بناء التأويل والتجريب في النقد المغربي

الخميس 22 ماي 2008 - 09:59

استمرارا لأنشطتهما الثقافية والنقدية بكلية الآداب ابن مسيك بالدارالبيضاء، نظم ماستر الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب, بإشراف مختبر السرديات, حلقة نقدية تحت عنوان ״ بناء التأويل والتجريب في النقد المغربي״ إذ جرت قراءة ثلاثة نصوص نقدية مغربية

وأحمد فرشوخ، ومحمد أمنصور, بمشاركة عدد من الباحثين والباحثات.

ترأس هذا اللقاء الباحث إبراهيم أزوغ, الذي أكد أن هذه الحلقة تأتي استمرارا للحلقات السابقة التي نظمها الماستر والمختبر, الهادفة إلى مقاربة الخطاب النقدي المغربي في مختلف تجلياته، قبل أن يقدم الكلمة للباحثة عزيزة أيت باها، التي قدمت مداخلة تحت عنوان ״تأويل سؤال الذات والهوية في الكتابة النسائية ״ من خلال كتاب الناقد محمد معتصم ״بناء الحكاية والشخصية في الخطاب النسائي العربي״, مبرزة أن الخطاب الروائي أصبح أكثر الخطابات حيوية وخصوبة كونه يجد أمامه الفرص العديدة للابتكار والإضافة وتحديد الرؤية الخاصة إلى الذات والهوية، ويتضح ذلك بالخصوص, عندما لا يتوقف القارئ أو الناقد لهذا الخطاب عند حدود التفسير المتوقع للنص, بل يتجاوزه إلى حريات التأويل وجمالياته.

انطلق الناقد، حسب ما أكدته الباحثة، من ثلاثة أعمال روائية هي״صورة وأيقونة وعهد قديم״ للروائية الفلسطينية سحر خليفة، ״حجر على حجر״ للروائية الكويتية فوزية شويش سالم، ثم ״بنت الخان״ ״وما بعد الحب״ للروائية العراقية هدية حسين، وذلك باعتبارهن "تلتقين في بناء الحكاية والشخصيات وكذا السؤال الوجودي المرتبط بخصوصية الذات والهوية, سواء العربيتين والتلازم القائم بينهما، والروح السارية في مكونات العمل الأدبي لهؤلاء الروائيات.

واعتمد الناقد في تأويله لهذه الأعمال وخاصة للسؤال الوجودي المرتبط بالكتابة النسائية، من فرش نظري, محددا مفهوم الكتابة النسائية والفرق بينها ومفهوم الكتابة النسوية، كما أبرز التقارب الحاصل بين مفهوم الحكاية ومفهوم الحياكة, بالنظر إلى اعتماد كليهما البناء والتفكيك، ليخلص في الأخير إلى أن السرد, هو أبرز ما يشكل الذات والهوية النسائية, وأن البناء قنطرة العبور للخطاب الروائي النسائي اللاواعي، الأمر الذي جعله يلاحظ بروز ميزات ذات قيم معرفية وفنية خاصة.

أعقبت هذه القراءة, مداخلة ثانية قدمتها الباحثة موني تيموياس عنونتها بـ ״تأويل الرواية بين جمود المنهج وحلم الانفتاح״ قراءة في كتاب ״تأويل النص الروائي׃ السرد بين الثقافة والنسق״ للناقد أحمد فرشوخ, إذ أكدت الباحثة أن الناقد ينطلق في مقاربته وتأويله للنصوص الأدبية- الروائية من واقع التجربة نفسه.

انتقلت بعد ذلك الباحثة إلى إبراز الأثر, الذي خلفه ثراء هذه النصوص على الناقد, وكيف اضطره لطرح سؤال البداية في ظل مناخ يتسم بتعدد المناهج وجمود النظرية، مثلما أبرزت كيف أن رفض الناقد لما أسماه ״المناهج الاختزالية الإسقاطية״، قاده لاقتراح مقاربة نقدية مزدوجة ״تهتم بالنص من جهة بنيته وكيانه الفني، من دون إغفال تموقعه الثقافي , فقسم بذلك كتابه إلى شقين׃ اهتم في الشق الأول بالجانب النظري, طرح فيه عددا من المفاهيم والتصورات المرتبطة بالموضوع الجمالي وعمل على مناقشتها. وقام في الشق الثاني بتطبيق مفاهيمه على ثلاث روايات لبهاء طاهر هي (شرق النخيل، قالت ضحى، خالتي صفية والدير) منتهيا في نهاية تحليله إلى نموذج تأويلي جديد.

لقد كان الناقد أحمد فرشوخ، في رأي الباحثة، على وعي بالجمود النظري, الذي يعيشه النقد في العالم العربي، ما حذا به إلى اقتراح مقاربته النقدية المزدوجة، مقاربة ظلت محدودة في نظرها لاعتبارات عدة، لتخلص في الأخير إلى أن الناقد انتهى إلى التأويل التفاعلي باعتباره يؤمن بالعلاقة التفاعلية بين القارئ والنص. إن فرشوخ في رأي الباحثة يعتبر النص كيانا حسيا مؤثثا بالفراغات والفجوات، محكوما بالصمت والكبت. من هنا, تأتي الحاجة إلى هذا النوع من التأويل الذي يصغي إلى النص ويخرجه من سكونه ويحرره من أسره. تأويل سيلتزم بتطبيقه على امتداد تحليله لروايات بهاء طاهر الثلاث, ما جعل من هذا الكتاب في رأي الباحثة غنيا بالأفكار وجديرا بالدراسة.

وتحت عنوان "نجيب محفوظ بين الواقعية والتجريب" قدمت الباحثة حنان النبلي مداخلة ثالثة وأخيرة في هذا اللقاء, الذي حضره عدد من الباحثين والنقاد والمبدعين، وهي مقاربة مؤلف " التجريب الروائي عند نجيب محفوظ " لمحمد أمنصور، إذ أبرزت كيف انطلق الناقد من ثلاثة نصوص روائية لنجيب محفوظ׃ "أولاد حارتنا"،"رحلة ابن فطومة" و"ألف ليلة وليلة", نموذجا للدراسة والتحليل, مستعينا بدراسات نقدية مهمة في محاولة منه لإعادة رسم صورة وافية عن التجربة الروائية لهذا الكاتب.

وحرص الناقد على ذلك بروح نقدية مشبعة بالفكر الجمالي, فأفضت مقاربته إلى القول إن إنتاج محفوظ الروائي لم يكن منحصرا في اختيار جمالي بعينه، إنما شهد تحولات كثيرة, شكل التجريب أهمها. من هذا المنطلق, عمل الناقد إلى وضع مفهوم الواقعية، أو ما يطلق عليه التمثيل الروائي القائم على أساس مبدأ المحتمل موضع مساءلة، وهو الأمر الذي مكن الناقد حسب الباحثة من إعادة تصحيح الصورة الأدبية السائدة عن نجيب محفوظ لدى النقاد والأدباء (أي كونه روائيا تقليديا), وهكذا تخلص في نهاية عرضها إلى أن الكتاب هو دراسة تقف على مغامرة تجديد الشكل الروائي عند نجيب محفوظ، والكيفية التي أنجز بها تحولا في الشكل الروائي الواقعي.

وانطلاقا من تحليل النصوص سابقة الذكر، فالكتاب في رأي الباحثة أكد تمثل الرواية العربية لقيم الفن الحديث (روح الرواية /السخرية/اللعب/اللذة الفردانية/حكمة اللايقين).
إن التجريب، في قراءة الباحثة، استراتيجيه فنية تسعى إلى تقويض النمط والنموذج، وهو لا يعني الخروج عن المألوف بطريقة اعتباطية على حد تعبير محمد برادة, ولا هو اقتباس وصفات وأشكال جربها آخرون في سياق مغاير, إن التجريب يقتضي الوعي بالتجريب، أي توفر الكاتب على أسئلته الخاصة التي يسعى إلى صياغتها صوغا فنيا يستجيب لسياقه الثقافي ورؤيته للعالم.

هذا الوعي هو الذي يضمن للكاتب أن يتعامل تعاملا خلاقا مع الإنتاجات الإبداعية سواء انتمت إلى التراث أو إلى الذخيرة العالمية الحديثة. ومن ثمة فإن محاورة النصوص الأخرى والتفاعل معها, بل والاستفادة من منجزاتها الفنية تصبح مخصبة ومولدة لأفكار جديدة وصوغ ر ؤى مغايرة. واختتم اللقاء بمناقشات الحاضرين, طلبة وأساتذة ومهتمين، مثيرين أسئلة وقضايا عدة تهم واقع النقد ونقد النقد والتجريب، والتأويل، والكتابة النسائية وقضايا أخرى.

* باحث مهتم




تابعونا على فيسبوك