تخطت المرأة المغربية أشواطا مهمة، خاصة في السنوات القليلة الماضية، بفضل نضالاتها المستميتة من أجل تحقيق ذاتها وإبراز مكانتها باعتلاء مناصب كانت فيما قبل حكرا على الرجل فقط، كما أنها ساعدت هذا الأخير وتحملت عناء العمل مكانه ومعه وقامت بإعالة الأسرة بدلا عن
وعلى الرغم من اختلاف أسباب خروج المرأة إلى ميدان العمل، حسب شهادات نساء التقتهن "الصحراء المغربية" في موقع عملهن، بدءا بالعوامل المادية ومرورا بالرغبة الجامحة في مزاولة مهنة ما، ووصولا إلى تحقيق الذات وإشباع الطموح، إلا أنهن يتوحدن حول مبدأ عطاء المرأة سواء في البيت أو العمل، ويؤكدن بأن لها دور في عملها كما في بيتها.
وإذا كانت لبنى الخياطة اضطرت إلى ترك دراستها ومزاولة مهنة الخياطة والتصميم لمساعدة والدها في إعالة الأسرة، فإن نهاد الصنهاجي وهي منشطة برامج في القناة الأولى، وعلى الرغم من أنها دخلت الميدان بمحض الصدفة، إلا أنها مسرورة بعملها وتجد فيه استمتاعا تحقق من خلاله ذاتها وطموحها.
أما السعدية التي تعمل ممرضة، فقد اختارت عملها عن إصرار وحب كبير لهذه المهنة النبيلة، لأنها لطالما كانت تحلم بأداء دور ملاك الرحمة، ولو أن ذلك كلفها اجتياز امتحان القبول خلسة عن والدها، الذي أصر في ذلك الوقت، على أن تتابع السعدية دراستها.
لبنى خياطة : تعلمت الاعتماد على النفس والمثابرة من أجل إثبات الذات
تركت لبنى مسارها الدراسي، وتوجهت إلى إحدى معاهد التكوين المهني من أجل تعلم فنون الخياطة العصرية، درست هناك لمدة ستة أشهر، وانتقلت بعد ذلك من مدينة الرباط إلى الدار البيضاء للقيام بفترة تدريبية، وبعد قضائها مدة شهرين تعلمت خلالها كل أصول المهنة، أدمجت من طرف إدارة الشركة الفرنسية التي تدربت بها، وشرعت في العمل بشكل رسمي.
وعلى الرغم من صغر سنها الذي لا يتجاوز 20 سنة، إلا أن لبنى تعلمت خلال تجربتها العملية القصيرة التي دامت سنة إلى حد الساعة، الاعتماد على نفسها والمثابرة من أجل إثبات الذات، لكي تعيل أسرتها المكونة من ثلاثة أشقاء وأب وأم.
تقول لبنى"لم أندم يوما على ترك الدراسة، لأنني بدأت أحب عملي بشكل كبير، هذا الأخيرالذي مكنني من مساعدة أسرتي وتوفير دخل قار لها، خاصة أن والدي هو المعيل الوحيد للأسرة، وكان لزاما على أحدنا مساعدته".
ومن بين المشاكل التي تعانيها لبنى في إطار عملها، عدم تقاضيها لأجر عن الساعات الإضافية، كما أن راتبها الشهري لا تتوصل به كاملا دون معرفة السبب، إضافة إلى الغموض الذي يلف الاقتطاعات الشهرية والتي من المفترض أن تكون لفائدة التأمين الصحي.
وفي هذا السياق تعلق لبنى "أشعر بتخوف كبير في ما يخص الاقتطاعات الشهرية، ذلك أن العديد من الفتيات اللواتي كن يعملن معي، وجدن بعد خروجهن أنهن لا يتوفرن على تأمين صحي أو تعويضات عن سنوات العمل التي قضينها على الرغم من الاقتطاعات التي كان يعرفها راتبهم".
وتضيف بنبرة خوف من مستقبل مجهول قائلة "أشعر دائما بالتهديد من أن تقوم ربة العمل وهي فرنسية الجنسية بطردي في أي لحظة دون أي سبب مقنع كما أن المسؤولين عن الشركة التي أعمل فيها لا يعترفون بأعيادنا الدينية والوطنية، ما يجعلنا مجبرين على العمل مهما كانت ظروفنا".
وهذه المشاكل التي تعيشها لبنى في مسيرة عملها، لا يمنع من وجود إيجابيات في عملها، تتمثل بالأساس في المعاملة الجيدة، وتوفير المساعدة لأي عاملة سواء في إطار عملها أو على المستوى المادي في حالة طلب قروض، وتعلق قائلة "مثل هذه الأمور هي التي تجعلني استمر في عملي بهمة وحيوية ونشاط، لأن أي مهنة تتطلب أداء ضريبتي الصبر والتفاني في العمل".
وبالنسبة لطموحها تحلم لبنى بأن تؤسس يوما ورشتها الخاصة للخياطة، وقالت وهي تبتسم "الثامن من مارس لا يمثل لي شيئا"، وتبرر لبنى موقفها هذا بكونها تجد كل أيام السنة متشابهة في نظرها ولا تلمس أي شيء مميز في هذا اليوم الذي يعتبر موعدا للاحتفاء بالمرأة المغربية، لكنها ومع ذلك تتمنى لجميع النساء المغربيات، أن يجدن ظروفا أفضل للعمل.
السعدية ممرضة:مهنتي علمتني الكثير والثامن من مارس احتفال بتقدم لمرأة على الرغم من رفض والدها موضوع ترك دراستها وخوض غمار العمل بدعوى ضرورة متابعة دراستها وتحقيق حلمه بأن تكون قاضية أو تحصل على الأقل على شهادة عليا، كانت رغبة السعدية منذ صغرها بأن تصبح ممرضة أقوى من ذلك، فتقدمت بأوراق تسجيلها خلسة من أبيها، كما أجرت الامتحان دون أن يعلم أحد بالأمر، إلى أن تلقت نتيجة الامتحان التي وقعت بين يدي والدها، ولم يكن حينها من داع لإخفاء الأمر عنه، فأخبرته بكل ما جرى معها، ولم يكن أمامه سوى الرضوخ لرغبتها.
بدأت السعدية مسار دراستها في مجال التمريض سنة 1978، وبعد قضاء سنتين من التكوين، تخرجت لتعين بعدها بمستشفى "بوافي" بالدار البيضاء.
كان عملها عبارة عن مراحل قضتها بين قسم الولادة وقسم المستعجلات، مرورا بالمستشفى الجامعي ابن سينا بالرباط، ووصولا كمحطة أخيرة بعد زواجها، إلى المركز الصحي أمل 2 كممرضة مكلفة بالتخطيط العائلي.
تقول السعدية "عانيت مشاكل وصعوبات ومتعددة في هذا المجال الذي اخترته بمحض إرادتي، أولها كان قبل زواجي والتي تمثلت بالأساس في العمل مع أناس لا يتمتعون بحب للعمل الذي يمارسونه ما يجعلهم غير أكفاء بنظري لأنهم يعتبرون مهنتهم مصدر رزق، هذا بالإضافة إلى عملي ليلا ومعايشتي مرات متعددة لحالات وفاة أو إصابات أثرت على نفسيتي، لكنها ساعدتني مستقبلا إذ اكتسبت صفتي الصبر والصمود".
وتضيف قائلة بثقة عالية بالنفس "رغبتي في النجاح في هذه المهنة وحبي لها، جعلاني أتغلب على كل المصاعب حتى بعد زواجي، واضطراري إلى التوفيق بين عملي وواجبي كأم وزجة".
وبالنسبة للإيجابيات التي يمتاز بها عملها، تعتبر السعدية أن مهنة التمريض عمل نبيل وفيه أجر كثير، خصوصا لمن يتفانى ويخلص في تأديته، كما أكدت أنها اكتسبت حب وثقة النساء اللواتي لا يتوانين في طرح مشاكلهن الشخصية عليها، وتعلق قائلة "أنا بدوري أساعدهن على حلها بإسداء بعض النصائح انطلاقا من تجربتي في الحياة، خصوصا الفتيات الحديثي الزواج".
وتتمثل طموحات السعدية في إنشاء جمعية لفائدة الناس المعوزين، هدفها توفير الأدوية والعلاجات الضرورية لهم، وتقديم بعض الخدمات الأخرى بشكل مجاني كالأشعة والتحاليل التي غالبا ما تكون باهضة الثمن، وتقول في هذا الصدد "أحب مساعدة الناس خصوصا المعوزين منهم والمعدومي الدخل، ذلك أنني أصادف حالات من هذه النوعية بشكل يومي، ما يجعلني أتأثر لحالهم وأرغب بمساعدتهم بأقل الإمكانيات".
وتستطرد السعدية الممرضة وهي تسترجع ذكريات ماض قد ولى "لا أمارس عملي بدافع مادي لأن مهنتي تمنحني إحساسا، يجعلني أمنح المرضى شيئا مهما وأساعدهم لدرجة أنني أعتبرهم بمثابة أولادي، حتى وإن كانوا يكبرونني سنا، إضافة إلى أنني أشتاق إليهم عندما أكون في فترة عطلة".
وعن الثامن من مارس، تبرز الممرضة "إنه موعد يذكرني سنويا بالتقدم والمكانة التي بلغتها المرأة المغربية في جميع المجالات وقدرتها على ممارسة عملها بشكل مميز، وبهذه المناسبة أغتنم هذه الفرصة لأهنئ جميع النساء المغربيات على ماحققوه، وأدعوهن لأن يواصلوا مسيرة كفاحهن بدءا من محو الأمية ووصولا إلى اعتلاء مراكز سلطة قوية، لأن المرأة قادرة وعلى الرغم من كل ما يقال على أن تتحكن في زمام الأمور".
نهاد منشطة تلفزيونية : أحب عملي كثيرا وعيد المرأة اعتراف بذاتها وكفاءتها لم يكن ببال نهاد الصنهاجي وهي زوجة وأم لثلاث أطفال، أن تلج يوما الساحة الإعلامية وتصبح من بين ألمع منشطات القناة الأولى، ذلك أنها كانت صاحبة محل لبيع الملابس الجاهزة للأطفال، قبل أن تلج مجال تقديم البرامج والتنشيط .
وتعترف نهاد بأن دخولها الميدان، كان صدفة سنة 2001، بعد أن عرضت عليها إحدى صديقاتها العاملة بهذا المجال، أن تكون ضمن برنامجها النسائي، لأن هذا الأخير كان بحاجة إلى منشطة تهتم بكل ماهو عمل يدوي، ويتعلق الأمر ببرنامج "دنياك تقول نهاد" التي تطل على الجمهور المغربي من خلال برنامجها على القناة الأولى، "شعرت في البداية ببعض التخوف خصوصا وأنني لم أفكر يوما بأن أصبح منشطة، كما أنني فكرت بردة فعل المشاهدين ومدى تقبلهم لي، وبعد تفكير عميق قررت دخول غمار التحدي باجتيازي مرحلة الانتقاء أو "الكاستينغ" الذي وقع فيه الاختيارعلي، وهكذا انطلق مشواري كمنشطة رفقة مجموعة أخرى من السيدات.
هذه التجربة التي دامت ستة أشهر، بعد ذلك بدأت طيلة ثلاث سنوات بإعداد وتقديم البرنامج بصفة فردية بوتيرة بث بشكل يومي ما جعلني مجبرة ولأول مرة على إعداد جميع الفقرات وتقديمها، والحرص على التنويع والتجديد والتطرق إلى مواضيع تشغل بال المرأة المغربية، وإعداد فقرات تصب في مجال اهتماماتها".
وفي وصفها لأول تجربة لها في مجال التنشيط، تعلق نهاد "كانت تجربتي جد ممتعة، لأنني كنت أقوم بعملي بكل تفان وإخلاص وأسدي للسيدات نصائح أطبقها بشكل يومي في حياتي الشخصية، الأمر الذي جعلني أكثر قربا من قلوب الناس، وهو ما تفسره رسائل الشكر والتنويه التي كنت أتلقاها يوميا، وهذا لوحده كفيل بأن يجعلني أتقدم وأعطي أحسن ما عندي".
وعن سبب توقف البرنامج النسائي "دنياك" على الرغم من الاستحسان والمتابعة الكبيرين من طرف النساء، تعزو نهاد الصنهاجي الأمر إلى الشركة المنتجة، وتؤكد أن لا يد لها في هذا الموضوع، لكنها وفي نفس الوقت وجدته مناسبة للتغييروالابتعاد عن النمطية وهذا بالضبط ما أتيح لها من خلال "نغموتاي" سهرة مغربية تجمع بين الفن والثقافة والمتعة في جو دافئ ومغربي أصيل.
هذه التجربة الجديدة التي تخوضها نهاد منذ ستة أشهر، والتي فرضت عليها أن تكون خلاقة ومبدعة، وأن تبحث دائما عن الجديد أكدت الصنهاجي أنها تلقى استحسان الجمهور المتتبع، وقالت "التجربة الجديدة تعتبر المنشط إنسانا يفرض نفسه على المشاهد ولا يأخذ إذنه قبل الظهورعلى الشاشة، لذلك فعلى المنشط الناجح أن يأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار وأن يحسن من نفسه وأن يصقل مواهبه ليكون عند حسن ظن المتلقي".
وعن كيفية توفيقها بين عملها في المجال الإعلامي وبين أسرتها، تعتبر نهاد نفسها محظوظة بفضل المساندة الكبيرة التي وجدتها من زوجها ومن أسرتها ماجعلها تنجح وتستمر إلى هذا اليوم، وتوضح في هذا السياق "بالموازاة مع الدعم الكبير الذي وجدته دأبت أيضا على تنظيم حياتي لخلق نوع من التوازن واستبعاد أي تقصير في حق محيطي الأسري".
وتجد نهاد أن إيجابيات هذا المجال أكثر من سلبياته، إذ تنحصر هذه الأخيرة في الإرهاق والتنسيق مع الضيوف وكيفية تدارك الأمر في حالة غياب بعضه، إضافة إلى التصوير ليلا في بعض الأحيان، أما إيجابياته فتصفها نهاد بالمتعددة والكثيرة وتتمثل بالأساس في الانفتاح على الآخر وفي التعرف على أناس آخرين.
وفي ما يتعلق بطموحات نهاد، فتأمل الاستمرار في العمل بهذا المجال الذي تحس بأنها برزت فيه بشكل جيد، واستطاعت أن تجد مكانا لها وسط الساحة الإعلامية المغربية، إضافة إلى تقديم برامج ثقافية وأخرى خاصة بالأطفال، لتوجيههم والمساهمة في تربيتهم بالشكل الصحيح باعتبارهم جيل الغد.
واسترسلت نهاد الصنهاجي موضحة "آمل أن يشهد ميدان الصحافة تحررا وانفتاحا ويستطيع العاملون به التخلص من عقدة الآخر "أي نظرة المشاهد لهم" التي تجعل طموحهم يبقى محدودا، لأن هذا الأمر يدخلهم في الروتين والتكرار ولا يسمح لهم بالخلق والإبداع والتحرر وابتكار الجديد".
ويمثل 8 مارس بالنسبة لنهاد يوما مميزا يجري الاعتراف فيه بالمجهودات التي تقوم بها المرأة والإنجازات التي حققتها في كافة الميادين، كيفما كان مستواها الدراسي، وسواء كانت في المدينة أو البادية, كما تعتبره يوما تبرز فيه النساء ذواتهن وقدراتهن وكفائتهم .