قافلة تاريخ بلادي تحط الرحال بجهة الدارالبيضاء

الثلاثاء 11 نونبر 2008 - 10:41

وصلت قافلة "تاريخ بلادي" التي تنظمها جمعية الاحتفال بالذكرى 1200 لتأسيس مدينة فاس، الجمعة الماضي، إلى جهة الدار البيضاء الكبرى، المحطة 15 بعد زيارتها لـ 14 جهة.

منذ انطلاقها من مدينة فاس، هي مكناس ووجدة والحسيمة وطنجة والقنيطرة وسطات وآسفي وبني ملال ومراكش وأكادير والعيون والداخلة وكلميم، لتحل الأسبوع المقبل، بمدينة الرباط، حيث سيجري الاحتفاء بأسبوع التاريخ بمساهمة كافة الجهات يتوج بحفل غنائي كبير.

وترأس حفل افتتاح فعاليات القافلة التي نصبت خيامها بساحة الراشدي في قلب الدارالبيضاء، والي جهة الدار البيضاء الكبرى محمد القباج، والمندوب السامي لجمعية 12 قرنا سعد الكتاني، وعدد من عمال ومسؤولي الجهة.

وحطت "قافلة التاريخ"رحالها في ثلاث خيام، تشبه "الفنادق" القديمة التي كانت تنصب سرادقها على امتداد طرق القوافل القديمة، التي تميزت بها المدن العريقة كفضاءات للمبادلات التجارية والتعارف.

وتحتضن الخيمة الأولى رواق "فضاء بلادي" الذي يهتم بتاريخ وإنجازات المملكة المغربية ويتيح الاطلاع على مختلف واجهات الثراء الثقافي والتاريخي للمغرب، وكذا على مسيرته المتواصلة نحو التنمية، فيما تضم الخيمة الثانية "فضاء جهتي" الذي يبرز تاريخ وخصوصيات الجهة، بعرض تراث المنطقة التي تزورها القافلة على شكل صور وأدوات وتحف تاريخية تميز الجهة، أما الخيمة الثالثة، فتشمل "فضاء تاريخي"، الذي يخصص لاستقبال شهادات الزوار الذين عايشوا صفحات بارزة من تاريخ المغرب.

ويشمل برنامج القافلة، أيضا تنظيم عدة أنشطة ثقافية وفنية تشمل عروضا مسرحية وعرض أفلام وأشرطة وثائقية وإنتاجات سمعية بصرية، وحفلات موسيقية ينشطها على الخصوص فنانو الجهة، فضلا عن فضاءات للترفيه. وتهدف قافلة التاريخ إلى منح كل المغاربة من كل الأعمار، خاصة الشباب والنساء، إحساسا قوي بالانتماء إلى الوطن، كما تهدف إلى تمكين المغاربة من إعادة اكتشاف تاريخهم وحضارتهم، في أجواء احتفالية.
وشكل وصول "قافلة التاريخ"إلى العاصمة الاقتصادية فرصة لاستكشاف ماضي وتاريخ الجهة بأكملها.

وتمثل ذاكرة الدار البيضاء، إرثا ثقافيا وحضاريا غنيا، تفتخر به العاصمة الاقتصادية، ورغم أننا اعتدنا ربط تاريخ الدار البيضاء الكبرى بالعصر الحديث، خاصة بفترة ما بعد الحماية، إلا أن الدار البيضاء مدينة مغرقة في القدم، حيث كانت منذ أزمنة غابرة ميدانا خصبا لحياة إنسانية مبكرة، حيث كشفت الأبحاث الأثرية عن مواقع سكنها الإنسان القديم، ما يجعل الدار البيضاء من أهم المراكز المعروفة عالميا في مجال البحث الأثري.

ومن أهم المواقع الأثرية التي تضمها المدينة، موقع "ليساسفة" ويتراوح تاريخه ما بين
5 و 6 ملايين سنة، وموقع "أهل الغلام" ويعود تاريخه إلى حوالي مليونين وخمسمائة ألف سنة، ووجدت بهذا الموقع بقايا حيوان "الهيباريون"، وهو جد الحصان الحالي، وموقع طوما الذي يقع جنوب غرب الدار البيضاء على بعد حوالي 8 كلم، وترجع أهميته إلى مجموعة من الاكتشافات التي جرت به، حيث عثر على بقايا ما يسمى "بالإنسان القائم"( فك سفلي، عظام الجمجمة وفك علوي)، وأدوات حجرية ترجع إلى الفترة الأشولية وبقايا عظام الحيوانات. وترجع هذه البقايا إلى حوالي 400.000 قبل الآن، وأثبتت أعمال التنقيب بموقع طوما1 عام 1986، إلى أن مجموعة من الأدوات تعود إلى العهد الآشولي القديم وترجع إلى حوالي 700.000 سنة. هذه الأدوات هي إحدى العلامات، الذي تدل على أن استيطان الإنسان بالمغرب يرجع إلى حوالي بداية العهد البليوستوسين الأوسط.

وموقع سيدي عبد الرحمان، ويقع جنوب مدينة الدار البيضاء، وابتدأت الحفريات به منذ سنة 1941، وأدت أعمال استغلال هذا الموقع إلى اكتشاف مجموعة من المغارات مثل مغارة الدببة، ومغارة وحيد القرن، ومغارة الفيل، ورأس شاتوليي.

ويكتسي هذا الموقع شهرة كبيرة، نظرا لبقايا الإنسان التي جرى اكتشافها به سنة 1955، والتي تعود إلى حوالي 200.000 سنة. كما جرى اكتشاف مجموعة من الأدوات الحجرية وبقايا مجموعة من الحيوانات التي تنتمي إلى فصائل متنوعة.

ورغم استيطان الإنسان للمدينة منذ القدم، إلا أن المصادر التاريخية القديمة نسبت المدينة، "أنفا" التي ظهرت في المكان الحالي للدار البيضاء، إلى الرومان، حسب المؤرخ ابن الوزان كما نسبها آخرون إلى الفينيقيين. لكن أغلب المؤرخين يذهبون إلى أن مؤسسيها هم "البرابرة" الزناتيون.

وبقيت "أنفا" خلال حكم المرينيين مدينة صغيرة مفتوحة على التجارة البحرية مع الإسبانيين والبرتغاليين، كما كان سكانها بحارة يمارسون القرصنة ويهاجمون بصفة خاصة السفن البرتغالية. ما أثار حفيظة البرتغاليين، الذين نظموا هجوما على المدينة ودمروها عن آخرها سنة 1486.

وحاول البرتغاليون سنة 1515 بناء قلعة محصنة، لكن هزيمتهم على يد المرينيين جعلتهم يتخلون عن ذلك.

وفي عهد الدولة العلوية إبان حكم السلطان "سيدي محمد بن عبد الله" (1757- 1790) أعيد بناء المدينة "أنفا" ، وأصبحت تحمل اسم " الدار البيضاء".

بعد دخول المغرب مرحلة الحماية الفرنسية، شهدت مدينة الدار البيضاء، التي ظلت إلى حدود بداية القرن العشرين تعرف بمدينة البداوة، مجموعة من التحولات، وعملت الإدارة الفرنسية على إعادة بنائها لتتماشى مع الوضع الجديد، وهكذا بنيت أولى الإدارات بالمنطقة التي كانت تعرف آنذاك بـ"ساحة فرنسا" "ساحة محمد الخامس" وتوسعت الشوارع، وبدأت منذ ذلك التاريخ تظهر معالم مدينة ستصبح فيما بعد عاصمة اقتصادية بامتياز.

وفي 1923 أسست "المدينة الجديدة" وسميت حي "الحبوس" ولم تكن تهدف للفصل بين الأحياء المغربية والأوروبية فقط، ولكنها هدفت أيضاً إلى بناء مدينة حديثة على الطراز المغربي التقليدي، بأبوابه ومساجده وشوارعه الصغيرة. ومع الحرب العالمية الثانية ونزول الحلفاء في الدار البيضاء عام 1942، ازدادت الحركة الاقتصادية في المدينة، وبدأ تراجع المعمار التقليدي بشكل ملحوظ أمام الأنماط الأميركية الحديثة، فارتفعت ناطحات السحاب، وباتت البيوت الفخمة تنافس المنازل التقليدية.

وأصبحت مدينة الدار البيضاء الآن تمثل القلب الاقتصادي النابض لبلادنا من دون منازع، حيث تتركز بالعاصمة الاقتصادية 55 في المائة من الوحدات الصناعية، وتحتضن العديد من المقاولات الوطنية والدولية ومتعددة الجنسيات وحوالي 60 في المائة من اليد العاملة الصناعية، كما تشغل حوالي 40 في المائة من السكان النشيطين، ناهيك عن الدور الاقتصادي والتجاري الذي ينهض به ميناؤها.




تابعونا على فيسبوك