كتب الناقد الجمالي الفرنسي، دانييل كوتيريي، نصا نقديا حول أعمال الفنان التشكيلي المغربي، حسن بوهيا، يتساءل فيه عن القلق الفني لبوهيا، وعنونه بـ" الفنان حسن بوهيا يتساءل". في النص الذي تلقت "المغربية" نسخة منه، قارب دانييل كوتيريي تجربة بوهيا الصباغية، واكتشف أن أعماله تنتمي إلى الاتجاه الموسيقي، ووصفه بـ"وريث الحركة الموسيقية لفالنسي".
يقول كوتيريي:"هل لنا أن نندهش من أن يمتلك فنان تشكيلي، إلى جانب الإحساس بالألوان وعقل وأفكار وقناعات، شخصية اجتماعية.
فليست التقنية هي كل شيء، والمهنة لا تهم كثيرا .. كما أن هناك ارتياحا للنقد الموجه للمنفذ الإنسان.
إنه لشرف كبير أن أقف على عمل حسن بوهيا الذي يتمتع بمسار فني تناسبي منقطع النظير.
أكيد أن حسن بوهيا، مهندس الأشغال العمومية، تعاطى للرسم منذ شبابه الأول، لكن لم تكن له أي نية في أن يتوجه لعموم الناس، فقط كان يتقاسم ولعه هذا مع بعض الأصدقاء. إذ لم يعرض إلا ابتداء من 2007، حيث أقام أول معارضه الفردية بالعيون بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء.
وهو يهتم بهذا الشكل الجديد (فقد كان يستمتع بتسطير خطوط بالأسود على مساحة بيضاء ابتكر لها الأرضية المناسبة (الكراك) مع ترك المادة تجف تحت الشمس)، لم يدرك أن تقنيته الفريدة إلا في معرض لمجموعة من الحجابات المعاصرة تحت إشراف وزارة الثقافة بمكناس، والرباط ثم الدارالبيضاء. فقد كان بإمكانه إلباس هذه اللوحة الفنية الملقاة على الأرض وقليلة الاستغلال شكلا خاصا يليق بها.
فها هو ينجز حجابة ستعرض لأول مرة في مكناس، ثم بعدها في مدخل مسرح محمد الخامس بالرباط في دجنبر 2011.
حين اكتشفه النقاد، صنف كفنان وحيد يمكنه الانتماء إلى الاتجاه الموسيقي (مقال صدر يوم 2 نونبر 2012 في جريدة لوبينيون). كلمة "الاتجاه الموسيقي" هذه، أثارت اهتمام "ديديي فالنس"، ابن أخ "هنري فالنسي"، الذي كان ينتظر الفرصة المواتية لإطلاق عمل عمه، الذي أسس سنة 1928 مع التشيكي كوبكا، والفنانين بيكابيا ومارسيل دوشان، هذا الاتجاه الشهير وحرر ميثاقه.
وبسرعة، عقد ديديي فالنس يوم 14 دجنبر الموالي لقاء باريسيا صرفا، دعا إليه حسن بوهيا، وخلف صدى كبيرا. فقد أثار اللقاء اهتمام محافظ "المجموعات المعاصرة" بمركز بومبيدو، فخصص لعمل فالنسي قاعة خاصة في إطار معرض تحت عنوان "معاصرات جماعية من 1905 إلى 1970 (والذي استمر إلى غاية 26 يناير 2014).
خلال تنظيم هذا المعرض، أصدرت جمعية أصدقاء فالنسي كتيبا مرفقا، بقلم ماري طالون، كتبت في مقدمته "إن (دانييل كوتيريي) يشهد على طول عمر "الحركة الموسيقية"، وقد كتب يدافع عن عمل حسن بوهيا بأن هذا الأخير هو، بحق، الوريث للحركة الموسيقية لفالنسي". وأضافت: "لتخليد مائوية ميلاد هذه الحركة الفنية الرئيسية (الفرع الذهبي)، لم يكن لأي فضاء أو مؤسسة الفكرة أو الوسائل لاحتضانها، بينما الصحافة المغربية، معبأة من طرف حسن بوهيا ودانييل كوتيريي، ساهمت في تخليدها بكل فخر. وهذا أجمل تشريف باريسي".
وهذا ما يجسد أهمية عمل حسن بوهيا بالنسبة للمغرب، فهو يجد هنا شهرته المعترف بها، انطلاقا من المكانة المرموقة للمعرض ذي الصيت العالمي.
إنه عمل سيتم التعامل معه من الآن بنظرة مغايرة تماما.
فحين اكتشف الأقلام اللبدية اللامتناهية الألوان، انطلق حسن بوهيا في الرسم بحماس مدهش، منتجا عدة أعمال غير متشابهة في اليوم الواحد، فيما أسفرت التركيبات اللامحدودة عن قدرة التخيل لمؤلفها .
يقول عنه شارل بوندوان "هناك طاقة سيكولوجية، إن لنا ميولات شخصية تتنقل تتضح، تغمض، تسافر من الوعي إلى اللاوعي، وتتفاعل بتفاعل الانعكاسات. إن الذكاء يصنع الأشياء على صورته ويحتفظ بها حقيقية، ولا يأخذ منها إلا فكرة واحدة خاصة به، ولا يمكنه ادعاء لا اكتشافها من حيث المبدأ، ولا ترتيبها في إطار نهائي. فالإنسان يتبوأ في العالم مكانة منفردة تعيده إلى غموضه".
كان حسن بوهيا، طيلة هذه الفترة، يسعد بإرسال رسائل إلكترونية يوميا إلى أصدقائه ومعجبيه عن ثمرة أعماله، فقط ليتقاسم معهم شغفه بهذا الفن.
إن الكائن ينمو خاصة بما تقدمه له الحياة الانسيابية، ونعلم جيدا أن الشرط الأول للتقدم الفكري هو ممارسة الفكر لما هو معهود له به.
لكن الفنان، في هذه الممارسة اليومية، كان يبحث عن الحركة الآلية التي تسمح له بالحرية والتخيل، لكن أيضا التي تعيده إلى ذاته وإلى حاضره وحاجياته.
وبينما يجد أن قواه الروحية تنفذ بهذا الشكل، يبدو له الشك قادما حين تسرح الروح.
لقد كتب أندري ماسون في "متعة الرسم" " إن الإفراط له نوعان للتعبير، نوع يؤدي إلى الإبهام والغموض، وآخر بكل بساطة إلى الريبة والشك، وهذه الريبة هي التي أثرت في الفنان وأبادت رغبته في الرسم وأصبح يرى نفسه، بفزع، وحيدا ومضطربا".
ما يعني أن القلق هو فقط ديني بما أنه يسائل المصير الكلي للكائن، وأعتقد أن حسن بوهيا يجد نفسه في مواجهة هذا القلق.
فعلى إثر إحدى رحلاته إلى إفريقيا الوسطى حيث اكتشف طريقة أخرى للعيش، ومخطوطات جديدة أثرت فيه بعض الوقت، توقف كل الشغف والولع ليسود بعدهما صمت طويل.
يعلم بوهيا أنه يصعب العيش دون نجاة من شكه المتسامح. كل الساعات التي مضت أزهرت فنا. اهتزاز الأشكال والألوان انسجام لانهائي للعلاقات التي يمكن أن تظهر. الإنسان والفنان سيسردان قصة جميلة ويعبران انطلاقا من المادة التي تدخل الفرح على العيون، ومن مجتمع متوحش يحاول وضع قانون إنساني، حيث سمو الدين لدى الفنان".