رغم سيادة نبرة الاستعلاء والفوقية.. هناك نافذة من الأمل

الجمعة 18 يناير 2008 - 11:15

تتعرَّض العلاقات بين الشرق والغرب إلى قدر كبير من الشد والجذب الفكري والديني، منذ قرون، وقد دارت مساجلات فكرية صاخبة حولها، ونشأت مدارس فكرية وتخصصات أكاديمية.

ومرَّ على الساحة مفكرون من الجانبين، نذروا حياتهم وفكرهم لإعمال النظر في هذه العلاقات، نشأة وتطورا، ودراسة لعوامل التقارب والتعايش، أو الفرقة والعزلة. ويوظف النقاش حول هذه العلاقات بحسب الرغبة لمد الجسور أو تعميق الفجوة بين الشرق والغرب، وقد أسهمت عدة محددات في هذا التوجه أو ذاك.

ويندرج كتاب "الشرق والغرب: مُنطلقات العلاقات ومحدِّداتها"، للمؤلف علي بن ابراهيم الحمد النملة، ضمن هذا الخط، وتحديدا خط التقريب وتجسير الهوة المفاهيمية بين المعنيين بالشأن العلائقي بين "الشرق" و"الغرب".

وقد اجتهد المؤلف في بلورة منظور فكري متعدد الأبعاد، وتقديم أداة تحليلية نظرية، تُمكِّن الباحث المعني، من فهم حجم تلك العلاقات واتجاهها وتأثيرها، وإمكان قياس أثرها، باعتبارها علاقات مازالت تؤثر سلبا إلى حد كبير، في حياة شعوب المنطقة العربية والإسلامية، عبر رصد مجموعة من المحدِّدات التي أثَّرت في وجود شكلٍ من أشكال الحوار بين هذين المفهومين.

وقد أحصى المؤلف سبعة عشر محدِّدا من محددِّات العلاقة، دون أن ينتهي العمل إلى اعتبار هذه المنطلقات والمحدِّدات من المسلَّمات، بل هي طروحات خاضعة للنقاش والحوار العلمي، ونذكر من بين هذه المحدِّدات، الجهوية والحقوق والعرقية والاستعمار والاستغراب والبعثات والعلمنة والعولمة والإعلام، ثم المحددِّ الهام: الحوار.

وإذا توقف مثلا عند المحدِّد الأخير، يقف الكاتب عند بعض أشكال وأساليب الحوار، كالمناظرة والجدل المباشر والمؤلفات والمؤتمرات، والمراكز الدينية والعلمية، معتبرا أن وجود مراكز علمية لعرب ومسلمين في الغرب، يُعدُّ نوعا من أنواع الحوار، والذي يفضل البعض تسميته بحوار الحضارات والثقافات.

والمخيف هنا، يضيف المؤلف، ألا يدرك العرب كنه هذا الحوار، فيكون حوارا من طرف واحد هو المنتج أو المرسل أو مصدر المعلومة، ويكتفي الطرف الثاني (نحن نموذجا) بدور المستهلك أو المستقبل لتلك المعلومة، بمعنى آخر، يقتضي الحوار التكافؤ بين المتحاورين، كما يقتضي الاتفاق على المقدمات، أو على بعضها على الأقل.

وإجمالا، يخلص المؤلف إلى أن طبيعة العلاقات بين الشرق والغرب، في ما يخصنا نحن على الأقل، كانت ولاتزال غير متكافئة، وتعلوها نبرة الاستعلاء والفوقية، وربما الأجندات الخفية. وقد عانى الشرق من هذه الاختلالات في العلاقات، بدءا بالاستشراق والحروب والحملات الصليبية، مرورا بالاستعمار والاحتلال المباشر ونهب الخيرات، وانتهاء بتُهم الإرهاب والصور النمطية الإعلامية، وعلمنة السياسة والفكر وعولمة الثقافة وفتح الأسواق.

رغم الخلاصات القلقة والصريحة التي يتوصل إليها الكاتب، يؤكد أيضا، أن هناك نافذة من الأمل لتجسير الفجوة القائمة بين المنظومتين، وتصحيح هذه الاختلالات، تبدو ممكنة، فقد إذا أحسن الطرفان، عبر ما يصفه بالنوايا الحسنة، استغلالها الاستغلال الأمثل، من منطق حاجة كل طرف إلى الآخر، بما لدى كل طرف من موارد وإمكانات، وسعيا إلى تعظيم فرص الالتقاء والاتفاق، والتعايش السلمي، عبر تبادل المصالح، مع احترام واستثناء لبعض الخصوصيات الدينية والثقافية والفكرية، التي تمثل منطلقات لا يمكن التنازل عنها.
ويمكن أن يجري تجسير هذه الهوة أيضا، عبر آليات أتاحتها معطيات الألفية الثالثة، وكون العالم أصبح قرية كونية صغيرة، وعبر الاستفادة من مقتضيات العولمة واستحقاقاتها، بمختلف أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وباعتبارها فرصة تاريخية لإصلاح الاعتدال في العلاقة بين المنظومتين، لصالح نمو الشعوب والمجتمعات.

نشهد للمؤلف بجهد كبير في الترحال الفكري مع العديد من المراجع العربية والأجنبية، كما نطلع على ذلك في لائحة المراجع والأدبيات التي جرى الاستئناس بها، وكان العمل سيزداد نوعية لو استشهد بأعمال أسماء مرجعية في تخصصاتها أو إبداعتها، وبالاستشهاد مثلا بما جاء في موضوع (أو "محدِّد" الحوار)، يمكننا سرد اجتهادات طه عبد الرحمن في هذا الصدد، والذي يرى أن الحوار يكاد ينزل منزلة الحقيقة، وذلك للاعتبارات التالية:

ـ أولها أن طريق الوصول إلى الحق ليس طريقا واحدا لا ثاني له، بل طرقا شتى لا حد لها، لأن الحق هو نفسه، على خلاف الرأي السائد، ليس ثابتا لا يتغير، بل أصله أن يتغير ويتجدد، وما كان في أصله متجددا، فلا بد أن يكون الطريق الموصل إليه متعددا.

ـ والوجه الثاني أن تواصل الحوار بين الأطراف المختلفة، فئات أو أفرادا، يفضي مع مرور الزمن إلى تقلص شقة الخلاف بينهم، وذلك لدخول هذه الأطراف في استفادة بعضها من بعض.

أما الوجه الثالث فيكمن في أن الحوار يسهم في توسيع العقل وتعميق مداركه بما لا يوسعه ولا يعمقه النظر الذي لا حوار معه.

توقفنا عند الملاحظة النقدية لا يقزم بالمرة من عمل هام ويستحق التنويه، لجمعه بين البحث والحفر في الأدبيات، والشجاعة في طرح المواقف، والوضوح في تمرير الفكرة.




تابعونا على فيسبوك