رسم الكاتب الروائي المغربي، بنسالم حميش، ملامح شخصية روائية ممكنة للطبيب والفيلسوف وعالم الرياضيات والفلك العربي ابن رشد ( القرن6 هجرية) في ما يمكن اعتباره مشروعا جديدا لكتابة رواية تاريخية على غرار روايتيه السابقتين.
" العلامة " التي استنطق فيها المفكر العربي ابن خلدون والتي فاز عنها بجائزة نجيب محفوظ للأدب الروائي لعام2002 ورواية " مجنون الحكم " التي تناول فيها سيرة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله.
وقال بنسالم حميش في مداخلة له في إحدى جلسات ملتقى القاهرة الرابع للإبداع الروائي الذي اختتمت أشغاله أخيرا, إن مصدر تساؤله " ابن رشد هل يمكن أن يكون شخصية روائية ؟" هو كون حالته "حالة مستعصية".
وأوضح أن بن رشد خلافا لبعض الأعلام المعروفة كأسامة إبن منقذ والغزالي وإبن سينا, لم يخلف شيئا أو نصا يمكن أن يندرج في إطار سيرة ذاتية من شأنها أن تعمق من فهمه كمفكر وكإنسان, إلا بعض النتفات التي تتضمنها المصنفات التاريخية التي يمكن أن تعطي إذا جرى تجميعها فكرة تقريبية عن شخصيته.
وقال إن الاشتغال على شخصية ابن رشد تعتبر أمرا صعبا لنذرة المادة ولأنه كان ذا مواقف صارمة في ما يخص بعض القضايا, كالشعر الذي يعتبره أن معظمه " في الكريه والإيباحي والمجوني "بالنسبة للشعر العربي, علما أنه كان يستشهد في بعض كتاباته بما يدرجه في " الشعر العفيفي" وخاصة شعر الطيب المتنبي.
ولذلك - يقول بنسالم حميش - فإن تذوق ابن رشد الذي كان قاضيا مالكيا للشعر أمر يجب الوقوف عنده .
وأضاف أن ما يثير الاهتمام كذلك في شخصية ابن رشد معارضته المبدئية للخيال وكرهه من ضمن الآلات الموسيقية, للطبل والدف بالدرجة الأولى, فضلا عن موقفه إزاء رافد أساسي من التراث العربي الإسلامي وهو التصوف, حيث كان يعتبر دعوى المتصوفة في تحقيق الاتصال بين المتصوف و"العقل الأول " من قبيل الوهم والخرافة.
وقال إن هناك محطة أخرى في شخصية ابن رشد تستحق الوقوف عندها من جانب الروائي كمادة لروايته وهي "قدرته السجالية الفارقة " حيث كان يصيبه الخجل عندما يكون مع الآخرين وحين يختلي يصير " أسدا شرسا " في كتاباته مشيرا إلى أنه كان له خصام مع جميع الفئات المفكرة ومنهم الفقهاء الذين كان يعتبر معظمهم أهل رياء يعتمدون القياس الظني وليس البرهاني, و"المتكلمون " الذين كان يرى أنهم يسفسطون ويعتبر فكرهم جدليا خطابيا , و"الأشاعرة " الذين كان يقول إنهم ينفون السببية و"المشاؤون " الذين اعتبر أنهم "حرفوا كلام معلمهم ".
وأضاف أن من الأشياء الأخرى المهمة في حياة إبن رشد, أنه كان قليل الحركة بينما ليست هناك رواية من دون حركة, ذلك أنه لم يغادر ثالوثه المكون من مدن قرطبة وإشبيلية ومراكش ولم يكن في حياته لا سفر إلى الحج ولا أسفار ولا سفارة ولا مشاهدة لحروب.
وفضلا عن هذه العوائق في طريق التعرف على شخصية ابن رشد - يضيف بنسالم حميش - هناك لحظات أومحطات قد تغري بتحويل شخصيته إلى شخصية روائية مع إعمال الخيال من طرف الروائي معتبرا أن إعمال الخيال هنا مشروع لأن الكثير من أعمال ابن رشد ضاعت, مما يفتح الباب على مصراعيه أمام التخييل والافتراض حول ماذا قد يكون ابن رشد دعا إليه أو قاله في ما ضاع من كتبه.
وأضاف أن نقطة الانطلاق في أي عمل روائي حول إبن رشد هي أن زمنه هو زمن قروسطي ( نسبة إلى القرون الوسطى ) بامتياز,ذهنية وحساسية ودينيا, وأن هذه الذهنية كان يخالطها العقل الذي كانت لابن رشد قصة معه .أما المكان فهو قرطبة التي ولد بها ابن رشد, ومراكش, حيث أمر بتفسير أرسطو من قبل خليفة السلطان أبو يعقوب يوسف الموحدي, وإشبيلية وقرية ليسيانة التي تقع في جنوب قرطبة والتي قضى فيها فترة منفيا.
وأشار إلى من بين الشخصيات المتحركة في فضاء الرواية الممكنة حول ابن رشد إلى صديقين له هما ابن طفيل الذي قدمه إلى السلطان المنصور أبي يعقوب يوسف الموحدي, وأبو مروان ابن زهر, وزميله أبو بكر ابن زهر الأب, والتلميذ أبو بكر إبن منذور, ومحي الدين إبن عربي.
وأضاف أن من بين الشخصيات الأخرى المتحركة في هذا الفضاء على الواجهة السياسية, عبد المومن الموحدي, وبالخصوص أبو يعقوب يوسف الموحدي "المؤسس الحقيقي" للدولة الموحدية الذي قال عنه إبن رشد إنه " حركني إلى تفسير أرسطو ", والذي كانت له معه " علاقة حميمية " بالإضافة إلى بعض " الأموات الكبار " كأفلاطون وأرسطو وابن سينا والفرابي والكندي والغزالي .
و قدم بنسالم حميش بعض المقترحات لمحاولة تحويل بعض القضايا الفلسفية إلى "كيانات وكائنات متحركة ومتسلسلة " مثل قدم العالم أو حدوثه, وقضية نظرية العقول , ووحدة العقل, وأشياء أخرى من هذه القبيل يمكن إدراجها واستثمارها في الرواية بعد حلحلتها وإخراجها من إطارها التقني الفلسفي .
وأضاف أنه يجب كذلك الوقوف من قبل الباحث والروائي عند الولع الكبير الذي كان لابن رشد بالمعرفة فضلا عن علاقته بفكر أرسطو الذي قيل إنه " لم يلهه عن الاشتغال به إلا يومان, يوم توفي أبوه ويوم تزوج ".
وتساءل بنسالم حميش هل يمكن أن يكون هذا الفضاء مرتعا للروائي كي يتصور ابن رشد الإنسان في محيطه العائلي الأسروي والنسائي وغيره "باستعمال معياري الذوق السليم والمناسبة". وقال إنه لا مناص بحكم أن الأمر يتعلق بفيلسوف, من أن تكون الرواية ذات نكهة فلسفية مع محاولة أن ينسجم ذلك مع خصوصيات البناء السردي وتقنيات السرد الروائي .
ويشارك بنسالم حميش في ملتقى القاهرة الرابع للإبداع الروائي إلى جانب مبدعين ونقاد وباحثين مغاربة آخرين هم مبارك ربيع ومحمد برادة وعبد الحميد عقار وعبد الرحيم العلام وحسن المودن وزهور كرام وسعيد يقطين .
واختتمت أشغال الملتقى الذي شارك فيه حوالي 100 كاتب من كافة البلدان العربية ومن بلدان أجنبية الأربعاء الماضي بمنح جائزة الإبداع الروائي وقيمتها 100 ألف جنيه مصر ( حوالي 150 ألف درهم ) لكاتب روائي عربي وهي الجائزة التي فاز بها في الدورة الثالثة للملتقى الروائي السوداني الطيب صالح عن روايته "موسم الهجرة إلى الشمال".