اعتبر الكاتب والناقد الروائي المغربي محمد برادة أن سنة1967 شكلت "تكريسا لإنشقاق" الرواية العربية عن الخطاب الذي كان سائدا في الوطن العربي و"اللغة المتخشبة" اللذين حاولا "طمس الهزائم والتعثرات والإحتماء بأيديولوجيا مضللة ومزيفة للوعي".
واستعرض محمد برادة في مداخلة ألقاها في أولى جلسات ملتقى القاهرة الرابع للإبداع الروائي الذي انطلق اليوم بمشاركة 72 كاتبا روائيا وناقدا أدبيا من كافة البلدان العربية ومن عدد من البلدان الأجنبية, العناصر التي جسدت هذا "الإنشقاق", وحصرها في تشظي الكتابة والشكل في النصوص الروائية, وتهجين اللغة وزعزعة البلاغة الموروثة, ونقد المحرمات المتمثلة في الجنس والدين والسياسة, و"تذويت الكتابة", أي صوت الذات المدافع عن الفردية الإيجابية.
واستعرض محمد برادة في هذا الصدد نماذج من "المعرفة الروائية" التي تقدمها نصوص لروائيين شباب, غير أنه أقر بصعوبة تحديد المقصود ب"الرواية الجديدة " وعلل ذلك بكون "عناصر التجديد والإبتداع" لا تخضع لعامل التعاقب الزمني.
وقال إن هناك كتابا من أجيال سابقة يواصلون الإبتكار والتجديد, فضلا عن أنه من الصعوبة تحديد الجدة في النصوص الروائية من حيث "التنسيب والإطلاق" ومن حيث المقاييس المحلية والمقاييس الكونية.
واعتمد محمد برادة في مداخلته على عشرين رواية من الأقطار العربية إتخذ منها خلفية تسند تحليله وإستنتاجاته, مع الإهتمام بالتنويعات الشكلية والدلالية التي تجعل من بعض "الروايات الجديدة " محفلا للقول المختلف, وأداة للبوح وكشف المسكوت عنه.
وتناولت الجلسة الأولى من جلسات ملتقى القاهرة الرابع للإبداع الروائي, الذي يبحث موضوع "الرواية العربية الآن", مميزات وملامح النماذج الروائية العربية التي صار يصطلح عليها بـ"الرواية الجديدة", ومدى مواكبة التحولات الروائية في الوطن العربي للتحولات الإجتماعية.
كما بحثت الجلسة, التي أدارها الباحث المغربي سعيد يقطين, تداخل الأجناس وتأصيل الرواية الحديثة عبر تحولاتها التاريخية, وآليات تصنيع الفعل الثقافي العربي, من خلال ما تمثله "الرواية الجديدة" من قيمة مضافة, فضلا عن أسئلة الرواية في الكتابة الجديدة.
وفي هذا الإطار ألقى بطرس الحلاق أستاذ الأدب المعاصر في جامعة السوربون الجديدة بباريس مداخلة بعنوان "تداخل الأجناس وتأصيل الرواية العربية" أبرز فيها أن هذه الرواية تميزت منذ بداية السبعينات وإلى سنة 2000 بتداخل متصاعد للأجناس الأدبية إستدعته الحاجة الماسة للتعبير عن "الواقع الراهن المتشردم" بأسلوب مستوحى من تاريخ هذا الواقع.
وقال بطرس الحلاق, الذي يتولى رئاسة رابطة أخصائيي الأدب العربي المعاصر في الجامعات الأوروبية, إن نظرة إلى تاريخ الرواية العربية تشير إلى أن هذه الرواية لجأت عند كل منعطف تاريخي إلى إعتماد هذا التداخل بالأسلوب المناسب للمرحلة, كاشفا من خلال بعض النماذج الروائية عن القيم الفنية والإنسانية التي تتجلى من خلالها.
ومن جهته إعتبر الكاتب والناقد الفلسطيني فيصل دراج في مداخلة بعنوان "نحو رواية عربية جديدة .. التحولات الإجتماعية والتحولات الروائية" أنه مهما يكون المآل الذي بلغته الرواية العربية, فإنه لا ينفصل عن مراجع سابقة لأن في كل ظاهرة منجزة مقدمات سابقة تنبئ عن مجيئها.
وقال إن إنتقال حالات إغتراب فردية لها وجوهها وملامحها وخياراتها إلى "مجتمع متداع لا وجه له ولا ملامح, سديم أو قريب من السديم", هو ما أنتج أزمة الرواية العربية خلال العقود الثلاثة الأخيرة وأدخلها في إختبار شاق وصعب فرض عليها إما كتابة رواية مرهقة فقيرة على مستوى الموضوع والمضمون, أو الرد الخلاق على الوضع المأساوي الجديد بشكل روائي جديد.
وأضاف أن رد الروائيين العرب على هذا الشرط الإجتماعي الجديد كان بنسب لا متكافئة وبتقنيات روائية مختلفة, تراوح بين "مجاز متشجر" يتأمل أحوال "الكائن المشوه", و"سخرية سوداء" تنتقد "الواقع المنهار", ونص روائي متعدد الحكايات يشير إلى "مجتمع التفكك", و"سيرة ذاتية موجعة ترصد رخاوة الزمن وتحتج على الإنهيار".
وأكد أنه, ولكون كل مخاض يكون عسيرا, فإن الرواية العربية عاشت في العقد الأخير قدرا مليئا بالمفارقة, حيث "أنتجت أعمالا كثيرة فقيرة القيمة, وأعطت في الوقت نفسه جملة نصوص إبداعية مدهشة".
وإستعرض واسيني الأعرج الكاتب والباحث الجزائري مجموعة أسئلة "باعثة على الإٍستغراب" حول الرواية الجديدة, ومنها إختراقها لحاجز التوزيع التقليدي إلى الإنتشار التجاري الواسع, وإذا كان ذلك مرده دينماميكية جديدة تفرضها هذه النصوص أم خاضعا لآلية تندرج في سياق العولمة التي تفرض نماذج وتغرس مقاييس تعترف بالشيوع الذي تصنعه هي, وبالسلعة أكثر من القيمة الفعلية الخالدة, فضلا عن أن هذه القيمة "أصبحت تتحدد في الخارج ليعاد إستقبالها من جديد في الوطن العربي من خلال قنوات الإتصال الأكثر حداثة, مقبولة ومحاطة بقيم مصنعة سلفا".
وقال واسيني الأعرج "هل ما يجد اليوم طريقه نحو الشهرة من روايات عربية وعالمية قيمة ثقافية فعلية تستحق الإهتمام تنضاف إلى الموروث الثقافي أم مجرد صناعة إعلامية مفبكرة وفق القيمة المراد ترويجها عالميا؟", معتبرا أن منطق السوق والتسليع هو ما أصبح يصنع الذوق في المجال الفني, وبالتالي فإن الرواية "فقدت وسائل الدفاع عن القيمة الإبداعية كقيمة إنسانية خالدة".
وفي مداخلة لم تخل من نقد حاد لمنتقدي "الرواية الجديدة" رد الروائي والسيناريست السوري, الذي مثل الروائيين العرب الشباب في هذه الجلسة, على الإنتقادات الموجهة لهذه الرواية بأن الأصوات الروائية الجديدة في الوطن العربي تقطع فعلا علاقاتها مع موروثها الروائي بإعادة طرح أسئلة الكتابة بعيدا عن الإيديولوجيات وكتاباتها التي كانت سائدة في الستينيات من القرن الماضي.
وأضاف خالد خليفة أن "النجاح الكبير" الذي أصابته هذه الأصوات أعاد طرح أسئلة تقنيات الكتابة وحاولت الوصول إلى تقنيتها الخاصة.