعدادها وحثها بعدم فتح أعينها سوى بالقدر الذي يمكنها من رؤية ما بحولها، ثم تبدأ في عملية الرقص بتحريك الأصابع في انسجام مع حركات الأذرع والتلويح بضفائر الشعر، في حين يظل باقي أفراد المجموعة في أماكنهم ويتدافعون بأكتافهم يمينا ويسارا في ما يعرف بـ"التداويح"، حسب تحرك الراقصة نحوهم التي تقوم بتحريك الأصابع وتقليب الكفين، أما "النكار" فتفرض الرقصة عليه التحرك وسط الدائرة، لكن بهدوء لكي يظل مقابلا للراقصة ولآلته الموسيقية.

ويرى الحيسن في المؤلف ذاته أن هذه الرقصة تستغرق مجموعة من الجولات الإيقاعية، وكل جولة تمثل إنشاد ثلاث "حمايات"، وفق إيقاع لحني يبدأ انفراديا ويتصاعد لينخرط في أدائه باقي أفراد المجموعة، وقد يطول إنشاد "الحماية" أو يقصر تبعا لقدرة الراقصة على الاستمرار في الرقص، وتختتم كل جولة بعملية "أهوتش" وهي تعبير عن بلوغ جولة الرقص مداها النهائي.

ويجمع الباحثون في التراث الحساني على أن "الحمايات"، التي يتم ترديدها أثناء عملية الرقص يغلب عليها طابع الغزل، وغالبا ما تكون الراقصة هي المعنية بهذا الموضوع لمناجاتها. ويرى عدد من الباحثين أن رقصة "الكدرة " لا تقتصر على المظهر الاحتفالي، بل تختزل في عمقها تجليات مرتبطة بالتصوف.




تابعونا على فيسبوك