أزنـــزار .. حين يتحول المشجع إلى سفير للثقافة المغربية فـي ملاعـب العالم

الصحراء المغربية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 12:35

ليس من الصعب أن تتعرف عليه وسط آلاف المشجعين في مدرجات كأس العالم، إذ يكفي أن تقع عيناك على الراية الأمازيغية المرفوعة عاليا، أو تسمع نغمات آلة "الأرمونيكا" وهي تعزف أهازيج أمازيغية وسط جماهير جاءت من مختلف القارات، حتى تدرك أن عبد الله أيت الصديق، المعروف بلقب "أزنزار"، حاضر مرة أخرى.

حضوره لا يشبه حضور المشجعين التقليديين؛ فهو لا يسافر فقط لمؤازرة المنتخب الوطني المغربي، بل يحمل معه مشروعا ثقافيا متكاملا يجعل من كرة القدم منصة عالمية للتعريف بالهوية الأمازيغية والمغرب بتعدده الثقافي.
ينحدر أزنزار من منطقة أيت إبراييم، التابعة للجماعة الترابية بونعمان بإقليم تيزنيت، حيث تشكلت أولى ملامح شخصيته المرتبطة بالأرض والثقافة الأمازيغية. ومع انتقاله إلى أكادير، وجد في مدرجات حسنية أكادير فضاء لصقل شغفه بكرة القدم، قبل أن يتجاوز حدود الملاعب المحلية، ليصبح واحدا من أشهر الوجوه المغربية في البطولات القارية والعالمية.
في النسخة الثلاثية لكأس العالم 2026، عاد أزنزار إلى الواجهة بتحد جديد، لكن هذه المرة من شوارع المكسيك. فبعد تعذر حصوله مرتين على تأشيرة دخول الولايات المتحدة الأمريكية، لم يتخل عن حلمه في مواكبة "أسود الأطلس"، واختار السفر إلى المكسيك ليواصل رسالته. بالنسبة إليه، لم تكن الرحلة مرتبطة بنتيجة مباراة أو تأهل منتخب، بل بإيمان راسخ بأن الحضور في المونديال فرصة لتقديم صورة أخرى عن المغرب، صورة بلد يمتلك حضارة ضاربة في التاريخ وثقافة أمازيغية حية، كما يروي لـ"الصحراء المغربية".
يتنقل أزنزار بين الجماهير حاملا العلم الوطني إلى جانب الراية الأمازيغية المكتوبة بحروف تيفيناغ، ويعزف على آلة "الأرمونيكا" أغانٍ أمازيغية تثير فضول المشجعين الأجانب، فيتوقف كثيرون لالتقاط الصور أو لطرح الأسئلة حول معنى حرف "ⵣ" واللغة الأمازيغية وتاريخها. وهكذا تتحول دقائق الانتظار قبل المباريات إلى جلسات حوار ثقافي عفوية، يكون فيها المشجع المغربي مرشدا ثقافيا أكثر منه مشجعا رياضيا.
لا تقف رسالة أزنزار عند حدود المدرجات. ففي كل بطولة عالمية، يحرص على أن يترك أثرا ثقافيا دائما. 
خلال مونديال روسيا 2018، عمل على الترويج للمؤهلات السياحية والثقافية للمغرب، وفي كأس العالم بقطر 2022، بادر إلى توزيع كتب تعرف بالثقافة الأمازيغية، قبل أن يكرر التجربة في المكسيك سنة 2026، بإهداء مؤلفات عن الثقافة الأمازيغية والسياحة المغربية إلى مكتبة "Biblioteca Vasconcelos"، إحدى أكبر المكتبات في أمريكا اللاتينية، في مبادرة تحمل دلالة رمزية مفادها أن المعرفة، مثل كرة القدم، لغة عالمية تتجاوز الحدود.
يرى أزنزار أن الملاعب أصبحت فضاءات للتواصل بين الشعوب، وأن المشجع يستطيع أن يؤدي دورا ثقافيا موازيا للدور الذي تؤديه المؤسسات الرسمية. لذلك يوثق جميع رحلاته ومبادراته عبر تسجيلات مصورة باللغة الأمازيغية، ينقل من خلالها تفاصيل تجربته إلى جمهوره، مؤمنا بأن الهوية لا تُصان بالشعارات فقط، بل بالممارسة اليومية والحضور الفعلي في المحافل الدولية.
لا يخفي أزنزار تقييمه النقدي لتجارب المونديال المختلفة، فهو يعتبر أن مونديال روسيا 2018 منح الجماهير هامشا واسعا للتعبير عن هوياتها الثقافية، بينما فرض مونديال قطر 2022 قيودا تنظيمية وأمنية حدّت، في نظره، من إظهار بعض الرموز الثقافية. أما مونديال 2026، الممتد بين المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، فيراه فضاء أكثر انفتاحا، يعكس التعدد الثقافي للدول المستضيفة، ويمنح المشجعين فرصا أوسع للتعبير عن خصوصياتهم.
ليست قصة أزنزار حكاية مشجع يطارد منتخب بلاده عبر القارات، بل هي سيرة رجل أعاد تعريف معنى التشجيع الرياضي، ففي زمن أصبحت فيه المدرجات فضاءات للصخب والمنافسة، اختار أن يجعل منها جسرا للحوار الثقافي. وبين الأعلام والأناشيد، وبين المدرجات والمكتبات، نجح في أن ينسج لنفسه هوية خاصة، جعلت منه سفيرا غير رسمي للثقافة الأمازيغية، ورسولا يحمل صورة المغرب المتعدد إلى العالم.
لم يعد لقب "أزنزار" مجرد اسم يتردد في الملاعب، بل تحول إلى رمز لمشجع يؤمن بأن الانتصار الحقيقي لا يتحقق فقط فوق المستطيل الأخضر، بل عندما تنجح ثقافة شعب في أن تجد لها مكانا بين ثقافات العالم، وفق تعبيره.

 

 

 سعيد أهمان 




تابعونا على فيسبوك