تتعدد أصناف الثقافة بتعدد الشعوب وإن كانت تلتقي في مسار واحد ومصب واحد اسمه الثقافة، وإذا كانت الثقافة مرآة الشعوب تعبر من خلالها عن وعيها وفكرها.
فهي بالتالي زخم كبير من السلوك والتقاليد وشكل من أشكال التعبير عن قيم وعن تساؤلات وهموم ومشاكل المجتمعات، كما أن الثقافات تختلف من مجتمع لآخر باختلاف المفاهيم وتباين العادات والتقاليد والحمولات والتراكمات الثقافية، وتخضع في كثير من الأحيان تفاعلات الشعوب في ما بينها عن طريق الهجرة والتجارة والسياحة كما تخضع لصيرورة الحياة السياسية مثل الحروب والانقلابات والتكتلات ورغم ما ذكر، فإن الطابع الأساسي يبقى تابتا راسخا في أذهان الشعوب يغذيها وتغذي منه غيرها في تفاعل مستمر.
والثقافات كما ذكرت، كثيرة ومتعددة وسأختصر هنا على مفهوم المسرح الشعبي أو ما يصطلح عليه بالحلقة أو لحلايقي وما يعرف في تراثنا الأمازيغي بـ "اسكر لحلقت" أو "قاري تهضار" المضحك أو المسلي.
يقول محمد برادة، "ما يوثق عرى الأدب بالمستقبل، يتحدر أصلا من صلبه، من طرائق الصنع والتخلق، ومراودة الرؤيا والجري في متاهات التخييل وأدغال اللغة وإيحاءات النصوص الغائبة..
الحلقة ذاكرة الشعوب منذ القدم تختزل الأزمنة والمسافات عن طريق الحكي أو الحاكي أو الراوي الذي يتقمص شخصيات مختلفة حسب الحكاية التي يسردها من فقير إلى غني ومن أمير إلى تاجر أو راع وقد تكون الحلقة نواة للمسرح الثابت والمتنقل الذي تحول إلى اكسسوارات وديكور وإنارة وركح وبقيت الحلقة محتفظة بمقوماتها وإن كانت ترتكز على الماضي أكثر من الحاضر والمستقبل.
والحلايقي الذي يكون راويا أو مهرجا أو ممثلا أو مغنيا أو يجمع بينهم جميعا داخل حلقته أي يمثل عن طريق الحكي ويسخر عن طريق الغناء.
الحلقة منتشرة في شمال المغرب وجنوبه كما في شرقه وغربه، في البوادي كما في المدن، كما اشتهر كثير من الرواة بالدار البيضاء ومراكش وفاس وغيرها، كما أن هناك ساحات اشتهرت بهذا النوع من الثقافة الشعبية وأهمها ساحة جامع الفنا بمراكش التي تختزن لنا تاريخا كبيرا من أنماط الثقافات المختلفة، حتى أضحت ذاكرة المغرب، ساحة عالمية بكل المقاييس زارها الأدباء والعظماء والسياسيون ورجال الأعمال والفنانون من مختلف أنحاء العالم وتمتعوا واستمتعوا بما بعرض فيها رغم اختلاف ألسنتهم .
تتكرر الحكايات في الحلقة بنفس السجن والسحر، تتسم بالطبيعة الفرجوية والتسلية والمرح في نكهة أسطورية تاريخية يغلب عليها الخيال، كما تقدم متعة كبيرة عبر تمرير بعض القيم مثل الصبر والشجاعة والتعاون والإخلاص، كل ذلك بأسلوب شيق جذاب ومفهوم لدى العامة.
تتكون الحلقة في غالب الأحيان من فرد واحد أو مجموعة أفراد، وبالتالي نجد المسرح بدا بثلاثة أشخاص صامتين ثم انتقل إلى المسرح الناطق والمسرح الفردي وتنوع بتنوع الإكراهات فظهر الدرامي والتراجيدي والهزلي والعبثي، وكلها امتدت ينابيعها من الحلقة التي بقيت محتفظة بطابعها التقليدي.
يعترف المسرحي المسكيني الصغير بأن المسرح سواء في المغرب العربي أو المشرق العربي، استمد خطابه من التراث الشعبي، لأن التراث في وجدان الشعوب العربية، وبذلك يكون المسرح بشكله المنظم اليوم استمد ولا شك مقوماته من الحلقة، ولعل ألف ليلة وليلة خير دليل على ما أقول، كما يعترف كبار ونقاد وكتاب المسرح بأنهم استلهموا موهبتهم من الحلقة وغرفوا من معينها ونجد المرحوم محمد الكغاط يقر بأنه كان يقف ساعات أمام "حربة" الحلايقي مستمتعا بحكاياته بفاس باعتبار أن الحلقة كانت تمرر كثيرا من الخطابات عن طريق كوميديا فطرية قبل أن يدرس المسرح الحالي بالرباط، إذاالمسرح موجود ويفتقد إلى روح مطموسة والبحث عن الروح هو قمة الإبداع، كما أن الحلقة كانت موجودة منذ العهد العباسي وهو ما أسماه المسكيني الصغير بدراما السماع.
استاذ باحث