يحتضن مدرج الشريف الإدريسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط, يوم سابع أكتوبر الجاري, أمسية شعرية دولية, تكريما للشاعر العربي الراحل محمود درويش.
وتأتي هذه الاحتفالية, استجابة لنداء المهرجان العالمي للأدب في برلين, الذي وقعه أدباء وكتاب وفنانون, لتنظيم قراءات من شعر محمود درويش في مختلف جهات العالم يوم خامس أكتوبر المجاري, وتعبيرا صادقا عن مكانة الراحل في نفوس قرائه ومحبيه في المغرب, واستحضارا لما يمثله من قيمة شعرية رفيعة في الثقافة العربية والإنسانية.
وستعرف هذه الاحتفالية, التي تؤكد أيضا على العلاقة التي ربطت الراحل بهذه الكلية وحضوره بها سنة2003, قراءات أشعار من نظم الراحل محمود درويش بأصوات متعددة.
يشارك في هذه الأمسية بالإضافة إلى محمد بنيس, وجمال الحكماوي, ورجاء الطالبي, ومحمود عبد الغني (المغرب), كل من فديركو أربوس (إسبانيا), وكلاوس رايشرت (ألمانيا), وليونيل ريي (فرنسا), وألفريد مورن (الولايات المتحدة الأميريكية), وأمجد ناصر (الأردن), ومنصف الوهايبي (تونس), وسيختتم بقراءات بصوت محمود درويش.
كما سيجري تنظيم معرض لأطروحات الباحثين وبحوث الطلبة, عن أعمال محمود درويش في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط, وأعماله المنشورة في المغرب.
تكريم الراحل محمود درويش بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط, هو جزء من اعتراف مغربي بخصوصية هذا الشاعر المبدع, الذي قررت لجنة تحكيم جائزة الأركانة العالمية للشعر التي يمنحها بيت الشعر في المغرب، منح الجائزة في دورتها الثالثة للشاعر العربي الكبير محمود درويش. وسيجري تسليم درع الجائزة لأخ الراحل في 24 أكتوبر الجاري بالرباط.
وجاء في حيثيات تقرير لجنة تحكيم جائزة الأركانة أن :
الشاعر محمود درويش أرسى لتجربته الإبداعية وضعا اعتباريا خاصا، في المشهد الشعري العربي والعالمي، بما جعل منها لحظة مضيئة في تاريخ الشعر الإنساني. في هذه التجربة، خطت قصيدته كونيتها وهي تنصت لقيم الحب والحرية والحق في الحياة، من غير أن تتنكر لدمها الخاص. إنصات اكتسى ملمحه الشخصي من وعي الاستضافة المتفردة التي يهيئها الشعر لهذه القيم، دون أن ينسى جوهره وسره. من نبل هذه الاستضافة ووعورتها، جماليا، رسخ الشاعر محمود درويش، ومايزال، القيم الخالدة، مؤكدا، في منجزه الكتابي وعبره، أن المادة الرئيسة لهذا الترسيخ لغة لا تتنازل عن جماليتها وبهائها واستنباط الجوهري فيها، الذي به ننفتح على الجوهري في الوجود ذاته. وهذا الوعي الجمالي هو ما جعل الحلم والمكان، في شعره، غير منفصل عن إرساء لغة تحتفي بمجهولها وتنشد أسراره.
انطوت تجربة الشاعر محمود درويش على أزمنة ثقافية متباينة. ولم تكن هذه الأزمنة تضمر معرفة عميقة بالشعر وجغرافياته وحسب، وإنما كانت تضمر، أيضا، وعيا حيويا بأن الشعر منذور للتحول والإبدال والتجدد، بما يجعله مشرعا دوما على المستقبل. ذلك ما تشهد عليه الإبدالات الشعرية في تجربة محمود درويش، بندوبها الممتدة لما يقارب نصف قرن.
لم يكف محمود درويش، منذ أن وعى أن الشعر مصيري، عن البحث عن القصيدة في الألم والفرح، في الحياة والموت، في الورد والشوك، في الكلي والجزئي، من غير أن يفرط في شهوة الإيقاع، أي في الماء السري للقصيدة.
وفاء الشاعر محمود درويش للبحث عن الشعر ظل يوازيه حرص على خلخلة الحجب التي تولدت، في مرحلة معينة، عن قراءة اطمأنت للخارج في مقاربة شعره، ناسية الرهان الجمالي الذي ينهض به الداخل. بهذا الوفاء كما بهذا الحرص أَمَّنَ محمود درويش لقصائده أن تنأى، باستمرار، عن نفسها، مستندا في ذلك إلى معرفة بالشعر وإلى قدرة مذهلة على الارتقاء بالقضايا، التي تفاعل معها، إلى أعالي الكلام، تحصينا للشعر. إن هذه الأعالي هي الوجه العميق للمقاومة، التي لا تنفصل في تجربته، عن الجمالي.
إقامة الإنساني، بألمه وحلمه ومفارقاته، في أعالي الكلام، مكنت الشاعر محمود درويش من الكشف عن تجذر اللغة وشموخها في مجابهة الاقتلاع بمختلف وجوهه, الاقتلاع من المكان ومن التاريخ ومن الوجود. مع الشاعر محمود درويش، نستوعب ممكن اللغة الشعرية وخطورتها. ممكن الانغراس في الأرض، ساريا في الصورة والإيقاع والجمالية المنسابة في مفاصل القصيدة. جمالية على عتباتها تتعرى مظاهر التوحش والدمار والقتل التي يتصدى لها شعر محمود درويش بأسراره الخاصة.
محمود درويش من مواليد قرية البروة بفلسطين سنة 1941. صدرت له عدة مجاميع شعرية، من بينها : أوراق الزيتون - والعصافير تموت في الجليل, وأعراس, ومديح الظل العالي, وحصار لمدائح البحر, وورد أقل, وأحد عشرة كوكبا, ولماذا تركت الحصان وحيدا, وسرير الغريبة، وجدارية, ولا تعتذر عما فعلت, وكزهر اللوز أو أبعد.
رئيس سابق لرابطة الكتاب والصحافيين الفلسطينيين, أسس مجلة الكرمل.
حصل محمود درويش على عدة جوائز، من بينها : جائزة لوتس, ودرع الثورة الفلسطينية, وجائزة الأمير كلاوس, وجائزة العويس الثقافية, وجائزة فولدن ريت العالمية, وجائزة الإكليل الذهبي.
وتوفي يوم تاسع غشت الماضي, بالولايات المتحدة بعد إجرائه لعملية جراحية على القلب.