يقول رشيد بناني، إنه حينما يقابل المرء أحمد الطيب لعلج ماشيا في الأسواق، فإنه يبارك التحية والسلام، ويرد بأحسن منها، بعبارات مغربية وبلاغة شعبية، لم تعد متداولة، ومن دون شك، فإن دماثة خلق هذا الرجل، سلوك للفنان الذي يتبادل المحبة مع جمهوره، غير أن عباراته
ويرى رشيد بناني كباحث في التراث، أن حفاظ أحمد الطيب لعلج على تلك الدماثة والسلوك الأصيل أمر ليس بالغريب، إذ هو ابن الشعب الأصيل، ولد سنة 1928 في حي الخراشفيين في قلب مدينة فاس العتيقة، مشيرا، أن ذلك ما يذكر الطيب لعلج في كل مجالسه ممارسته خلال طفولته لحرفة النجارة والتجارة، وفي وسط معلم ومحترف هذين المهنتين الشعبيتين، تمرس لعلج على حفظ حكاوي الصناع والحرفيين، متشربا أدبهم الشعبي، وحكاياتهم الجدية وهزلهم الهادف، وشعرهم الملحون وبلاغة لغتهم وسلوكاتهم الطيبة الأصيلة.
وأفصح بناني في هذا الإطار، عن أن "الدارجة"المغربية، كانت ومازالت لغة للأدب الشعبي وبواسطتها تواصل التجار والصناع وعبروا من خلالها عن التفاصيل التقنية الدقيقة لحرفهم وأدوات عملهم، وبواسطتها كان شعراء الملحون، ينظمون ورواة الحكايات والأمثال ينسجون، وبها كان الحكماء يصوغون حكمهم، والأطباء الشعبيون يلخصون تجاربهم، وبها كانت النساء في الخدور ينسجن أقاصيصهن وأغانيهن الرهيفة، كما كانت تصاغ من خلالها آداب وأذكار الزوايا، والطرق الصوفية، وكان من خلالها رواة تراث هذه اللغة حفظة لكنوز لا تقدر .
وأشار رشيد بناني، إلى أن نشأة أحمد الطيب لعلج وترعره في حضن المدرسة المغربية الأصيلة، جعلته يتشرب من لبنها، ويتلقى على يد حفظتها تكوينه الأول الذي طوره وأبدع منه في ما بعد، إلى أن أضحى وحده موسوعة حية من الشعر، والحكايات والأمثال والتجارب والقوالب الفنية، ومثلما يتمثل هذا التراث الصادق في ذاكرة هذا الفنان، فإنه ينطبق على مختلف مناحي حياته سواء داخل أسرته ووسط أبنائه، أو مع أصدقائه ومحبيه، وهو الحال نفسه مع إبداعه الذي أمتع من خلاله عموم الناس في فنون الزجل والدراما في حدود المغرب وخارجه.
وإلى جانب أصالة شخصيته، وغنى ذاكرته الشعبية، يمتاز أحمد الطيب لعلج في نظر بناني، في قدرته الخارقة، على الحكي وتصوير المواقف ونظم الأزجال وترصيف الحوارات والتمثيل والانبساط، إذ مارس أحمد الطيب لعلج مواهبه منذ انخراطه في صفوف الفرقة التمثيلية الهاوية في مدينة فاس، بداية الأربعينيات من القرن الماضي، ليشارك آنذاك بفنه في عمل الحركة الوطنية، حيث سجن وعذب حين قدم مسرحية "الحاج بناصر، رئيس الغرفة التجارية"في احتفالية عيد العرش سنة 1951 .
وجرى في صيف 1952 بحسب رشيد بناني، قبول الطيب لعلج بمدرسة المعمورة للمسرح، ورغم أنه التحق بها، باعتبار مهنته كنجار لإنجاز الديكور، فإن غزارة مواهبه الفنية وثقافته الشعبية جعلته يبرز كقوة باهرة، لذا لم يكن غريبا حين اقترح لعلج مخزون ذاكرته الأصيلة على مؤطري خلية التأليف وأساتذتها، لأن يتخلى الجميع عن الأسلوب الدرامي، الذي كانوا سائرين فيه، ويتركوا بشكل نهائي تقليد قصص وأسلوب الأفلام المصرية التي كانوا ينسجون على منوالها، لأن يتجهوا نحو الرصيد الحكائي المغربي القديم، الذي نبهتهم إليه نباهة أحمد الطيب لعلج ليبدعوا اعتمادا عليه أسلوبا دراميا غير مسبوق أصبح فيما بعد الأسلوب الدرامي المغربي بامتياز .
واعتبر بناني، أن النتائج الفنية للطيب لعلج كانت سارة ومفاجئة للجميع، إذ استطاعت من خلالها مدرسة المعمورة، لأن تمنح المسرح المغربي أعماله الأولى التي نالت عند عرضها نجاحا باهرا، سواء بداخل المغرب أو بعدد من المهرجانات الدولية، ومن ضمنها مسرحية "المعلم عزوز«، المقتبسة سنة 1955 عن "حلاق اشبيلية"لبومارشي، والتي وصفها أحد الصحافيين الفرنسيين بـ "حلاق فاس«، هذا بالإضافة إلى مسرحية "جحا«، المقتبسة عن حيل "سكابان"لموليير والتي كانت عرضت بنجاح في مهرجان مسرح الأمم في باريس.
وبعد مرور ما يفوق عن 50 سنة على هذه الإنجازات الدرامية، وبعد تتابع تجارب وإنجازات مسرحية عديدة بصمت مسرحنا المغربي بطوابعها المتعددة، فإن أحمد الطيب لعلج، ما يزال يكتب من المرجعية الأصيلة نفسها، أعمالا بالعربية والفصحى والدارجة، يطبع بعضها في منشورات وكتب وينجز بعضها الآخر فوق الخشبة، ومنها ما ترجم إلى لغات عالمية ولقي اهتماما متزايدا.
وكما أبدع أحمد الطيب لعلج وتميز في المسرح فإنه في نظر بناني كان فارسا متفوقا في الزجل والشعر الشعبي، وكلمات الأغاني، إذ عايش ميلاد الأغنية المغربية العصرية في عهد روادها محمد فويتح وعبد الرحيم السقاط، ومحمد المزكلدي، والمعطي بنقاسم، وبعدهم عبد الوهاب الدكالي، وعبد الهادي بالخياط، إذ كتب لكل هؤلاء أغان ظلت راسخة في عقول المغاربة ووجدانهم، وهو ما يزال إلى اليوم يسهم في إغناء الديوان الزجلي، والأغنية المغربية صحبة فنانين من الجيل الجديد من ضمنهم نعيمة سميح، ونعمان لحلو، ولطيفة رأفت وأحمد العلوي.