أكد مثقفون ونقاد مصريون أن إدوارد الخراط من الكتاب القلائل الذين يمتلكون أدواتهم الفنية، حيث إن كل ما كتبه هو نتاج فحص ودراسة متأنية، ويبدو ذلك جليا في أعماله العديدة، التي تجسد خطاه الثابتة، والتي ترجع بدايتها إلى 1959.
عندما صدرت له مجموعته القصصية الأولى «حيطان عالية» والتي توقف بعدها عن الكتابة فترة امتدت إلى ثلاثة عشر عاماً، كان خلالها في فترة كمون واحتشاد ليجري عمليات مراجعات فكرية مستمرة في انتظار لحظة إبداع حقيقية من أجل التحقق الكامل.
وأشار د.مدحت طه أستاذ الأدب والنقد في الندوة التي عقدت بأتيليه القاهرة بعنوان «إدوارد الخراط تاريخ في الكتابة» إلى أن هذا المبدع لم يتوقف نهائياً عن الكتابة في فترة كمونه بل عكف على الكتابة السرية، كما أنه لم يتوقف عن ممارسة النشاط الثقافي والمشاركة في الندوات والمؤتمرات والترجمات والتناول الشعري للأعمال التشكيلية والنقدية، حتى صدرت مجموعته الثانية عام 1972 بعنوان "ساعات الكبرياء"
ومعظم قصصها قد أعيد صياغتها لأكثر من مرة حيث كان في ذلك الزمن الغابر من الشباب الباكر ولم يكن لديه ما يشغله سوى إعادة صياغة ما يكتبه ومحاولة الإمساك بالنص وتعليم نفسه بنفسه وإثقال موهبته ولا مرشد له سوى القراءة المستمرة، التي أكسبته الحرية والانطلاق الإبداعي حتى وصل إلى مرحلة الصنعة الكاملة المتقنة، التي هي في ذات الوقت رؤية كاملة متجددة.
وأضاف الخراط أن الكتابة عنده هي لحظة واحدة ممتدة في العمق والمدى والتنوع وأن كلاً من الكاتب والفنان والمبدع عموماً إنما يسعى إلى البحث والوصول إلى أبعاد لم تطأ من قبل لكن ليس معنى ذلك أن كلا منهم عمله يتطابق أو يتكرر أو يعد استنساخاً من عمل الآخرين، وإنما هناك إطار واحد يجمع هذه المنظومة المتعددة الرؤى والقيم والتقنيات والتشكيلات، التي تتناغم أحياناً وتتناثر في أحيان أخرى ولكنها في النهاية تجمعها وحدة واحدة.
وذكر الخراط أن الكتابة عنده هي استيعاب تام وتوحد ما بين المراحل المختلفة بين الواقعي والمتوهم، بين الأنا والآخر، ومن هنا فإن مفهوم الزمن عنده منعدم بمعنى أنه لا يوجد ماض قد مضى واندثر كما لا يوجد حاضر، لأنه حاضر متقلب عابر ومستمر وبالتالي فالكتابة هي فن مهمته الأساسية تدفق هذه الحياة المتصلة والمستمرة بحيث يبقى الماضي حاضراً وليس مسألة استعادة ذكريات الماضي وإنما هي معايشة جديدة لهذا الماضي وإحيائه وبهذا المعنى، فإن الكتابة عنده إبداع جديد مستمر وكأنها بشكل ما تتصل بالمسعى المصري القديم العريق عند قدماء المصريين، الذين كانوا ينشدون الخلود وتحدي الزمن والموت من خلال بناء الأهرامات والمبدعات الحسية في المقابر، وكأن الموت لم يحدث وأن مشاهد الحب والصيد والقنص والرياضة المرسومة على جدران المعابد لاتزال في حياة الميت الذي لم يعد كذلك.
وأضاف الخراط: إن هذا التكوين النفسي الذي يتيح لي عدم التوقف عن الكتابة والاستمرار فيها، فإذا توقف عن الكتابة الفعلية فإنه لا يتوقف عن الكتابة الداخلية أو السرية، وهي إحدى سمات الفن الذي يستطيع أن يطوع المتناقضات لتصبح في تناغم تام، وفى تناسق متجانس ومتنافر في ذات الوقت وأنه عادة لا يعرف متى سيكتب أو ماذا أو متى سيتوقف عن الكتابة، لأنه كان يعرف هذه الأجوبة، فإنه لن يكتب منذ البداية وإن كان في ذلك الوقت يكون لديه حدس أو معرفة غائمة غير واضحة أو محددة المعالم، حيث إنه يسعى إلى كسر موضوعات الجنس الأدبي المتعارف عليه، كما أنه لا يخضع النص الذي يكتبه إلى موضوعات مسبقة أياً كانت، وإن كانت جميعها تندرج في سياق إطار عام يمكن أن يبدده ويضفي عليه حياة جديدة متدفقة، والتي يشعر معها بمتعة الكتابة.
وأوضح الخراط أنه في الفترة ما بين عام 1948 -1950 قد توقف عن الكتابة بعد أن جرى اعتقاله لمدة عامين، وهى الفترة التي تركت تأثيرها على أفكاره ووجدانه ونفسيته وعلاقته بالمجتمع ككل، والتي عكستها روايته في ما بعد "فريق النسر" التي يسرد فيها تجربته في المعتقل حيث كان هو وزملاؤه على استعداد للتضحية بحريتهم وحياتهم في سبيل الدفاع عن قيم ومبادئ عليا والعدل والحرية والمساواة من خلال المطالبة بإنهاء الاحتلال البريطاني، وهو الهدف الذي جعل من حياتهم داخل المعتقل أمراً محتملاً والتعايش مع صفوف متجانسة من البشر المتفاوتين في الأعمار والسلوكيات، كما أن هذه الفترة قد أتاحت له لحظات طويلة من تأمل الذات، والتي لم تكن متاحة في غمار العمل السياسي الثوري، وإن كان هذا الأمر هو ما نفتقده في هذه الآونة في حياتنا العامة.