دولة الدعاة الجدد لوائل لطفي

افتقار المؤسسة الدينية للتجديد وصعود بروتستانتية إسلامية جديدة

الجمعة 14 دجنبر 2007 - 10:22

من هم الدعاة الجدد؟ ما هي طبيعة علاقاتهم بالحركات الإسلامية، إن كانت هناك علاقة في الأصل؟ ما هي أهم الأسباب التي جعلت من بعضهم نجوما في المجتمعات العربية والإسلامية؟ .

هل هم بمثابة بروتستانتية إسلامية جديدة؟ وكيف نفسر قبول الشرائح الاجتماعية العليا على خطابهم؟ وهل ينجح هؤلاء في صبغ المجتمع بصبغة إسلامية كاملة؟ وهل صحيح أنهم لا يعلمون بالسياسة كتكتيك مرحلي حتى يتجنبوا عداء السلطة؟ أم أن السياسة لا تعنيهم على اعتبار أنهم يروجون لمفهوم الخلاص الفردي؟عن هذه الأسئلة وغيرها، يرتحل الكاتب وائل لطفي في هذا العمل الذي يحمل عنوان دولة الدعاة الجدد، والذي تطرق فيه لواقع الدعاة الجدد في الحالة المصرية تحديدا

وبداية، نعرج على تعريف مجمل للظاهرة، فالداعية الجديد حسب المؤلف هو ذلك الشخص الذي تلقى تعليمه الديني خارج المؤسسة الدينية الرسمية )الأزهر في الحالة المصرية(، وهو يعتمد في ثقافته الدينية إما على التعلم المباشر والتثقيف الذاتي أو على تلقي العلم من أحد الشيوخ في حلقات العلم في المنازل (وليس في المساجد) الداعية الجديد هو مهني ناجح له عمل مستقل عن كونه داعية وهو يرتدي الملابس الأوروبية، ويقدم خطابا بسيطا يربط الدين بالحياة والمشاكل الاجتماعية، فضلا عن حسن المظهر والتمتع بالقبول الاجتماعي والقدرة على توصيل المعلومة بسهولة، كما أن أهم ما يميز الداعية الجديد هو جمهوره الذي يتكون معظمه من الشباب والنساء الذين ينتمون للشرائح الاجتماعية الأعلى، والذين يبدون في حاجة لتدين، لا يحرمهم من مباهج الحياة التي يملكونها بالفعل، وفي الوقت نفسه يمنحهم نوعا من الدعم الروحي، ويجيب لهم عن الأسئلة التي تتعلق بجدوى الحياة أو الفائدة منها برأي المؤلف، فالاقتصاد يبدو حاضرا بقوة من خلال الخطاب الذي يوجهه بعض الدعاة الجدد لجمهورهم وهو خطاب يبارك الثروة ويجعلها دليلا على رضا الله ويعتبر أن تنميتها هي فعل من أفعال التقرب إلى الله، وإذا دققنا النظر في الجمهور سنجد أنه جمهور كبير ومتعدد، لكن النسبة الغالبة والحضور الأكبر يبقى للشبان والشابات المنتمين للشرائح العليا من الطبقة الوسطى، وهم مؤهلون تأهيلا علميا جيدا، ومعظمهم مهنيون ناجحون يعمل معظمهم في مجالات البنوك وشركات الاتصالات والفروع المصرية للشركات الغربية، وبشكل أو بآخر، سيشكلون النخبة المقبلة في مصر، وإذا كان الأمر لا يخلو من دلالة سياسية، فإنه أيضا يعني أن الاقتصاد يبقى حاضرا وبقوة لدى كل أطراف اللعبة (الرعاة والدعاة والجمهور)

وبخصوص علاقة الدعاة الجدد بالفنانات المعتزلات ورجال الأعمال المتدينين، لا يمكن تركها لتفسر داخل الإطار الشخصي، لأنها علاقة تبادل ودعم بين مراكز تجمع دينية جديدة تختلف عن الجماعات المتشددة، وتختلف أيضا عن المؤسسات الدينية التقليدية، ولعل ما يجمع بين هؤلاء أنهم يريدون أن يتدينوا دون أن يفقدوا ما يتمتعون به فعلا :الشهرة والثروة والنفوذ والمشروعات التجارية

حري بنا التوقف عند بعض أسباب ظهور الدعاة الجدد، كما جاءت في فقرات عدة من الكتاب، ونوجزها في النقاط التالية : ـ حاجة النظام السياسي لطرح نمط جديد من الدعاة الجماهيريين، يسحبون البساط من تحت أقدام الجماعات المتشددة، ذات القوة والنفوذ

ـ حاجة الأثرياء ـ دوما ـ إلى رجل دين يلعب دور المطهر،الذي يحلل الثروة بغض النظر عن طريق جمعها، مع طمأنة هؤلاء أنهم يمكن أن ينالوا الدنيا والآخرة إذا اتبعوا خطوات معينة

ـ فقدان المؤسسة الدينية التقليدية لمصداقيتها وتبعيتها المطلقة للسلطة، وافتقارها للتجديد

ـ حاجة الطبقة الوسطى إلى من يشغل فراغها الروحي وتشجيعها على مزيد من الصعود، ومراكمة الثروة التي تبدو بمثابة السند الوحيد لها في مواجهة مناخ عام لايسمح لها بأي دور سياسي

ـ من الأسباب الأخرى، تلك اللصيقة من وجهة نظرنا بأفول الثقل الميداني للحركات الإسلامية، حيث استشهد المؤلف في هذا الصدد بإحدى التصريحات لمؤسسي حزب الوسط، ومفادها أن ظهور عمرو خالد ـ إذا افترضنا أن هذا الأخير كان فعلا منتميا في يوم من الأيام لجماعة الإخوان المسلمين ـ والدعاة الجدد، هو دليل على فشل الجماعة التي لم يعد خطابها قادرا على استقطاب المزيد من الجماهير الراغبة في التدين، بل إنه دليل أيضا على أن الجماعة لم تعد قادرة على استيعاب الدعاة أنفسهم ممن فضل بعضهم أن يشق طريقه للناس بعيدا عن الجماعة وبعيدا على الخصوص عن الصراعات الداخلية فيها والقيود المفروضة على طموحات وحركة أعضائها سواء من السلطة أو من قيادة الجماعة

كتاب دولة الدعاة الجدد مكتوب بلغة صحافية بسيطة، من دون تعقيدات،ولو أنه اعتمد في المراجع على ما نشرته أسبوعية روز اليوسف المصرية على الخصوص، وكان حريا بالمؤلف الاستفادة مما جاء في أعمال العديد من الكتاب والباحثين ممن تطرقوا للظاهرة، ونذكر منهم الباحث السويسري باتريك هايني الذي حرر ثلة من الأعمال القيمة حول الظاهرة

جدير بالذكر، أن الكتاب صدر عن دار »الخيال«، القاهرية، الطبعة الثانية 2007
عدد الصفحات 187




تابعونا على فيسبوك