كما كان متوقعا عاشت ثانوية عبد العزيز الفشتالي الخميس 28 فبراير 2008 على إيقاع حدث استثنائي، كسر إلى حين روتينية التحصيل الدراسي، فلقد استقبلت الأطر الإدارية والتربوية والطلبة الشاعرة المغربية فاطمة الزهراء بنيس.
وتبدت علامات نجاح اللقاء منذ بداية الحفل، فالاستقبال الحماسي الذي خصصه التلاميذ للشاعرة وباقات الورود التي أهديت لها كانت كافية لتجعل المرء يطمئن إلى أن حال الأدب لا زال بخير في بلادنا، وأن تلامذتنا - رغم ما يشاع عنهم - لازالوا يكنون تقديرا خاصا للأدب والأدباء.
افتتح اللقاء الذي حضره مراسل (العرب اون لاين)، بكلمة الصالون الأدبي، التي ألقاها مصطفى لغتيري، حاول من خلالها إعطاء نبذة مختصرة عن الصالون الأدبي وأنشطته المختلفة، خاصة في ما يتعلق بتنظيم الندوات والمهرجانات والاحتفاء بالإبداع والمبدعين أو فيما يخص مجال النشر، الذي اقتحمه الصالون بجرأة وثبات ـ فكانت الحصيلة كتابين إلى حد الآن والبقية تأتي، ليصل بعد ذلك إلى صالون الطفل، هذا المولود الجديد،الذي يشرف عليه بنجاح القاص أحمد شكر، والذي أبان- خلال عمره القصير- عن حركية لافتة، من خلال استقباله لأدباء وأديبات من داخل المغرب ومن خارجه، ليخلُص لغتيري إلى أن اللقاء مع الشاعرة فاطمة الزهراء بنيس يدخل ضمن هذه الحركية، محاولا فى نفس الوقت تقديم نبذة عن الشاعرة القادمة من مدينة الحمامة البيضاء، متأبطة أريج الأندلس وشذى البحر الأبيض المتوسط، مركزا على أن الشاعرة نشرت قصائدها في منابر وطنية وعربية ابتداء من بداية التسعينات، وصدر لها ديوانان شعريان "لوعة الهروب" سنة 2004 و"بين ذراعي قمر" سنة 2008 من مصر.
وهى عضو اتحاد كتاب المغرب وعضو اتحاد كتاب الأنترنت، وعضو حركة شعراء العالم بالشيلي، كما ترجمت قصائدها إلى لغات مختلفة منها اللغة الفرنسية والاسبانية والإنجليزية.
بعد ذلك مباشرة قدّم مدير المؤسسة بكلمة ترحيبية الشاعرة وصالون الطفل، راجيا من المشرفين على الصالون أن يصبح هذا اللقاء تقليدا شهريا، يحيى في نفوس الناشئة الرغبة العميقة والجادة في القراءة والتصالح مع الأدب.
بعد ذلك تدخل الناقد عبد الرحمن مولى بمداخلة نقدية عنونها بـ"لوعة الهروب ثورة شاعرة على واقع مقيت وهروب إلى القصيد".
وركز في مداخلته على أن الكتابة عند الشاعرة فاطمة الزهراء بنيس رحلة شاقة محفوفة بالأفكار والأحاسيس الجريئة التي تصارع - بلا هوادة- من أجل أن تهزم منطق الليل بجبروت القصيدة، ملاحظا أن الديوان تسكنه ثورة الأنثى، وأنه بالإضافة إلى تيماته اللافتة المتمثلة في التمرد على الأعراف الجامدة، والانتصار للقيم المحتفية بالأنثى كذات مستقلة، فإن الديوان مرصع بجميل القول، ومفعم بالصور الشعرية العميقة المولدة لتعدد الدلالة ورحابتها.
تناولت الكلمة بعد ذلك الأستاذة أمينة الحسيني، بمداخلة عميقة وجميلة، لعب فيها التأويل دورا محوريا فالديوان - حسب الناقدة- يفتح بابا للحرية، هذه الحرية التي تمنح للقصائد نكهة النار، وهى بالتالي تمرد معلن عن السائد من القيم، مستدلة بقول الشاعرة "ما أكتب إلا لأخترق جدار الصمت"، كما لاحظت أن الحرف في القصائد نصل يخترق جدار العرف، وبالتالي فالشعر عند - فاطمة الزهراء بنيس- يرتق الانكسار، وهو يمثل نقاء التمرد على العرف البليد، كما لاحظت أن الكتابة عند الشاعرة مرتبطة باللذة والمحال والمجهول، وأن شعرها يعطي الانطباع بميوله نحو الخلاص الفرداني المغلق حد الألم، وأن الشاعرة من خلال قصائد الديوان تعيد - بألق- تمثل أنوثتها.
أما قراءة مصطفى لغتيري للديوان فركزت على أبعاد محددة، أثارت انتباهه، وهو يطلع على القصائد، أجملها في البعد الذاتي الجواني للشاعرة وتماهيه مع العمق الصوفي، خاصة فيما يتعلق بالذوبان والحلول واندماج كينونة الذات في كينونة الوجود، ثم البعد الوطني من خلال الحديث عن هموم الوطن بشكل فجائعي كعادة شعرائنا عندما يحضر الوطن في قصائدهم، ثم البعد القومي ممثلا في الديوان بحضور فلسطين والأندلس في القصائد، وأخيرا البعد الإنساني يعبر عنه تمرد الأنثى وتمسكها بحقها الإنساني في كينونة مكتملة لا يمكن للأعراف أو غيرها أن تنتقص منه شيئا.
بعد جولة النقد الناجحة، فتح المجال لسيد القول كي يتسيد، فانبرت الشاعرة تلقى قصائدها بكثير من الألق، ساعدها في ذلك توظيفها الجيد لملكة الإلقاء التي تميزها.. ابتدأت الشاعرة بقصيدتها "امرأة من خيال" أتبعتها بعدة قصائد من ديوانها "لوعة الهروب"، نذكر منها "تمزقات بصيص شارد" و"انشطار" وغيرها، وقد أضفت على اللقاء نكهة خاصة مصاحبة الشاعر والمترجم حسن الغافل لقراءات الشاعرة بترجمة للنصوص إلى اللغة الفرنسية، فتحققت المتعة في أبهى صورها.
بعد أن استمتع الحضور بهذا الجو المفعم بالأحاسيس والكلمة الراقية الجميلة، فتح باب النقاش فطرح التلاميذ ما يشغل بالهم من أسئلة كان أهمها لم الهرب؟ وممن؟، ولماذا الكتابة والشعر تحديدا؟ وما الدافع إلى التورط في هذه اللعنة الجميلة "الكتابة" وأمور أخرى تتعلق بحياة الشاعرة وطقوسها في الكتابة وبداياتها المبكرة في الشعر وما إلى ذلك، هذه الأسئلة فتحت المجال للشاعرة كي تكشف للحضور عن أبعاد أخرى في شخصيتها، فأجابت بأريحية وصدق يصل حد الجرأة على الأسئلة المطروحة..
اختتم اللقاء بالتقاط صور للذكرى وحفل نظمته المؤسسة على شرف الشاعرة، وحضره الأساتذة والمدعوون، واختتم بارتسامات حول نجاح اللقاء وضرورة تكرار مثل هذه الأنشطة، التي لا يمكن لأحد نكران فائدتها للمدرسة والأدب على حدّ السواء.