يلقي الكاتب المغربي ، حسن العشاب، أضواء على جوانب مجهولة من حياة محمد شكري مؤلف "الخبز الحافي" الذي يعتبره تلميذه المتفرد وطفلا أسطورة أنقذه من التشرد ليصير "أسطورة أدبية" منذ صدرت سيرته الذاتية التي أثارت جدلا ولاتزال.
لكن العشاب يقول في كتابه "محمد شكري كما عرفته" ان هذه السيرة حملت بصمة كاتب أميركي أعاد صياغتها كعمل فني مصطنع لتحمل طابعا فضائحيا "حتى ينال الكتاب الإعجاب بجرأة الكاتب الأمي" في إشارة إلى شكري الذي تعلم الكتابة في سن متأخرة.
ويضيف أنه احتضن شكري طفلا مشردا وأصبح له أبا ومعلما وصديقا كما يصف "الخبز الحافي" بأنها "تجربة غارقة في نزواتها الذاتية والهوس الجنوني حول الشهوة الادمية بمفهومها الفاضح ينم عن تسيب في رداءة الإبداع الأدبي للوصول إلى شهرة وهمية."والكتاب الذي حمل عنوانا فرعيا هو "ذكريات صاحب الخبز الحافي ومعلمه العشاب" قع في178 صفحة متوسطة القطع وصدرأمس الثلاثاء عن دار (رؤية) في القاهرة.
كما طرحت دار "رؤية" أيضا أول طبعة في مصر من الخبز الحافي.. سيرة ذاتية روائية..1935 -1956 / وتقع في 296 صفحة متوسطة القطع بمناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي تستمر دورته الأربعون حتى الرابع من فبراير بمشاركة 743 ناشرا من 28 دولة عربية وأجنبية.
وشكري (1935 -2003 ) الذي يوصف بالكاتب الصعلوك من أشهر الكتاب المغاربة كما تعد "الخبز الحافي" التي كتبها في السابعة والثلاثين من أكثر السير الذاتية العربية جرأة وتعرضت للمنع في معظم الدول العربية وأخرها مصر قبل سنوات انطلاقا من الحفاظ على ما يراه الرقباء خدشا للذوق العام حيث تتناول السيرة عالم الجريمة والدعارة والسلوك الجنسي المثلي بكثير من الخشونة اللفظية.
وقدم المخرج الجزائري رشيد بن حاج فيلما روائيا عن سيرة شكري عنوانه "الخبز الحافي" عام 2005 .
ويروي العشاب في كتابه أن شكري قدم له مخطوطة "الخبز الحافي" ليبدي رأيه فيها ويرى مدى صلاحيتها للنشر كسيرة ذاتية فمنحه "المعلم" بعض التفاؤل قائلا إنها "قابلة للتصحيح والتغيير" لتصبح كتابا.
ويضيف أن شكري صارحه بأنه قدم نسخا من هذه "الأوراق" إلى الكاتب الأميركي بول بولز الذي كان مقيما بالمغرب ويستقي "عادات وطقوس وتقاليد الطبقات الشعبية من السكان ليجعل منها مقالات للنشر...يشتري بعض الحكايات -ومنها بعض ما نشر في الخبز الحافي- اما مكتوبة لترجمتها أو شفوية لنشرها خارج المغرب"حيث كان هذا النوع من الكتابة مثيرا للاهتمام في الغرب.
ويقول العشاب انه اقترح أن يقوم بولز بهذا التصحيح والتغيير ليجعل من أوراق شكري كتابا بالانجليزية "حينها يمكن ترجمته للعربية فتتحقق الأمنية بإخراج السيرة الذاتية لشكري الى الفضاء الأدبي دخولا للتاريخ من بابه الواسع." ويضيف أنه قال لشكري أن بإمكانه أن يجعل من كتاباته المتفرقة مؤلفا فأجابه بسخرية "كيف لي وأنا أعيش بالخبز الحافي.. فبادرته قائلا.. لم لا يكون الخبز الحافي هذا عنوانا لكتاب وهمي لأنني أرى أن كتاباتك هذه تستحق هذا العنوان.. وكان هذا اخر حوار لطيف دون أن أتوقع أنه سيأتي اليوم الذي سأرى فيه الخبز الحافي يحدث ضجة في الأدب العالمي ويترجم لعشرات اللغات." ويسجل العشاب أن بولز "قدم الخبز الحافي مؤلفا بالانجليزية. ومباشرة قام شكري بتحويل هذا الكتاب للكاتب المغربي الطاهر بنجلون فيصبح الكتاب مؤلفا بالعربية.
وبعد اطلاعي عليه وجدت قد أضيف اليه الكثير من الاحداث تعد من قبيل الخيال... جل أحداث الخبز الحافي غير حقيقية. لقد وظفت تلك الاوراق لمضامين حكايات منسوجة تجمع بين سيرة شكري الصعلوك المتشرد وحكايات صعاليك اخرين من خيال بولز." ويضيف أنه عاتب بولز"على قلب الحقائق في أوراق شكري" فأجابه بأن الكتابة الأدبية تقتضي ذلك قائلا "كان لزاما أن أجعل السيرة الذاتية لشكري على الطريقة التي تتطابق مع سيرة غيره من الصعاليك" في قالب مثير.
ويقول العشاب "تأكدت من أن ما كتب هو مبالغ فيه... الكتابة ارتبطت في ذاكرة القراء بفضح المستور لتكون الاثارة وسيلة لينال الكتاب إعجاب القراء بجرأة الكاتب... كل هذا في غياب الضوابط التي يجب أن تفرض على الكتابة والتي يجب أن تحترم صاحبها وكذلك القاريء المهتم بالقراءة الأدبية الوطنية...وأنت تتمعن في مضمونها فكأنك تشاهد أفلاما للخلاعة بتعدد ذكر الاعضاء التناسلية والدعارة والشذوذ فكأن الكاتب لا يرى إلا عالم التعفنات الجنسية بفقرات بشعة وحقيرة تنم عن عهد الانبطاح وإشاعة الفواحش الأخلاقية. كل هذا مغلف بمظهر الكاتب الجريء المتحدي لعصره."ويضيف أن تلك المبالغات كانت سببا في تحفظه في حضور لقاءات وندوات ثقافية "تخص التعريف بالكاتب الأسطوري ككاتب عالمي يطمح لنيل جائزة نوبل للادب" مشيرا إلى أن شكري كان يؤمن بأنه "من عباقرة الزمان." ويقول ان الناقد المغربي يحيى بن الوليد حين كتب عن جانب قديم من هذه الصداقة عاتبه شكري "لان كشف المستور يخدش تماما أسطورة الكاتب الذي التحق بنور الكلمة وهو في سن العشرين." ورغم بعض انتقادات العشاب لتلميذه فالكتاب يفيض بكثير من المحبة تجاه شكري الذي كان يمتلك مواهب أخرى مثل الغناء وكان يمكن أن يتميز فيه حيث كان ذا "صوت دافيء جذاب...كان من أشد المعجبين بأغاني الموسيقار محمد عبد الوهاب يحفظ كل أغانيه"ويجيد ترديدها.
(رويترز)