في ذكرى رحيله

اللحظات الأخيرة في حياة لوركا

السبت 01 شتنبر 2007 - 09:44

كانت اللحظات الأخيرة في حياة شاعر غرناطة فدريكو غارثيا لوركا مزيجا من الألم، والخوف، والحزن، وعدم القدرة على مواصلة الإبداع، فغرناطة التي عشقها لوركا عاش فيها آخر أصعب لحظات حياته.

عاد لوركا إلى غرناطة قادما من مدريد في 14 يوليو عام 1936، آنذاك كانت غرناطة مشهدا للإضراب، والاضطراب وتحديدا منذ إجراء الانتخابات في شهر فبراير من نفس العام، فقد جرى إلغاء نتيجة الانتخابات وأجري استفتاء في شهر ماي.

أسفر الاستفتاء عن خسارة الطبقة الوسطى في غرناطة مما أدى إلي انعطافها نحو اليمين المتشدد لترعى بذلك دور المتآمرين.

في هذا الوقت بدأ حزب الكتائب يكتسب قوة مع مضي الوقت، فمنذ شهر مايو كان الكتائبيون على قناعة بأنه بات وقت قليل يفصلهم عن الجمهورية لذا كرسوا جهودهم في جميع أنحاء إسبانيا لنشر عنف الشوارع، حيث ازدادت الاغتيالات في غرناطة فضلا عن المواجهات بين الكتائبيين وبين العمال مما تسبب في توتر الحياة هناك.

عندما وصل لوركا إلى منزله في غرناطة فرح بوجود هاتف هناك وتحدث مع صديقه كونستانتينو رويث كارنيرو مدير تحرير جريدة (دفنسور دي غرناطة) (المدافع عن غرناطة) والتي نشرت خبر عودة لوركا إلى غرناطة في صفحتها الأولى.

عرف المتآمرون أن كاتب (يرما(في غرناطة، كما أن لوركا لم يمكث في منزله ولكنه كان يخرج للتنزه ولتحية معجبيه، وتعبيرا عن سروره بالتواجد في غرناطة بين أصدقائه قرأ لوركا عمله المسرحي ( منزل برناردا ألبا ).

في 20 يوليو ألقي القبض على الاشتراكي مانويل فرنانديث مونتسينوس زوج شقيقة لوركا كونتشا الذي شغل منصب العمودية لمدة 8 أيام فقط، بعد ساعات قليلة استولى المتمردون على وسط المدينة وتم الزج بأغلب الجمهوريين داخل السجن.

وبحلول يوم 23 يوليو سقطت غرناطة في يد المتمردين الذين نشروا حالة من الذعر وأعدموا ألاف الرجال والنساء الأبرياء.

عاش لوركا تلك اللحظات عن قرب نظرا لسجن صهره ففي إحدى المرات ذهب لزيارته إلا أنه عاد للمنزل يبكي فلم يتركوه يدخل لمونتسينوس ويحتمل أنه قد شهد اغتيال عدة أشخاص.

منذ ذلك الحين بدأ لوركا يشعر بأنهم يبحثون عنه، وأكد له ذلك صديقه خوسيه ماريا غارثيا كاريو.

في التاسع من غشت ألقي القبض على غابرييل رويث بيريا وقتها حذر أحد ضباط الحرس المدني لوركا من أن هناك حكما صدر ضده بالإقامة الجبرية لذا لا يمكنه مغادرة المنزل لأي سبب.

انتاب لوركا شعور بالخوف، وتأكد أن المرة المقبلة سيتم القبض عليه وبدأ يفكر لمن يلجأ، خطر بباله لويس روساليس الذي وعده بالحضور لمنزله ووفي بوعده.

في منزل لوركا تم طرح مختلف الوسائل التي يمكن اتخاذها لانقاذ الشاعر، وقد عارض لوركا فكرة الهروب خارج غرناطة خشية الانتقام من والده، ورأى أن الحل الأمثل هو المكوث في منزل روساليس.

هناك لم يتمكن لوركا من مواصلة الإبداع رغم كثرة المشروعات التي كان يفكر بها نظرا للظروف المحيطة فعكف على القراءة.

وكان لوركا قد أخبرروساليس بأنه سينشر (كتاب سوناتات)، فضلا عن نيته في تأليف قصيدة ملحمية بعنوان (آدم) تسير علي نفس خط (الجنة المفقودة) لميلتون.

كل ذلك وأعداء لوركا يقتفون أثره، ففي يوم 15غشت عام 1936 ذهبت مجموعة من الضباط لمنزله في غرناطة بناءا على أمر صدر بالقبض علي لوركا، وبعد تفتيش منزله وعدم العثور عليه هدد قائد المجموعة بالقبض علي والد لوركا وهو ما كان يخشاه الشاعر، إزاء هذا التهديد ردت كونتشا بأن شقيقها لم يهرب ولكنه يقطن في منزل أحد الأصدقاء وهو من حزب الكتائب ويحتمل أن تكون قد تفوهت باسم روساليس.

في صباح يوم الأحد الموافق 16 غشت تم إعدام صهر لوركا بجانب 29 أخرين، كان هذا الخبر بمثابة الصاعقة التي حلت على لوركا فمنذ ذلك الحين انتاب لوركا شعور بالخوف على حياته فإذا تمكن المتمردون من قتل شخص شديد البراءة مثل مونتسينوس فقط لمناصرته للجمهورية ولشغله منصبا سياسيا، فكيف يمكن أن ينجو شاعر- أحمر ( شيوعي)، فمونتسينوس لم يفعل كما فعل لوركا فلم يدل بتصريحات للصحافة مناهضة للفاشية، ولم ينتقد الطبقة الوسطى في غرناطة واصفا إياها بأنها أسوأ برجوازية شهدتها إسبانيا، ولم يكن صديقا حميما لفرناندو دي لوس ريوس السياسي، الاشتراكي أكثر الشخصيات المكروهة في غرناطة، ألم تكن ( يرما) عرضة لانتقادات ساخطة من قبل الصحافة الكاثوليكية؟، والرومانثيرو خيتانو عرضة لانتقادات الحرس المدني؟ وأخيرا تساءل ألا يحتقره العديد نظرا لشهرته كـ مثلي .... أثار هذا الوضع قلق أسرة روساليس وفكرت في أن لوركا يحتمل أن يكون أكثرأمانا في مكان آخر ولكن أين؟، وفضلوا أن يذهب للمنزل الريفي لمانويل دي فايا، إلا أن سرعة العدو كانت أكبر ففي يوم 16 غشت وهو نفس اليوم الذي اغتيل فيه مونتسينوس ألقي القبض على لوركا ضابط يدعى رامون رويث ألونسو وقتها لم يكن في منزل روساليس أي من الأبناء، وعندما وصل ميجل روساليس أخبره رويث ألونسو أن لوركا يعمل لحساب الروس.

أخبر ميغل والدته بعدم إمكانية الحيلولة دون القبض على لوركا وفي الوقت نفسه طمأنها بأنه سيذهب معه لمعرفة المشكلة كان ميغل على ثقة بأن الأمر لم يتعد كونه توجيه عدة أسئلة للوركا.

أما لوركا فقد طلب من ميغل أن يبحث عن شقيقه خوسيه أحد أكبر الكتائبيين نفوذا في غرناطة.

وعند وصولهم إلى مقر الحكومة المدنية في غرناطة علم ميجل أن الحاكم بالديس جوثمان غير موجود.

في المساء وصل لويس وخوسيه روساليس إلى المنزل وعلما بما حدث للوركا وهرعا على الفور إلى الحكومة المدنية لرؤية الحاكم إلا أن نائبه نيكولاس بيلاسكو أصر علي أنه لم يعد بعد.

بعد ذلك دار بين خوسيه وحاكم غرناطة نقاش حاد حيث أكد الأخير أن لديه بلاغا مقدما من رامون رويث ألونسو ضد لوركا يتهمه فيه بأنه يمتلك راديو سريا في منزله كان يستعمله كوسيلة للاتصال مع الروس، وأنه مثلي، وكان يعمل سكرتيرا لفرناندو دي لوس رييس

غادر خوسيه مكتب الحاكم وبعدها تحدث مع لوركا لوقت قصير ووعده أنه سيعود خلال وقت قصير ولكنها كانت المرة الأخيرة التي يرى فيها لوركا
في صباح اليوم التالي 17 غشت حصل خوسيه روساليس علي أمر بإطلاق سراح لوركا من الحاكم العسكري الكولونيل أنطونيو جونثاليث إسبينوسا
وهرع إلى الحاكم الذي أكد له أن الوقت قد تأخر وأنهم قد أخذوا لوركا ونصحه بأن يشغل نفسه بكيفيةالدفاع عن شقيقه لويس لأنه قد خبأ (أحمر) في منزله
إلا أن أنخلينا كوردوبيا غونثاليث مربية أبناء كونتشا كان لها رأي آخر فقد أكدت أنها زارت لوركا في الحكومة المدنية ليومين متتاليين 17 و 18 وفي اليوم الثالث لم يكن لوركا في زنزانته
وبعد شهادة أنخلينا هناك سؤال يطرح نفسه لماذا كذب الحاكم المدني على خوسيه روساليس صباح يوم 17 غشت مؤكدا أن لوركا غير موجود بمبنى الحكومة؟
يبدو أن بالديس قد تردد قبل إعدام لوركا نظرا لشهرته لذا أراد أن يأخذ مشورة الجنرال كيبو دي يانو في إشبيلية الذي يمثل أعلى سلطة متمردة في الأندلس وهو الذي أصدر قرارا بإعدام لوركا
يجب اعتبارالحاكم المدني المسؤول الرئيسي عن وفاة لوركا فكان بمقدوره تجنب كل ما حدث إلا أنه كان يرى لوركا (أحمر) يثير الاشمئزاز ،أيضا يحتمل أن يكون الحاكم قد قتل لوركا ليكون عبرة للآخرين ولبث الرعب في نفوس شعب غرناطة، فإذا كانوا قادرين على اغتيال شخص بقدر لوركا فماذا يسعهم فعله مع أشخاص غير معروفين كالعامل أو السائق على سبيل المثال
ولم يتمكن إيان جيبسون في كتابه عن لوركا من معرفة إذا ما كان هناك حوار قد دار بين حاكم المدينة وبين لوركا أو ما إذا كانت هناك صلة بينهما، فقد توفي الحاكم في مارس عام 1939 متأثرا بإصابته بمرض السرطان وحمل سره معه إلى القبر
أما عن لوركا فقد أخرجوه من الحكومة المدنية مكبلا بجانب شخص آخر ودفع بهما الحاكم داخل السيارة لكي يقودهم إلي محطتهم الأخيرة

وفي فجر يوم 19 غشت عام 1936 أعدم لوركا رميا بالرصاص فلم يتمكن حتى من رؤية غرناطة بعد طلوع الشمس.

ولا يوجد وصف للحظات الأخيرة في حياة لوركا ولكنه من المؤكد أنه قد لاحظ توافق مصيره مع ماريانا بينيدا،وأنه قد فكر في والدته، وفي رحلته للمكسيك التي خطط لها، في عرض مسرحية (منزل برناردا ألبا ) في الخريف، في عمله (هكذا مرت خمسة أعوام) التي ألفها منذ خمسة أعوام.

وتأخرت صحف الجمهوريين في نشر خبر وفاة لوركا لمدة ثلاثة أسابيع وأكد هذا الخبر شهود لاذوا بالفرار من غرناطة.

يذكر أنه بدءا من تاريخ وفاة لوركا لم يكن بمقدور أي شخص في غرناطة التحدث عنه ، كان هناك حاجز من الصمت حول الشاعر بل وصل الأمر لمنع امتلاك كتب لوركا فقد تم تفتيش المنازل لذا تخلص أهل غرناطة من أعماله

أخبار الأدب




تابعونا على فيسبوك