اختتمت في العاصمة المالية "باماكو" أخيرا فعاليات الندوة العلمية حول حق الشعوب في صيانة ذاكرتها الثقافية والتي سبقت الاحتفال الكبير الذي شهدته مالي بتسليم جائزة القذافي الدولية لحقوق الإنسان لمعهد "أحمد بابا" للدراسات العليا والبحوث الإسلامية ومكتبات تمبكت
وحضر الجلسة الختامية لهذه الندوة التي تواصلت على مدى يومين أمين عام جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ووزير التعليم والبحث العلمي ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في مالي وعميد جامعة باماكو وعدد من رؤساء وأعضاء البعثات السياسية والمنظمات الإقليمية المعتمدة في مالي.
جائزة القذافي لحقوق الإنسان
وعبر أمين عام جمعية الدعوة الإسلامية العالمية عن الشكر والتقدير لجمهورية مالي رئيسا وحكومة وشعبا على استضافة هذه الندوة التي نظمتها اللجنة الشعبية الدولية لجائزة القذافي لحقوق الإنسان ومعهد شمال جنوب لحوار الثقافات وحقوق الإنسان. وأكد أن عطاء جائزة القذافي لحقوق الإنسان يتواصل كل عام لإبراز حقوق الإنسان وكرامته في كل مكان.
وأوضح أن الجائزة لهذا العام تتوجه لتأكيد حقوق الشعوب في صيانة ذاكرتها الثقافية وذلك بمنحها لمخطوطات مدينة تمبكتو حاضرة الإسلام التي شهدت منذ نشأتها تعايش الشعوب في ظل الإخاء والسلام والتواصل الإقتصادي والإجتماعي والثقافي.
وتطرق إلى الدور التاريخي لهذه المدينة عبر تلك العصور.. مبرزا تألق هذه المدينة بإشعاعها الثقافي من خلال رؤيتها الإسلامية الواضحة رغم بعدها عن المراكز الحضارية في ذلك الوقت.
وأكد أمين عام جمعية الدعوة الإسلامية العالمية أن منح جائزة القذافي الدولية لحقوق الإنسان لهذه المدينة ومخطوطاتها يعد خطوة متقدمة لتأكيد الهوية الحقيقية لشعوب العالم كافة ولتعمل على إثراء مساهمتها في تحقيق العدل والسلام والخير للجميع.
ومن جهته عبر وزير التعليم والبحث العلمي في جمهورية مالي عن تقدير بلاده العالي ورئيسها للجنة الشعبية الدولية لجائزة القذافي لحقوق الإنسان على عقد هذه الندوة بمالي وإسناد الجائزة إلى المدينة تمبكتو من خلال معهد "أحمد بابا" للدراسات العليا والبحوث الإسلامية.
وقال "نحن في مالي نعبر عن الفرح الكبير بالتقاء هؤلاء العلماء والباحثين والمفكرين على أرض مالي لمناقشة قضية مهمة تتعلق بالذاكرة الثقافية".
ودعا إلى ضرورة العمل على تنفيذ ما توصل إليه المشاركون في هذه الندوة من توصيات من خلال البحوث التي شاركوا بها في جلساتها العلمية. وأكد أن قرار اللجنة الشعبية الدولية لجائزة القذافي لحقوق الإنسان بمنح هذه الجائزة لمعهد "أحمد بابا" يؤكد اعترافا بأهمية المحافظة على المخطوطات والتراث المكتوب وصيانته والنهوض به. وقال "إن هذا يعد تشجيعا لهذا المعهد وللعاملين به ولكل خزائن تمبكتو من المخطوطات للعمل من أجل صيانتها والمحافظة عليها".
وأهدت اللجنة الشعبية الدولية لجائزة القذافي لحقوق الإنسان في ختام فعاليات هذه الندوة درعها إلى وزير التعليم والبحث العلمي ولعدد من المؤرخين والمفكرين الذين شاركوا فى فاعلياتها وهم "محمد بن شريفة ومختار ولد أباه وادريسا دياكيتى وعثمان سيسي".
وشهدت العاصمة المالية باماكو فعاليات الجلسات العلمية للندوة العلمية حول حق الشعوب في صيانة ذاكرتها الثقافية التي تتزامنت مع الاحتفال بتسليم جائزة القذافي الدولية لحقوق الإنسان لمعهد أحمد بابا للدراسات العليا والبحوث الإسلامية وبقية مكتبات المخطوطات في تمبكتو لإنشاء مركز باسم الجائزة يتولى صيانة المخطوطات وحفظها.
وكان ادريسا دياكيتى أستاذ التاريخ بجامعة باماكو قد ترأس الجلسة العلمية التي استهلها محمد بن شريفه من المغرب بورقة حملت عنوان "أحمد بابا ودوره في صيانة الذاكرة الثقافية" عرف خلالها هذه الشخصية ونشأتها والبيئة التي عاشت فيها خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر ميلادي.
وأبرز الباحث إسهامات أحمد بابا في الذاكرة الثقافية لتلك الفترة التاريخية بتمبكتو من خلال خمسة جوانب وهى "الدين والروح والتاريخ والتصوف واللغة". واستعرض الباحث عديد الكتب التي ألفاها احمد بابا والدور الذي قام به خلال تلك الحقبة من أجل الحفاظ على الذاكرة الثقافية.
وقدم محمد أحمد القبيسي من لبنان ورقة بحثية بعنوان المخطوطات الإسلامية وكيفية صيانتها وترميمها استهلها بتوجيه تحية إكبار للأخ القائد وللشعب الليبي. وتساءل الباحث في مقدمة ورقته عن مكان المخطوطات الإسلامية التي تحوى تراثنا.. مؤكدا بأن أغلبها موجود خارج الدول الإسلامية والعربية ولاتزال مجهولة.
وأوضح أن البعثات الأثرية قامت في الحقبة الاستعمارية بالتنقيب في المواقع الأثرية وأخذت كل ما وجدته من آثار وتماثيل ولوحات وكتابات كانت مدونة على الجلود.
وقال "إن هذا يفسر وجود العديد من المخطوطات الإسلامية والعربية في العالم اليوم ومن بينها مجموعة من النسخ القرآنية كتبت بالخط الكوفي موجودة في المكتبة الوطنية في باريس".
وأشار إلى أن تلك المخطوطات التي تنام في أقبية مكتبات العالم لايمكن تصويرها أو حصرها أو تحقيقها. وقال متسائلا "متى نعيد هذه المخطوطات لكي نحقق تراث أجدادنا باعتبارها هي المقدمة الأولى لبناء تاريخنا الإسلامي والعربي".
ومن جهته أوضح الأستاذ أحمد الوافي رئيس منتدى الفكر والحوار الديمقراطي في موريتانيا في ورقته البحثية تحت عنوان "الأخطار المحدقة بالذاكرة الثقافية"، أن الذاكرة الثقافية هي المستودع الذي تنصهر داخله كل الأبعاد والمعاني المتعلقة بهوية الأمم.
وأشار إلى ارتباط الثقافات بتوسع الحضارات ومستوى تطورها وتنوعها.. مؤكدا أن الذاكرة تبقى الوعاء الذي يحفظ هذه الثقافات باعتبارها سر بقاء الحضارات وسجلها الدائم.
وأكد الباحث أن الذاكرة الثقافية هي معين تستلهم منه الأمم والشعوب خصوصيتها الحضارية وسيلة للتواصل بين العصور والأمم خط الدفاع الأخير عن خصوصيات الأمم والشعوب.
وخلص رئيس منتدى الفكر والحوار الديمقراطي في موريتانيا فى بحثه قائلا إن الذاكرة تعتبر حقا إنسانيا لامراء فيه رغم تحديات العولمة وإكراهاتها وبما تعنيه من نمطية وإلغاء للآخر.
جرى بعد ذلك نقاش حول موضوعات الأوراق البحثية التي ألقيت في الجلسة العلمية الثانية لفعاليات هذه الندوة.