كشف هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، أن الجريمة والعنف يستنزفان ما بين 5 و7 في المائة من الناتج الداخلي الخام للمغرب سنويا، وذلك وفق ما يقدره مؤشر السلام العالمي.
وأوضح ملاطي أن هذه الأرقام المتوفرة، ورغم محدوديتها، تعطي صورة عامة، وتفرض التأمل، مضيفا بالقول «إنها مليارات من الدراهم لا تذهب إلى المدرسة، ولا إلى المستشفى، ولا إلى تشغيل الشباب، ولا إلى تنمية المغرب الصاعد، بل تستنزفها أعباء الجريمة المباشرة وغير المباشرة. وهي في عمقها، ليست أرقاما اقتصادية فحسب، بل فرص ضائعة وصورة من التنمية المؤجلة».
وأبرز المسؤول بوزارة العدل، في كلمته خلال ورشة علمية حول «المنهجيات العلمية لقياس تكلفة الجريمة»، نظمها المرصد الوطني للإجرام المحدث لدى وزارة العدل، بشراكة مع المركز الوطني لمحاكم الولايات المتحدة (NCSC) ودعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD)، يومي 28 و29 أبريل 2026، بسلا، أن المغرب اليوم يشتغل على مشروع إحداث إطار مؤسساتي متخصص لتدبير الممتلكات المحجوزة والمصادرة، يندرج ضمن الدينامية الإصلاحية الكبرى التي تعرفها السياسة الجنائية المغربية، ويترجم منطقا اقتصاديا حديثا في تدبير عائدات الجريمة.
وأكد، في هذا الصدد، أن قياس تكلفة الجريمة لا يكتمل دون التفكير في الجانب الآخر من المعادلة، أي الإمكانيات المتاحة لتحويل عائدات الجريمة ذاتها إلى مورد عمومي، قائلا «فبقدر ما تشكل الجريمة عبئا اقتصاديا واجتماعيا .. بقدر ما تفتح آليات استرداد الأصول وتدبيرها أفقا لتحويل جزء من هذا العبء إلى منفعة مباشرة للضحايا، ودعم لمنظومة الأمن والعدالة، واستثمار اجتماعي وتنموي».
وعرج ملاطي على الأرقام الصادرة عن المؤسسات الدولية، حيث تكشف أن الجريمة والعنف يستنزفان الاقتصاد العالمي بما يفوق عشرين تريليون دولار سنويا، أي ما يعادل حوالي 13 في المائة من الناتج الداخلي الخام العالمي، وفق تقديرات معهد الاقتصاد والسلام التي يستند إليها المنتدى الاقتصادي العالمي، مضيفا أن الفساد لوحده، حسب الأمم المتحدة والمنتدى الاقتصادي العالمي، يمثل ما يقارب 5 في المائة من الناتج العالمي، أي أكثر من 2600 مليار دولار سنويا (ضريبة خفية على التنمية، وعبء ثقيل على الأجيال الحاضرة والمستقبلية).
واعتبر المتحدث أن أعمق ما تكشفه الأبحاث الدولية ليس في حجم هذه الأرقام، بل في بنيتها «فحسب الدراسات المرجعية لوزارة الداخلية البريطانية، تمثل التكاليف غير المادية أي معاناة الضحايا، والصدمات النفسية، وفقدان جودة الحياة، وتآكل الثقة المؤسساتية، ما بين 40 و60 في المائة من التكلفة الإجمالية للجرائم العنيفة. بمعنى آخر، الجزء الأكبر من تكلفة الجريمة لا يظهر في الميزانيات العمومية، ولا في الإحصائيات التقليدية».
وشدد المسؤول بوزارة العدل على أن «قيادة الإصلاحات الطموحة وضمان جدواها الفعلية يستوجبان توفر أدوات منهجية دقيقة، وهو ما يفسر اختيار المرصد الوطني للإجرام إدراج قياس التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للجريمة ضمن أوراشه الاستراتيجية، وفق مقاربة برنامجية متدرجة تستكشف زوايا تحليلية متعددة تتمثل في الاقتصاد الكلي، والكلفة حسب نوع الجريمة، وتحليل تدفقات منظومة العدالة، وتكلفة الضحية».
وجاء تنظيم الورشة، والتي شارك فيها أكثر من 50 ممثلا للمؤسسات الشريكة من قطاعات الأمن والقضاء والإحصاء والمالية وإلتقائية السياسات العمومية، إضافة إلى خبراء جامعيين وباحثين، في سياق إصلاحات عميقة تعرفها السياسة الجنائية المغربية، أبرزها قانون العقوبات البديلة رقم 22.43، الذي دخل حيز التنفيذ في غشت 2025، وقانون المسطرة الجنائية الجديد، وإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة.
وأسفرت الورشة عن مخرجات عملية مهمة، تمحورت حول إعداد دراسة وطنية شاملة حول تكلفة الجريمة بالمغرب تكون مرجعا لصنع القرار العمومي، وتكوين فرق بحث وطنية متخصصة في منهجيات قياس تكلفة الجريمة، وإحداث قاعدة بيانات وطنية موحدة لتجميع المعطيات المتعلقة بالجريمة من مختلف القطاعات، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات في مجال تقييم السياسات الجنائية.