افتتح "منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين" أنشطته الفكرية لهذا العام عبر المداخلة التي ألقاها أحد أعضاء المنتدى، الدكتور محمد الولي في موضوع "الهوية المغربية"، صباح يوم السبت 16 فبراير المنصرم، بمقر المنتدى بالرباط.
تكفل حسان الباهي بتقديم المحاضر، متوقفا، وهو رجل المنطق وطرح الاشكاليات، عند طرح أربعة تفرعات لسؤال الهوية اليوم، موجزا إياها في أربعة أبعاد تحديدا: نا أولا البعد الفلسفي، (هل هناك هوية واحدة أو هويات متعددة؟)، ثم البعد القانوني (هل نحن إزاء هوية فردية أو مؤسساتية؟)، والبعد الأخلاقي (حيث جدلية الأخلاق والعقل التي تطرح على مفهوم الهوية إزاء العديد من تحديات الساحة، مستشهدا بالموقف من التطبيع مع إسرائيل)، وأخيرا، البعد الاجتماعي (الحسم بين البعد الفردي والبعد الاجتماعي).
وبداية، أشار محمد الولي إلى أن مفهوم الهوية من المفاهيم التي ينبغي استعمالها بحذر بالغ، باعتباره مرتبطا بالاختيارات الإنسانية ولأنه لا يحيل على شيء مادي قابل للملاحظة، ولذلك ارتأى أن يحصر الهوية بمعناها الثقافي، ولأن الثقافة تبقى علامة أساسية لتمييز الإنسان عن الحيوان، فإن أساس الثقافة وقلبها هو اللغة. ولهذا يمكن القول إن هناك من الثقافات بقدر ما هناك من اللغات، حتى أن موضوع اللغة، وواقعها في الساحة المغربية ـ نموذجا ـ كان الحدث الأبرز في النقاشات التي تلت المحاضرة، وفي ثنايا المحاضرة طبعا.
حينما نتحدث عن الهوية المغربية، يضيف محمد الولي، فإننا نتحدث عن شقين: الأول هو الهوية ككيان ثقافي، والثاني هو المغرب ككيان جغرافي سياسي. بطبيعة الحال الهوية الثقافية هي دوما هوية تعيش في سياق جغرافي وتاريخي. وهذا الفضاء قد يحتضن لغاتٍ متعددة. وبالتالي ثقافات متعددة وربما هويات متعددة أو بالأحرى ثقافة تعددية. والواقع أن الأحادية الثقافية تمثل حالات استثنائية في العالم، ثم إن أغلب البلدان متنافرة ثقافيا، كما تؤكد على ذلك مجموعة من الإحصاءات منها أن مائة وتسعة وثمانين دولة مستقلة في العالم تحتضن أكثر من ست مائة مجموعة لغوية وخمس مائة مجموعة عرقية، وواضح أن من يسعى إلى تجاهل هذه التعددية اللغوية، إنما يسعى إلى فرض النظام الشمولي، وقد استشهد في الصدد بالنموذج الإسرائيلي، حيث استماتة الحكومات المتعاقبة على فرض هذا النظام الشمولي باعتبار الدين هو وحده أساس الهوية.
إن الهوية المغربية كما يتصورها المحاضر هي هوية تعددية. إذ هناك العربية من جهة والأمازيغية، من الجهة أخرى، قبل أن يطرق باب العديد من الإشكالات التي نمر منها اليوم، منها أن ما نلاحظه اليوم في الخطاب الهوياتي في المغرب هو على وجه العموم خطاب إقصائي في كثير من مفاصله، وكأن العربية والأمازيغية لا يمكن أن تعيشا إلا بالاقتتال. والحال أن هذه المقاربة تؤذي اللغتين معا. وإذا كانت الأسوار عاجزة عن حماية الدول، فإنها آثارها على اللغات كارثية، وإذا كان الضرر الذي لحق الأمازيغية لا غبار عليه، فمن المحرمات رفع الضرر باقتراف آخر، ومن المحرم إنصاف الأمازيغية عبر الطعن في العربية.
امتدت صراحة المحاضر إلى اتهام الحركة الأمازيغية بالانحراف نحو اعتناق خاص للهوية، متوقفا عند دلالات التلويح بعلم خاص ثلاثي الألوان، حاملا لحرف تيفيناغ "الزاي" والترويج لنشيد قومي، كما أعلن عن ذلك خلال مؤتمر الكونغرس العالمي الأمازيغي بجزر الكاناري سنة 1998. والحال، أن هذه الرمزين يمكن أن يجعل المرء يتساءل، إلى أين نحن سائرون؟ ومن نحن؟ وما هي هويتنا؟
ولحسن الحظ، حسب المحاضر، أن هناك من المثقفين الأمازيغيين الموسومين بالتعفف من يسيرون ضد هذا التيار الجارف، ويذكر منهم على وجه الخصوص عبد الله بونفور، والذي يعتبر أن المطلب الهوياتي، رغم عدالته، يمكن أن يكون قاتلا، تأسيسا على مبدإ عام لا ينبغي نسيانه أبدا: إن أية قضية عادلة يمكن أن تستخدم لأغراض منفرة، بمعنى أدق، يمكن تلطيخ عدالة مطلب هوياتي عبر اصطناع عدو هو العربية. وكأن العربية هي التي همشت الأمازيغية، والحقيقة غير ذلك، إذ العربية نفسها ضحية.
ولأن عنوان المحاضرة ارتحل مع ملف اللغة، فقد كان منتظرا العروج على مطب الترويج للعامية خلال السنين الأخير في العديد من المنابر الإعلامية، وقد مهد المحاضر لهذا المطب بنقد زعم بعض المناضلين الأمازيغيين، ومفاده أن العربية الفصيحة لا يتحدث بها أي أحد، مما يفترض أن العامية هي اللغة التي تستحق الحياة، تماما كما أن الأمازيغية هي التي تستحق بسبب تداولها اليومي الحياة، وكل هذه مواقف صادرة عن عوام لا خبراء. فاللغات المكتوبة كلها لا علاقة لها بالتداول اليومي، إضافة إلى أن رفع العامية إلى مستوى التداول العلمي والتقني والتواصلي والأدبي يعني فصم العرى والأواصر مع تراث إنساني ضخم هو تراث اللغة العربية ويعني التضحية بهذه الأرصدة الهامة وقطع صلات التواصل مع كل العالم العربي ثم الاختلاء للعيش في ميكروـ جيتو توفره العامية.
وبعد ذلك، انتقل المحاضر إلى الحديث عن اللغة من وجهة نظر الوظائف التواصلية أو الفعالية العلمية والرصيد المعرفي والانتشار العالمي، حيث تغدو الأمور مختلفة، مستخلصا أنه لا ينبغي مقارنة العربية بالأمازيغية. فالعربية كلغة مكتوبة عمر ما يربو عن خمسة عشر قرنا، وخلال هذا العمر المديد راكمت رصيدا من أعظم الأرصدة الإنسانية في العلم والفلسفة والشعر. وبَدَيهِي أن هذه الملامح الهوياتية والعلمية والجمالية هي التي تجعل من العربية واحدة من اللغات القليلة التي تتمتع بهذا التجذر التاريخي وهذا الإشعاع العالمي.
وبالنسبة للأمازيغية، فإنها تدشن اليوم ولادتها الثانية عبر تحولها إلى لغة كتابية، كما أنها تتأهب لكي تنخرط في نادي اللغات الكتابية، وهي الكتابة هي التي ترشحها لكي تسجل وتوفر في حساباتها بعض الممتلكات المعرفية.
كما خَلُص المحاضر إلى ضرورة التعامل باللغات الوطنية مقاربة الزيادة لا الحذف، مشيرا إلى أن المطلوب ليس حذف هذه اللغة أو تلك، وإنما الاستزادة اللغوية وتعهد المكتسبات ومحاولة تحويل السلبيات إلى عوامل تقدم وإغناء للهوية والمعرفة، واعتبار كل العناصر الموجودة داخل التراب الوطني عناصر هوياتية.
وأخيرا، كان لازما التوقف أيضا عند اللغات غير الوطنية، ونتحدث بالطبع عن الفرنسية والإسبانية، مؤكدا أولا على أن الفرنسية هي تركة استعمارية، كما أنها يمكن أن تفتح في المغرب كل الأبواب التي لا تفتحها العربية، دون أن يحول هذا التقييم للتأكيد على أن هذه اللغة مفيدة من الناحية العلمية والتقنية لا الهوياتية، على اعتبار أن الإمكانيات التي توفرها في ما يعود إلى الانفتاح عن العلوم الوافدة وفي التواصل مع العالم الفرانكوفوني تبقى من الأمور التي لا ينبغي التقليل من أهميتها.
بالنسبة للموقف من اللغة الإسبانية، فقد توقف المحاضر عند تبعات إقدام المغرب بُعَيْد الاستقلال على تطهير التعليم من اللغة الإسبانية في الشمال وتعويضها باللغة الفرنسية، وكانت أبرز نتائجه، التأسيس لما يُشبه إعاقة لغوية إضافية لسكان شمال المغرب، حيث تعمد المسؤولون تعطيل طاقات أبناء المنطقة عبر إرغامهم على التحدث بالفرنسية، كما أغلقت الدولة المغربية نوافذ عبر تفويت مخجل لمجال اللغة الإسبانية إلى الفرنسية، وجعلت بهذا الصنيع التواصل مع كل القارة الأميركية باستثناء الولايات المتحدة وكندا مستحيلا. وإذا أضفنا إلى هذا أن مراكز القرار هي بأيدي المفرنسين فقط أدركنا خسارة أهل الشمال التي هي خسارة للدولة المغربية، وبالطبع، يندرج هذا المأزق بشكل عام ضمن خانة سوء تدبير الملفات اللغوية في المغرب.
واختتم محمد الولي محاضرته القيمة بسرد مجموعة من الخلاصات، لعل أهمها، الدعوة إلى تأهيل اللغة العربية، كي تقوم بدورها الكامل باعتبارها لغة هوية وعلوم وتواصل إلخ، وينطبق نفس الأمر على اللغة الأمازيغية، باعتبارها لغة هوية، مشددا على عدم الاقتصار على هاتين اللغتين الهويتين، لأنه من ضرورات التواصل مع العالم المعاصر وضرورات الكسب العلمي يقتضيان الانفتاح على لغات أخرى وبالخصوص تلك التي تجاورنا.
كما اعتبر المحاضر أن الفرنسية والإسبانية ليستا لغَتَيْ هوية، ولكنهما لغتا معرفة وتواصل مع الخارج، وأنه مهما كانت هذه اللغات الأجنبية، لا يمكنها أن ترتقي إلى مستوى اللغة الهوياتية، مادامت فعاليتها التقنية والعلمية والتواصلية شيئا، وجدارتها الهوياتية شيء آخر، وكما أن الفرنسية لغة هوية بالنسبة للفرنسيين، تماما كما أن العربية والأمازيغية لغة هوية المغاربة، فإنه لا يمكن للفرنسية أن تكون لغة هوية المغاربة، تماما كما لا يمكن أن تكون العربية لغة هوية الفرنسيين. وأخيرا، إن الفرنسية أو الإسبانية ليستا دوما أداة قهر الشعوب بل يمكن أن تكون أداة انعتاقها وتحررها.