الطاهر بن جلّون

أردتُ التعرّف إلى أمّ أجهل حياتها

السبت 26 يناير 2008 - 13:39

عن أمي، جديد الروائي المغربي الطاهر بن جلون، الذي صدر أخيرا عن منشورات "غاليمار" في باريس، هو قبل كل شيء رسالة حب مهداة إلى الوالدة بعد موتها. هي الأم أولاً، والأم العربية المسلمة خصوصاً.

تلك الأم التي بنت كل حياتها على حبّها غير المشروط لأولادها. «عن أمي»، واقع أنوثة لا يمكن أن تثبت هويتها إلا من خلال الأمومة. هي المرأة الممحوّة، المحرومة من الكلام ومن الوجود، ومن المعرفة. هي المحتشمة إلى حدّ النكران، ستولد وتوجد من خلال ريشة ولدها الشعرية. بإحساس كبير، يحاول الطاهر بن جلّون من خلال كتابة شهادة حقيقية وخيالية، أن يبني قصة والدته الأمّية عبر البحث عن المصائر المبعثرة في أشلاء التعابير الفوضوية ولحظات الغياب والهذيان التي يتسبب بها مرض الزهايمر. لكن يبدو أن المرض لا يصيب الوالدة فقط. فهو ينتشر في ذلك البيت الأبيض الذي يتحلل تدريجيا في نهاية الطريق المقطوع كلما دنت الوالدة رغم ألمها من الموت الذي تنتظره بسكينة.

صحيح أن أمه كانت حاضرة في كتابه الأول «حرودة» (1973) ولكن الكتاب لم يكن عنها.

فقد كتب بضع صفحات حيث تخيّل حواراً صغيراً معها. ثم غابت كلياً عن غالبية أعماله. فمع مرضها واقتراب غيابها، أراد أن يكتب رواية خرافية وليس أن يؤلف كتاباً عنها لأنه لا يملك كل العناصر. لم يعرف شيئاً عن حياتها، شأنه شأن أولاد المجتمع العربي الإسلامي الذين لا يشاركون آباءهم أسرارهم. عندما أصابها مرض الزهايمر، تحرر وبدأ بالتحدث عن فقرات في حياتها كان يجهلها او عرف عنها القليل. أعطاه ذلك فكرة كتابة رواية وليس شهادة عن حياتها لأن معظم عناصر الكتاب من تأليفه بالكامل. العناصر المتعلقة بالمرض والانهيار الجسدي حقيقية، لكنه اضطر إلى الوصف الخيالي لكل ماضيها ولعالم الثلاثينات والأربعينات لأنه لم يكن حاضراً في تلك المرحلة ليشهدها.

ويتذكر الكاتب المغربي وهو يحاورفي باريس"ريتا باسيل الرامي "مراسلة صحيفة (النهار)البيروتية،قائلا: " بالطبع لم أتكلم يوماً مع أمي عن جسدها أو عن حياتها العاطفية. بل تصوّرت امرأة جميلة لأنه جرى تزويجها ثلاث مرّات وهي أيضاً صغيرة جداً فلا بد أنها كانت تملك جسداً جميلاً. كانت تأتي النساء إلى الحمّام ليخترن العرائس لأبنائهنّ. لا يمكن إنكار هذه الناحية. لم يخبرنا أحد ذلك طبعاً لأننا لسنا في هذا الموقع، لا يتحدث الأولاد مع آبائهم حول ذلك، لكن الروائي يتصوّر ذلك، وخصوصاً أنها لم تعد هنا لقراءة ما كتب. لم تكن تستطيع القراءة في أي حال.

أما الابن فيعطيها بعداً آخر لم تحظ به في حياتها. وأنا جعلت من حياة الوالدة رواية اخترعتها. لا أعرف هل كانت لتوافقني الرأي في ما كتبته، لو أنها لا تزال على قيد الحياة وتستطيع القراءة؟ ذلك، لأن الكتاب يتضمن البعد الخيالي ومفهوم الاختراع. كما أني أعدت زيارة ذاكرتها من خلال انعكاسها على ذاكرتي. كانت تغرق في الغيبوبة وكان المرض يخطفها فتهذي أو تقول أشياء لا تسيطر عليها، وكانت تلك الحالات بالنسبة إليّ مواد أحفظها لأكتبها لأنها كانت إشارات عن حياتها خاصة. كانت تخلط تماماً بين الحقب الزمنية وبين الشخصيات وتعود إلى طفولتها. هذا الجانب يكون أولاً مؤلماً للأولاد الحاضرين، ثم محيِّراً ومزعجاً لأننا لا نعرف كيف نتصرّف وماذا نقول ونفعل في مثل هذه اللحظات. نبقى في حالة ذهول ولا نعرف أيّ موقف نتخذ عندما تعود إلى وعيها ".

في هذه الرواية عمل الطاهر بن جلون دائماً على خيوط الذاكرة، سواء أكانت ذاكرته أم ذاكرة الآخرين. لطالما كانت الذاكرة حافزا له على الكتابة. وهو لا يؤلف كتب الخيال العلمي بل يتجه دائماً إلى استعمال الماضي سواء أكان ماضياً عرفه قليلاً أم ماضياً أخترعه ليتمكن من إعطاء الشخصيات كياناً ووجوداً.

أراد بن جلون أن يكون بسيطاً. لم يفكر وهو يكتب في أيّ بعد اجتماعي. عندما وصف الزيجات الثلاث لأمه فقد تصورها لأنه لم يحضرها، وكان ذلك بالنسبة إليه طريقة ليتصوّر فعلاً كيف يتم تقديم فتاة صغيرة تبلغ 15 عاماً إلى شاب لا تعرفه، ثم إلى رجل ثان يكبرها بسنوات كثيرة وأن تترمّل في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمرها. تلك الظروف كانت استثنائية إلى درجة أنها أصبحت بالنسبة إليه من صلب الخيال الروائي. إنها من صلب الخيال والواقع، ولكن الخيال فيها يكمن في طريقة رواية هذه القصة.




تابعونا على فيسبوك