عام مضى على غياب نجيب محفوظ تاركاً إرثه الروائي المتنوع والغني والمرافق لحقبة تاريخية هامة في التاريخ المصري والعربي ,هنا قراءة نقدية موجزة لبعض هذا التراث في مساهمة لايفاء هذا الاديب الكبير بعض حقه•
منذ عام رحل الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ عن جائزة نوبل وخمسين عملاً روائياً• ولد في حي الجمالية في قاهرة المعِّز وقضى معظم حياته فيه• وهذا ما أمن له البيئة الانسانية والوسط الاجتماعي الذي ولدت من رحمه معظم اعماله الروائية والقصصية• وربما تكون مجموعته القصصية الأولى "همس الجفون" (1938) دليلاً ومدخلاً تحشدت في ثناياه الابعاد الاجتماعية والمرتسمات النفسية والروحية•وإذا كنا نعود اليوم إلى التأكيد على أهمية نجيب محفوظ في الأدب الروائي العربي والعالمي، فلأنه شكل مدرسة، وكان مؤسساً في حياتنا الأدبية.يقول الروائي المصري جمال الغيطاني في معرض كلام له عن الأدب الراحل نجيب محفوظ ان البعض يقول له انه (أي الغيطاني) بات أحياناً يتكلم مثل محفوظ نتيجة التصاقه به لعدة سنوات متواصلة•
كلام الغيطاني يولد سؤالاً•• قد يكون هو أو غيره يتكلمون مثل محفوظ، ولكن من الروائيين العرب كتب قريباً من بانورامية محفوظ في تاريخه الابداعي الغني والمتنوع• فهو الذي استخلص من تاريخ مصر القديم نصوصاً روائية تجعل من إنسان ذلك العصر جالساً على طبق فضي، واستحضر الصور الاجتماعية المطموسة المعالم الا من شتات وضع منها لوحات أدبية مشعة•
وفي دخوله الى العصر الحديث رافق مصر في كل مراحل تاريخها ما قبل وبعد ثورة 1952، وهو وإن لم يتخذ مواقف صريحة ومعلنة من الوضع السياسي، وإنما قال ما يريد قوله أدباً••
ولعل في "ثرثرة فوق النيل" انموذجاً في كيفية قول الأدب سياسياً• البعض يأخذ عليه انغماسه في أزقة الحارة المصرية، لدرجة ندرة خروجه الى الريف، وكأن هذه الشرنقة التي كانت دون شك بقرار ذاتي منه لم تكن الا وسيلة للفوضى أكثر وأكثر في أعماق الشارع المصري، لنقل آلامه وتصوير أفراحه وتجسيد عاداته، في عملية تختلط فيها الكتابة الروائية في اسلوبها السردي "البلزاكي" مع التأريخ بشكله الذي حاول قدر امكانه أن يكون محايداً في نقله، والذي تختلف الاراء حول مدى نجاحه في هذه الحيادية أو اخفاقه•
لكن ذلك لا يقلل أبداً من أهمية الهرم الروائي الذي بناه على مر السنوات لبنة لبنة بقدرة البنّاء الماهر•
ودون أدنى شك، لولا وجود محفوظ لما كانت الرواية العربية اليوم على ما هي عليه• فهو الذي أسس فعلياً للرواية المصرية، وبالتالي العربية، فقد استلمها من مرحلة هيكل•• وتيمور وآخرين وهي الأقرب الى الحكاية، وكان لاستحلابه الأدب العالمي من الرأسمال ما يؤهل لصناعة• أو للبدء بصناعة عصر روائي جديد• وسيرة محفوظ كسيرة معظم الكبار، لا تخلو من هنات يضعها البعض تحت المجهر وقد يكون محقاً، ويضعها البعض الآخر في دائرة عدم الأهمية•
لكن اللغط الكبير الذي نذكره جميعاً وهو الذي دار حول منحه جائزة نوبل للأدب، والسؤال عما إذا كانت "نوبل" قد أعطته أم أخذت منه؟!•• إذ ذهب البعض "وقد يكون محقاً" الى ربطها بموقفه المرحب من اتفاقيات (كامب ديفيد)• وما قيل يومذاك عن استقباله لأدباء من اسرائيل في منزله•
ولكن هل ينتقص ذلك من قيمة محفوظ الأدبية؟!• بعض وجهات النظر تقول أن الاستحالة هي في فصل الكتابة الأدبية• وهي تصور نسيج مجتمعها عن الوضع السياسي القائم•
ووجهات نظر أخرى ترى في هذا الفعل إذا حدث، زخماً وحرية للنص الروائي تساعد على تحليقه وتألقه•
ولسوف يبقى هذا الجدل قائماً ما دام قد وجد• لكن في مطلق الأحوال يبقى محفوظ هرماً أدبياً شامخاً مصرياً وعربياً من حيث التأسيس والعطاء•
وإذا كان العشرات فقط قد ساروا خلف نعشه يوم رحيله، فان الملايين عايشوا شخصيات أعماله ماضياً، وحاضراً، ولسوف يعايشونها في المستقبل•
عمل نجيب محفوظ في عدد من الوظائف الرسمية حيث عمل سكرتيراً برلمانياً بوزارة الأوقاف من 1938 حتى 1945 ، ثم انتقل للعمل بمكتبة الغوري بالأزهر، ثم نقل للعمل مديراً لمؤسسة القرض الحسن بوزارة الأوقاف حتى عام 1954 ومن ثم تدرج في مناصبه فعمل مديراً لمكتب وزير الإرشاد، ثم مديراً للرقابة على المصنفات الفنية في عهد وزير الثقافة ثروت عكاشة، وفي عام 1960 عمل مديراً عاماً لمؤسسة دعم السينما، بعدها عمل مستشاراً للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتليفزيون عام 1962 ، ثم عين رئيساً لمجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما في أكتوبر 1966 إلى أن أحيل نجيب محفوظ إلى التقاعد في عام 1971 مما جعله ينضم إلى مؤسسة الأهرام وعمل بها كاتباً.
بالنسبة لحياته العائلية فقد تزوج نجيب محفوظ في عام 1954، وأنجب بنتين هما : أم كلثوم، وفاطمة ..
نقل نجيب محفوظ في أعماله حياة الطبقة المتوسطة في أحياء القاهرة، فعبر عن مشاكلها وهمومها في الحياة وتكلم عن أحلامها وتطلعاتها في المستقبل ، وعكس قلقها وتوجساتها حيال القضايا المصيرية .. كما صور حياة الأسرة المصرية البسيطة في علاقاتها الداخلية وامتداد هذه العلاقات في المجتمع المصري وخصوصاً في الأحياء المصرية الفقيرة والتي يعيش فيها المصريون بكل بساطة وسهولة بلا تعقيدات الحياة الحديثة التي سادت في المجتمع الغربي وحتى في بعض المجتمعات العربية ولذلك اتسمت هذه الأعمال بالواقعية الحية التي تعبر عن الحياة الحقيقية بلا مبالغة أو تهويل لكنها لم تلبث أن اتخذت طابعا رمزيا كما في بعض رواياته مثل " أولاد حارتنا" و "الحرافيش" و "رحلة ابن فطوطة".
بين عامي 1952 و 1959 كتب نجيب محفوظ عددا من السيناريوهات للسينما ولم تكن هذه السيناريوهات تتصل بأعماله الروائية التي سيتحول عدد منها إلى الشاشة في فترة متأخرة حيث كان نجيب محفوظ كسيناريست وكاتب بارع حيث بدأ حياته الفنية فى كتابة السيناريو لافلام مثل «لك يوم ياظالم"عام 1951 و"ريا وسكينة" عام 1953 و «درب المهابيل» عام 1955 الى ان توقف عن كتابة السيناريوهات عام 1960 حيث بدأت السينما المصرية فى اخراج رواياته ومن هذه الأعمال " بداية ونهاية" و " الثلاثية" و " ثرثرة فوق النيل" و" اللص والكلاب" و " الطريق " و "زقاق المدق " و " بين القصرين " .
ونستطيع القول بأن (الثلاثية) ملحمة عظيمــة أبدعها محفوظ وتصور الواقع الاجتماعي والتجربة الإنسانية في الحياة وربما تكون أعظم عمل أدبــي قام به نجيب محفوظ في الأدب العربي في العصر الحديث ، فالثلاثية عمل أدبي رائع ويصور حياة ثلاثة أجيال في مصر وهي جيل ما قبل ثورة 1919، وجيل الثورة، وجيل ما بعد الثورة ، فصوّر نجيب محفوظ من خلال روايته أفكار وأذواق وحياة هذه الأجيال ومواقفها من المرأة والعدالة الاجتماعية والقضية الوطنية كما صوّر محفوظ عادات وتقاليد وأزياء وفلكلور وثقافة هذه الأجيال .
وكانت ( أحلام فترة النقاهة ) هي آخر أعمال صاحب جائزة نوبل للآداب الروائي المصري نجيب محفوظ الذي ما زال يثير الدهشة بالقدرة على اقتناص المفارقات والتقاط كل ما يثير روح التحفز في قارئه، خاصة ما يتعلق بالموقف من السلطة حيث ضمن نجيب محفوظ في مؤلفه الجديد صرخة مكتومة حين يتواطأ الجميع على الشعب, ويتحدث محفوظ فيه عن محكمة موضع الاتهام فيه نفر من الزعماء, لكن القاضي يقرر أن يصدر حكم الإعدام في حقه هو الذي حضر الجلسة لمعرفة المسؤول عما حاق بالشعب, ولم تجد صرخاته جدوى أمام تواطىء الجميع عليه !!
ويصرّ الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ على الكتابة، ولو بالاملاء، على سكرتيره الحاج صبري الذي يقرأ له الصحف يومياً فبعدما اشتد ضعف بصره وازدادت رجفة يديه وتدهورت حالته الصحية صار محفوظ لا يستطيع الإمساك بالقلم ليكتب وصار لا يرى الكلمات والسطور ولكنه وبالرغم من ذلك يصر على الكتابة .. كيف لا ؟ وهي التي عاش حياته كلها منها وفيها ولأجلها !!
ترجمت روايته " زقاق المدق" إلى الفرنسية عام 1970 ، ونقل عدد من أعماله البارزة إلى لغات متعددة، ولا سيما الفرنسية والإنكليزية، بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 1988 م وقد حصل نجيب محفوظ على تلك الجائزة في الاداب عن رواية اولاد حارتنا ، وقامت ابنتا الكاتب ( فاطمة وأم كلثوم ) بالذهاب لتسلم الجائزة نيابة عنه .
وكان قد تعرض نجيب محفوظ في أكتوبر عام 1994 لمحاولة اغتيال على يد شاب متشدد لم يقرأ له على الإطلاق , وأثر الحادث على قدرته على الكتابة وعلاقته بمتابعة أمور الحياة إلا عبر أصدقاء وأثر هذا الحادث على طريقته في الكتابة شكلاً ومضموناً حيث أصبح يكتب بصعوبة كما ضعفت علاقته بمتابعة أمور الحياة إلا عبر أصدقاء يقرأون له عناوين الصحف كما فرضت حوله حراسة لحمايته ولكن الحادث دفعه إلى كتابة لوحات جديدة يقطر فيها فلسفته في الحياة ورؤيته للعالم ولكثيرين رحلوا منهم الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي درس محفوظ الفلسفة على يديه والموسيقي المصري الرائد سيد درويش والمطرب الملحن زكريا أحمد وغيرهم ممن رحلوا بعد أن قادوا نهضة فنية وأدبية في العالم العربي مازال الجيل الجديد يغوص في أعماقها ويستمد القوة منها لمواصلة النجاح والنهضة التي بدأها فطاحل كبار منهم الأديب العربي الكبير نجيب محفوظ .