في يونيو الماضي دعا ستيف بالمر الرئيس التنفيذي لشركة "ميكروسوفت" اجتماعا عاجلا ضم أكبر 15 مديرا تنفيذيا في الشركة والسبب وراء الاجتماع الطارئ تزايد المخاوف من بزوغ شركات عدة مثل "ياهو" و"غوغل" وغيرهما من الشركات الجديدة التي بدأت تستولي على العملاء وتجني
وكان من الطبيعي ان تشعر "ميكروسوفت" بالقلق إزاء بدائل الشبكة هذه ولعل أهم الأسئلة المطروحة خلال الاجتماع هي ان كانت الشركة تواجه بذلك خطرا حقيقيا؟ وما الذي يتعين عليها فعله في حال كان هناك بالفعل خطر يتهددها؟ ومن الأسئلة المهمة كذلك : هل عليها ان تعتمد على الدعاية، الموظفة فعلا في خدمات MSN التابعة للشركة، كمصدر رئيسي لعائدات جميع أقسامها؟ وتناول الاجتماع الذي استمر لأكثر من 14 ساعة كل شيء بداية من نماذج العائدات الى توجهات العملاء ومستقبل الأنترنت وحجم فرص الدعاية المتاحة والسبل التي يمكن للشركة من خلالها أن تحقق التغيير اللازم.
وتوصل مديرو الشركة في نهاية المطاف إلى الإجماع على نتيجة واحدة وهي ان "ميكروسوفت" بحاجة ماسة الى عملية تطوير وتحديث رئيسية وشاملة اللافت في الأمر أن بالمر الذي دعا إلى الاجتماع لم يحضره ولكن تولى مهمة إدارة الاجتماع راي اوزاي، الذي لم يكن قد مضى على عمله في الشركة وقتها أكثر من شهرين، إلا أنه سرعان ما اكتسب ثقة رئيس الشركة ورئيسها التنفيذي ليلقي على كاهله بهذه المهمة الصعبة، وليس هذا بالمستغرب فأوزاي له خبرة طويلة في مجال التكنولوجيا المتقدمة كما أنه المبرمج الذي تتوصل الى ابتكار "لوتس نوتس" أحد أهم الانتصارات في عالم برامج الحاسوب.
وعلى حد تعبير بيل غيتس رئيس الشركة : يصعب بالفعل تصوير مدى أهمية كل ما فعله راي أوزاي من أجل الشركة.
وتركز "ميكروسوفت" أملها اليوم على أوزاي فهي تمر بالفعل بمرحلة صعبة حيث تعرضت أخيرا للإحراج نتيجة تأجيل عملية التطوير التي طال انتظارها لعدد من أهم منتجات الشركة الرئيسية مثل ويندوز وأوفيس حتى عام 2007 .
وبالإضافة الى ذلك تعاني الشركة من تراجعا حادا في قيمة اسهمها منذ عام 2002 إذ بات من الجلي اليوم ان وول ستريت، شارع المال والأعمال، لم يعد يرى ان أمام "ميكروسوفت" مجال للمزيد من النمو .
لكن الشركة مازالت الى اليوم تحقق مستويات ربحية مرتفعة، اذ وصل متوسط النمو السنوي للأرباح إ لى 33٪ على مدى الأعوام الثلاثة الماضية.
وبلغت عائدات الشركة في العام الماضي نحو 12،3 ملايير دولار بهامش ربح صافي 31٪ بيد أن المستثمرين اليوم أكثر اهتماما بشركات مذهلة الأداء مثل "غوغل" التي نمت عائداتها بمعدل 92 % في العام الماضي لتصل إلى 6،1 مليار دولار.
وتواجه الشركة تحديات هائلة على صعيد التخطيط الاستراتيجي، اذ عليها أن تجد الطريقة التي تمكنها من مواجهة منافسيها في مجال برامج الحاسوب، كما يجب أن تتوصل الى وسيلة تساعدها على كسب ميزات تفوق شركات الأنترنت مثل "ياهو" و"غوغل" المتمثلة في قدرة هذه الشركات على تحديث منتجاتها وقتما تشاء.
وفي ظل المتغيرات الراهنة أدرك كل من غيتس وبالمر أن عليهما العمل بجدية لاستعادة "ميكروسوفت" سابق ريادتها، فمن جانبه قال غيتس : إنه مل من سماع عبارات تكرس لـ "غوغل" باعتبارها "الزعيم المفكر" في عصر الأنترنت
أما بالمر فيرى ان "ميكروسوفت" هي الأحق بالريادة فهي تملك التقنية ولديها من الخبرة ما يفوق الآخرين.
يسهل من كل ما سبق ان يدرك المرء طبيعة المهمة الملقاة على عاتق اوزاي اذ عليه ببساطة ان يضافر كل برامج ميكروسوفت سواء للعملاء أو الشركات مع قوة الشبكة الأخذة في النمو.
وقال أوزاي : "لا بد لكل شيء نقوم به لا بد ان يكون له وجود على الشبكة"
وبادرت الشركة بأول خطوة كبيرة لها في مجال تطوير منصة العمل الهجيني الجديدة في نوفمبر الماضي بإطلاق موقع "ويندوز لايف"( Windowds Live )الذي يتضمن خدمات البحث الجديدة للشركة إضافة إلى الأخبار والبريد الإلكتروني.
ويرى اوزاي ان "ميكروسوفت" ستتمكن من مواصلة بيع كميات ضخمة من برامج الحاسوب في ذات الوقت الذي ستكسب فيه الكثير من وراء خدمات الاعلان
بيد ان هذه الطموحات الكبيرة لن تكون سهلة المنال فهي من جهة عالية التكلفة، فصناعة برامج الحاسوب التي كانت تعد من القطاعات منخفضة رأس المال لن تبقى كذلك، إذ سيتعين على "ميكروسوفت" بناء شبكة عالمية من الخدمات كي يتسنى لها مد خط منتجات على الشبكة، وسيكلفها بناء هذه الشبكة اموالا طائلة.
لكن "ميكروسوفت" على أي حال لا تعاني قصورا في السيولة فالتقديرات تشير الى احتفاظ الشركة بسيولة بلغت نحو 35 مليار دولار في الربع الثاني من العام الجاري
ولا تعد هذه المرة الأولى التي تبادر فيها "ميكروسوفت" الى مثل هذه النقلة العملاقة عالية الخطورة في استراتيجيات عملها الرئيسية فعلى مدار العقود الثلاثة الماضية خاضت الشركة 3 مغامرات مماثلة.
فحسب بالمر وغيتس، فإن تعيين اوزاي كان حلما راودهم قبل عقدين على الأقل تحقق أخيرا ليعزز ذلك آمالهم في تطوير أداء الشركة التي بدأت تفقد سابق ألقها
وكان اوزاي قد بدأ العمل لدى شركة "لوتس" في الثمانينات ثم تركها عام 1995 بعد أن قامت شركة IBM بشرائها ليفتح شركته الخاصة "جروف نيتوركس".
ونجحت "ميكروسوفت"، بعد محاولات عديدة، في شراء شركة أوزاي في مارس الماضي
ويرى المراقبون ان أهم ما يميز اوزاي هو قدرته على الانخراط مع العاملين في الشركة بصورة أكثر تقاربا وحميمية من غيتس، فمن الصحيح ان بيل غيتس يسعى دوما إلى خلق أجواء الألفة في شركته إلا انه يبقى في أعين موظفيه الرجل الأغنى في العالم مما يجعل التواصل معه أمر فيه بعض الصعوبة بالنسبة لهم.
وأثبت اوزاي مهارته وتميزه من أول مهمة ألقاها على عاتقه بالمر والمتمثلة في اكتشاف روح "ميكروسوفت" الحقيقية وأهم التقنيات التي ترتكز عليها في عملها
وقال كيفن جونسون رئيس "ويندوز" و"ام اس ان" : ان ما يميز اوزاي حقا هو اهتمامه بالعميل قبل التقنيات الممكنة.
وأمضى اوزاي أسابيع عدة في البحث عن أهم مشكلات الشركة فتحدث مع غيتس وخلص الى كتابة مذكرة من 51 صفحة شملت رؤيته حول الطريقة التي يجب ان تركز بها "ميكروسوفت" اهتمامها على خدمة العميل والوفاء بمتطلباته
وناقش خطته هذه مع العاملين في الشركة خلال اجتماع "ميكروسوفت" الطارئ في يونيو الماضي.
وكان بالمر قد اقترح الا يحضر هو ولا غيتس الاجتماع ليتيسر على العاملين في الشركة انتقاد الأداء ومناقشة الخطة بكل حرية، وهذا ما حدث فعلا اذ لم يجد المديرون أي حرج في غيابهما من ذكر قصص الإخفاقات السابقة لـ "ميكروسوفت" وما وقعت فيه الشركة في الماضي من أخطاء تكتيكية واستراتيجية.
وتم خلال الاجتماع الاتفاق على حاجة الشركة الماسة إلى التطوير ومواكبة عصر الانترنت لتمكن من الحفاظ على ريادتها في عالم التكنولوجيا المتقدمة
وعقد بالمر اجتماعات عدة لاحقة للبحث في تفاصيل جدول الأعمال اللازمة لتنفيذ خطة أوزاي.
ويحق للشركة ان تشعر بكل هذه الحماسة فسوق الإعلان العالمي يزيد حجمه على نصف تريليون دولار تبلغ حصة قطاع برامج الحاسوب منها نحو 120 مليارا.
ورغم ان حصة الانترنت من الإنفاق الإعلاني لا تزيد على 3،6 في المائة الا أن خبراء القطاع يتوقعون لها النمو لتصل إلى 20 في المائة، أي ما يعادل حجم متابعي الإعلام على الشبكة، وبالطبع فإن هذه النسبة مغرية بلا شك.
وكان بالمر قد أعلن في منتصف شهر سبتمبر الماضي عن خطة تعديلات منهجية لاطار العمل وعين اوزاي رسميا رئيسا لقسم التكنولوجيا في الشركة.
ومن أهم التعديلات، التي جرى اتخاذها دمج خدمات "أم أس أن" و"ويندوز" في منصة عمل جديدة وتعد هذه أول خطوة حقيقية توضح نية "ميكروسوفت" الحقيقية في التحول إلى عالم الأنترنت.
وطلب بالمر من جونسون التعاون مع اوزاي في تنفيذ خطته، وكان جونسون يدير سابقا مبيعات "ميكروسوفت"، وهو يتشارك مع أوزاي في رؤيته الخاصة بوضع متطلبات العميل على رأس أولويات الشركة.
ويستطيع المرء ان يلمس التقارب الهائل في فكر اوزاي وجونسون وبوضوح منذ أول اجتماع معهما إذ يكاد أحدهما أن يكمل الآخر.
واتخذ بالمر خطوة سديدة أخرى في الماضي بتعيين كيفن تيرنر، الذي كان يعمل سابقا في وول مارت، في منصب رئيس التشغيل التنفيذي، المنصب الذي ظل شاغرا منذ عام 2002 .
وفي بداية نوفمبر الماضي أقام غيتس واوزاي مؤتمرا صحافيا للإعلان عن بعض منتجات وخدمات الشركة الجديدة وبعد 6 أشهر جرى اطلاق موقع Windows .
ما من شك هناك في ان عملية التحول هذه تنطوي على مصاعب وتحديات عدة بالنسبة للشركة التي تضم أكثر من 70 ألف موظف، فالعديد من الخدمات الجديدة للشركة تتطلب التعاون الوثيق بين أقسام الشركة المختلفة.
وهذا من شأنه بطبيعة الحال أن يزيد الضغوط على العاملين في الشركة ومن الخدمات الجديدة التي بدأت توظفها "ميكروسوفت" خدمة البريد الإلكتروني الخاصة بالشركات والمنظمات الكبرى، وتقوم فكرة هذه الخدمة على استخدام شبكة المخدمات الخاصة بموقع "ويندوز لايف" لاستقبال البريد الإلكتروني بحيث لا تضطر الشركات لتشغيل هذه الرسائل والاحتفاظ بها على خادماتها الخاصة كما هو الحال مع "ميكروسوفت اوتلوك"
ويعمل فريق "أم أس أن" في الوقت الحاضر على إنتاج 20 منتجا جديدا سيكشف عنها النقاب خلال العام الجاري.
ورغم ضخامة البنية التحتية لميكروسوفت في الوقت الحاضر إلا ان اوزاي يرى أنها تتضاءل وإلى حد كبير إذ ما قورنت بما ستحتاجه في المستقبل عندما يعتمد الجميع على الانترنت في متابعة الفيديو وبقية المنتجات الفنية بالبيانات.
وأكد ان ارتفاع تكلفة الدخول الى عالم خدمات الشبكة واعداد البنية التحتية اللازمة لذلك من شأنه أن يحد المنافسة في القطاع مما يفتح المجال أمام "ميكروسوفت" القادرة على إنفاق المبالغ الهائلة على مثل هذا الاستثمار لتحقق الريادة وتحتكر القطاع
ويتعين على "ميكروسوفت" أن تتحرك بسرعة قبل ان تبدأ "غوغل" أو "ياهو" في تقديم خدمات واسعة النطاق للشركات عبر الشبكة.
فحتى الوقت الراهن اقتصر تفكير الشركتين على خدمات المستهلك للفرد لكن هناك قناعة متزايدة في وادي السيليكون بأن "غوغل" على الأقل ستطلق وفي وقت قريب خدمة بريد الكتروني خاصة بالشركات تعتمد على البنية التحتية لخدمة "جي
ميل"( G mail )الحالية.
وبحسب الشائعات تملك غوغل ملايين الخادمات في مختلف أنحاء العالم وهي تعد اليوم أكبر مستهلك للكهرباء في أكبر الولايات الأميركية، إلا ان "غوغل" رفضت إلى الآن التعليق على هذه الأقاويل.
وتخطط "ميكروسوفت" لاستخدام شبكة المخدمات الخاصة بها لتوفير خدمة تخزين كميات ضخمة من البيانات الرقمية لمن يرغب في ذلك، وتحمل خدمة الشركة الجديدة اسم Live Drive التي ستتيح تخزين الأفلام والموسيقى والمؤتمرات المسجلة وسيمكن للمستخدم الوصول على هذه البيانات من أي مكان في العالم وبوساطة أي وحدة استقبال.
وتتشابه خطط "ميكروسوفت" إلى حد كبير مع خطط "غوغل" على ما يبدو اذ تسربت وثيقة داخلية خاصة بالشركة على الشبكة في مارس الماضي ويظهر من خلالهما ان الشركة تسعى إلي توفير خدمة تخزين بيانات المستخدمين بنسبة تصل إلى 100 في المائة وستحمل الخدمة بحسب الوثيقة اسم Gdrive .
من جانبه يرى اوزاي ان الوقت مازال مبكرا للحكم على تأثير جهوده على الأداء العام لـ "ميكروسوفت"، فعلى سبيل المثال تم تصميم برنامجي "ويندوز" و"اوفيس" الجديدين قبل أن تغير الشركة اتجاهها العام بوقت طويل فعندما يخرج البرنامجان إلى النور لن يعتبر مقياسا لتوجه الشركة الجديد.
وحتى عندما تبدأ انعكاسات نهج أوزاي في الظهور فلا يوجد ما يضمن نجاحها فمن المعروف ان خبرة أوزاي السابقة انحصرت في مجال تطوير برامج الحاسوب لقطاعات الأعمال لا للمستخدم الفرد، كما هو الحال بالنسبة لـ "ميكروسوفت"
كما أنه لا خبرة لديه في مجال الإعلانات.
ولذا في حال نجحت خطته ستكون وظيفته بذلك أقرب الى الدور التاريخي لغيتس والقائم على وضع الاستراتيجيات ومتابعتها لمساعدة العاملين لديه على تنفيذها يوما بيوم
ويشعر غيتس اليوم بحرية أكبر مع وجود اوزاي، اذ بات بإمكانه قضاء المزيد من الوقت في عمله كسفير لميكروسوفت لدى رؤساء الشركات التنفيذيين ورؤساء الحكومات
كما اتاح له وجود اوزاي المزيد من الوقت للاهتمام بأنشطة مؤسسة بيل دمليندا غيتس الخيرية.
لكن هل يعني تنامي أوزاي داخل "ميكروسوفت" تراجع صورة غيتس؟ لدى توجيه هذا السؤال لبيل غيتس أجاب : "إن الصورة الكاملة لاستراتيجية ميكروسوفت الرئيسية لا تعد أبدا مهمة رجل واحد واستطرد موضحا أن هناك على الأقل خمسة أشخاص يأتمنهم على هذه المهمة بداية به هو شخصيا ثم أوزاي.