عبد الله حريري:

الإبداع الجيد لا يخضع لإكراهات أو متطلبات العرض والطلب

الثلاثاء 30 شتنبر 2008 - 10:51

تنظم مؤسسة أركان للتنمية والمحافظة على التراث بشراكة مع مجلس مدينة الدارالبيضاء.

تظاهرة ثقافية تتضمن معارض تشكيلية وليالي تنشيطية تحت شعار "لغة العلامات المقدسة"، بفضاء كاتدرائية"القلب المقدس". ويعد هذا الحدث الثقافي والفني فرصة لعدد من الفنانين التشكيليين للاحتفاء بالمقدس في أعمالهم، من خلال الخط والعلامة والرمز، كما يمثل الملتقى فضاء للحوار بين مختلف الحساسيات الفنية والاتجاهات التشكيلية، نذكر تمثيلا لا حصرا، خالد أشعري، ومليكة أكزناي، ونورالدين عليوة، وخالد بيي، وعبد الرحمن بنانة، وعبد الله حريري، وعيسى يكن، وريم اللعبي، ووفاء مزوار، وعبد الله الملاخ، ومحمد زوزاف، ومحمد نبيلي، وعبد الرحمن رحول، وعبد الرحمن وردان، وعزيز سيد، وسعيد راجي.

ويختتم هذا الحدث الفني بتكريم الفنان التشكيلي، ومنسق هذه التظاهرة الرمضانية، عبد الله حريري، الذي يتطلع إلى أن يكون الفن عموما والتشكيل خصوصا، أحد الروافد الأساسية والمهمة في المشهد الثقافي والفني المغربي من خلال ترؤسه لمؤسسة "لاما"الفنية.

ويرى الفنان التشكيلي عبد الله حريري منسق ومندوب معرض الفنون التشكيلية، الذي يحمل عنوان "لغة العلامات المقدسة"، أن البادرة التي اتخذتها مؤسسة "أركان"، تتوخى النهوض بالفن الحديث المغربي، عبر تنظيم مجموعة من المعارض تسائل بالدرجة الأولى العلامة والرمز، والمادة، والجسد، وموازاة مع ذلك، فإن برنامج المؤسسة السالفة الذكر، غني ومتنوع، إذ يضم ليالي تشكيلية ولقاءات ثقافية، تنشطها مجموعة من الشخصيات من عالم الأدب، والعلوم الإنسانية، والفنون الجميلة.

ويضيف عبد الله حريري في حديث إلى "المغربية"، أن المعرض الذي ينظم حاليا، ويستمر إلى حدود 10 أكتوبر، يحتفي بلغة العلامات المقدسة، بفضل الأجواء الروحانية التي تطبع ليالي رمضان، وهي أجواء مثالية في التواصل الروحاني، وعميقة من حيث دلالاتها الرمزية، إذ يعرض، إلى جانب فنانين معروفين، فنانون تشكيليون موهوبون، لأنهم، حسب عبد الله حريري، يمثلون المستقبل، والاستمرارية بحملهم المشعل. وقال حريري إن الفن بكل تفرعاته يتجاوز الحدود ونحاول أن نحجب ونلغي هذه الحدود بين الأعمال التشكيلية، بهدف إبداع جماعي يستجيب لأكبر هامش من الحرية، والبحث، والاستقصاء، هدفنا الكبير من جمع هؤلاء الفنانين بمختلف حساسياتهم واتجاهاتهم التشكيلية، في مكان واحد هو إبراز ذلك التلاحم، وخلق منافذ للحوار والتواصل بين مبدعينا على اختلاف مشاربهم، ومدارسهم الفنية، ويبقى الرهان هو التعريف بهذه الأعمال، التي اجتهد فيها الفنانون التشكيليون من خلال الاحتفاء بالعلامات والرموز المقدسة، كاتجاه تعبيري له دلالاته وتأملاته، فالعلامات في روافدها المختلفة، تدفعنا إلى اكتشاف معنى الأشياء والكائنات بطريقة دلالية.

وبخصوص القيمة المضافة من خلال الكشف عن المقدس في الفن، يقول عبد الله حريري إن كل فنان يتحاور مع المقدس بطريقته الخاصة، معتمدا على العلامة للتعبير عن الحالات الروحانية، وحقيقتها المادية والروحية، وتعد العلامات من بين أولى المواضيع المفضلة لدى فناني ما قبل التاريخ الذين خلفوا آثارا منقوشة، تدل على ثقافتهم وأفكارهم، على الكهوف، ويمكن القول إنها تمثلات لثقافة ومجتمع معينين، من هنا فالعلامات لغة بعناصر متنوعة ومختلفة على مستوى التأويل، نجدها في الفن البدائي، انطلاقا من الرسوم الجدارية، كما نجدها في الفن القديم، وفن النحت الفرعوني المصري، الذي طور الكتابة الهيروغليفية التي تضم سمات وعلامات ورموز مختلفة لها قيمة رمزية تمثل، الأشياء والأفكار المراد إشاعتها، بيد أن السومريين اكتشفوا بدورهم كتابة تعتمد بدورها على الرمز أساسا، وسموها الكتابة "السومرية"، وفي الحضارة العربية الإسلامية ظهر الخط كفن قائم الذات، وتتجلى عظمته في قدسيته.

من جانب آخر فقد وظف الفنانون المعاصرون لغة العلامة للتعبير التشكيلي لتمثل نظراتهم للمقدس بكل تمظهراته وتجلياته وتأثيراته، ويبقى هامش الفن والجمال، الهدف الذي يرسخ القيم الروحية في سلوك الفرد والجماعة على حد سواء.

وأبرز الفنان التشكيلي عبد الله حريري أن الفنانين التشكيليين في مسارهم الإبداعي، أغنوا الساحة الوطنية، وأعمالهم الموسومة بالجدة تجاوزت الحدود، انطلاقا من المثابرة والمواظبة، ونكران الذات، معتمدين على وسائلهم البسيطة، وقدراتهم الشخصية،
ويمكن في هذا الصدد التذكير بأن الفنون التشكيلية شهدت قفزة نوعية مقارنة مع مختلف الفنون التشكيلية الأخرى.

ويجد ذلك تفسيره في العدد الكبير من الأروقة وإشعاع الأنشطة الثقافية، التي تبقى إحدى العلامات البارزة في هذا القطاع، الذي يظل المسلك الطبيعي للعملية التواصلية، لتأسيس القيم الحقيقية التي تتجلى في مسلسل التطور البشري، كما في الحياة العامة، والمعيش اليومي.

و لتأكيد هذا الدور الفاعل، استشهد حريري، بمدرسة الفنون الجميلة في كل من تطوان، والدارالبيضاء اللتين تمتدان إلى الفترة الاستعمارية، بيد أن المدرستين شكلتا رافدا أساسيا لمجموعة من الفنانين حصلوا على جوائز تقديرية، أبعدتهم عن شبح العطالة والتمييز. كما دعا حريري إلى التفكير في تجهيز المدن الأخرى حتى تستجيب لفضيلة المواطنة في إطار التنمية البشرية، من خلال إنشاء متاحف عبر مختلف المدن المغربية للحفاظ على تراثنا الرمزي والمادي، والاهتمام بالذاكرة الجماعية.

وبعيدا عن المضاربات التجارية المركنتيلية، التي تشهدها بعض الأروقة وصالات العروض، يضيف عبد الله حريري، فإن هذه المتاحف الجهوية ستلعب دورا حيويا، وستكون بمثابة فضاء ذي امتيازات في التواصل الفني والثقافي، ومكان الالتقاء لتبادل وجهات النظر والمعارف في ما يتعلق بالفنون على مستوى عال.

وفي السياق ذاته، أشار حريري، يجب تنشيط وإحياء مآوى الشباب، التي أدت دورا أساسيا في تنشئة الشباب، باعتبارها فضاء يفتح المستقبل أمام الأجيال، فضلا عن أنها أداة للتوجيه والتأطير والتربية على الحياة، لأنها أروقة وفضاءات متعددة الاختصاصات، من دون أن ننسى أن هذه الفضاءات كانت ملاذا للعديد من الفنانين لتلقين الفنون التشكيلية.
وخلص عبد الله حريري، إلى إبراز المعالم المغربية التي شبهها بفسيفساء من مختلف الأساليب والاتجاهات التشكيلية، كما دعا إلى إحياء بطاقة الفنان المهنية والاهتمام أكثر بوضعه التشريعي، والتفكير في ضمانات الشيخوخة، لأن الفنان لا يتقاعد، وأبرز أن المغرب شهد خطوة إيجابية في التنمية البشرية، ولكن مازال الفنان يتطلع إلى مكانته الحقيقية، وقيمته الفنية المؤكدة، والأمر، حسب حريري، مطروح على الحكومة الجديدة، انطلاقا من سياسة القرب، وتقوية النسيج الفني.




تابعونا على فيسبوك