احتضنت العاصمة الرباط، اليوم الثلاثاء، لقاء مؤسساتيا رفيع المستوى بمناسبة الاحتفاء باليوم الدولي للمرأة في القطاع البحري 2026، وذلك في إطار سلسلة من الأنشطة واللقاءات المهنية المنظمة من طرف جمعية Morocco WIMA بشراكة مع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو).
وشكل هذا اللقاء، الذي عرف مشاركة مسؤولين وخبراء وممثلات عن مؤسسات وطنية ودولية وفاعلين من المنظومة البحرية والمينائية، مناسبة لبحث سبل تعزيز حضور النساء داخل القطاع البحري، والانتقال من منطق الترافع النظري إلى بلورة ممارسات مهنية ومؤسساتية عملية، ترتكز على الابتكار والرقمنة والاقتصاد الأزرق والقيادة النسائية باعتبارها روافع أساسية لتحديث القطاع وتعزيز تنافسيته.
كما أبرزت مختلف المداخلات أهمية الاستثمار في الكفاءات النسائية، وتوسيع ولوج النساء إلى مواقع المسؤولية واتخاذ القرار، إلى جانب تعزيز آليات التكوين والمواكبة والتشبيك المهني، بما يواكب التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع البحري على المستويين الوطني والدولي.
وفي هذا الصدد، أكدت أسماء بنسليمان، رئيسة جمعية Wima Morocco، أن تنظيم اليوم الدولي للمرأة في القطاع البحري يأتي في إطار شراكة مع ICESCO وعدد من الشركاء، بهدف الاحتفاء بالمنجزات التي حققتها النساء المغربيات والإفريقيات داخل قطاع الاقتصاد الأزرق، وتسليط الضوء على كفاءات نسائية ما تزال حضورها محدودا، خاصة في مواقع القرار ومجالس الإدارة والمهن التشغيلية المرتبطة بالموانئ والخدمات البحرية.
وأوضحت بنسليمان، في تصريح لـ"الصحراء المغربية"، أن النساء يمتلكن الكفاءة والخبرة اللازمة لولوج مختلف تخصصات القطاع البحري، بما فيها المهن التقنية والتشغيلية التي لا تزال تصنف اجتماعيا على أنها مهن صعبة أو حكرا على الرجال، معتبرة أن هذا التصور لا يعكس الواقع بقدر ما يعكس أحكاما نمطية تحد من انخراط النساء في هذه المجالات.
وأضافت المتحدثة ذاتها أن أحد أبرز التحديات التي تواجه النساء المهنيات يتمثل في ضعف الظهور المهني والإعلامي، رغم توفر العديد منهن على مسارات متميزة وكفاءات عالية، مشيرة إلى أن الضغوط الاجتماعية ومسؤوليات الأسرة والأمومة ما تزال تؤثر على فرص وصول النساء إلى مناصب المسؤولية داخل المؤسسات.
وفي هذا السياق، أعلنت بنسليمان عن إطلاق منصة "Africano Women Speakers Platforme"، وهي مبادرة تهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات تجمع الخبيرات المغربيات والإفريقيات حسب مجالات تخصصهن، بما يسهل حضورهن في الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية، ويعزز إبراز تجاربهن المهنية، كما كشفت عن برمجة دورات تكوينية وورشات تطبيقية لفائدة النساء، تتناول استخدامات الذكاء الاصطناعي في تطوير المسار المهني، إلى جانب تقنيات تعزيز الحضور الرقمي عبر شبكات التواصل المهني، مؤكدة أن المنصات الرقمية أصبحت اليوم رافعة حقيقية لبناء الشراكات المهنية وخلق فرص جديدة للنساء في مختلف القطاعات.
من جهته، قال عصام كريمي، المسؤول عن الابتكار في قطاع العلوم والبيئة بـICESCO، إن هذا الملتقى يشكل فضاء للحوار وتبادل الخبرات بين خبراء من عدد من الدول الإفريقية، إلى جانب ممثلين عن المنظمة من مناطق مختلفة، وذلك بهدف إبراز الدور المحوري للمرأة في الاقتصاد الأزرق وتعزيز حضورها داخل هذا القطاع الاستراتيج، موضحا في تصريحه لـ"الصحراء المغربية"، أن الملتقى يندرج أيضا ضمن دينامية إطلاق مبادرة "الابتكار من أجل المحيط"، التي تسعى إلى تطوير قدرات النساء والشباب وتمكينهم من إطلاق مشاريع مبتكرة قادرة على الإسهام في بناء اقتصاد أكثر شمولا واستدامة.
وأضاف كريمي أن المرأة تضطلع بدور أساسي داخل منظومة الاقتصاد الأزرق، سواء على مستوى اتخاذ القرار ووضع الاستراتيجيات، أو على مستوى التدبير اليومي والعملياتي داخل المشاريع والموانئ، مشيرا إلى أن المشاركة النسائية التي عرفها الملتقى عكست تنوعا في التجارب والكفاءات المهنية داخل مختلف تخصصات هذا القطاع.
وشدد المتحدث ذاته على أن تمكين النساء لا يرتبط فقط بالدعم المالي، رغم أهميته، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل تطوير القدرات، وتوسيع شبكات التعاون المهني، وإحداث منصات لتبادل الخبرات والتجارب بين النساء العاملات في هذا المجال، مبرزا أن ICESCO تواصل العمل مع الجامعات والجمعيات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص من أجل ترسيخ مقاربة شمولية تضمن حضورا أقوى للمرأة داخل القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة.
وفي مداخلة لها بهذه المناسبة، أكدت نسرين يوزي، مديرة مراقبة وتتبع أشغال إنجاز مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، أن حضور النساء داخل مشاريع بناء الموانئ والبنيات التحتية البحرية لم يعد مسألة اختيارية، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة هذه المشاريع الاستراتيجية وما تتطلبه من كفاءات تقنية وتنظيمية عالية. وأبرزت أن تدبير الأوراش الكبرى يقتضي الجمع بين الخبرة التقنية، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على تنسيق جهود مختلف المتدخلين لتحقيق أهداف المشروع بكفاءة.
وأوضحت أن تجربتها المهنية في قطاع الموانئ أظهرت أن المرأة قادرة على فرض حضورها المهني وإثبات كفاءتها داخل بيئات كانت تُعتبر في السابق حكرا على الرجال، مشيرة إلى أن الحضور النسائي داخل مواقع التنفيذ والإشراف ساهم في إرساء نوع من التوازن داخل فرق العمل وتحسين جودة التدبير والتتبع.
وأضافت أن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد مرتبطا بإثبات أهمية مشاركة النساء في القطاع البحري، بل يتمثل أساسا في تسريع ولوجهن إلى مواقع المسؤولية، وتوفير فرص متكافئة لتمكينهن من المشاركة في اتخاذ القرار وتطوير كفاءاتهن المهنية، كما شددت على أن الإنصاف لا يقاس فقط بعدد المناصب التي تشغلها النساء، وإنما بمدى إتاحة الفرص بشكل عادل داخل مختلف مستويات التدبير والمسؤولية، داعية إلى اعتماد مقاربة تراعي النوع الاجتماعي في تخطيط المشاريع وتدبير الموارد البشرية، مؤكدة أن الإدماج أصبح رافعة أساسية لتعزيز الأداء والابتكار ومواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع البحري.
كما أبرزت يوزي أن القيادة النسائية تضيف قيمة حقيقية للمشاريع الاستراتيجية، بالنظر إلى ما تتميز به من قدرات في التواصل، والتنسيق، والذكاء العاطفي، وربط البعد التقني بالرؤية التنظيمية، وهي عناصر أساسية لإنجاح المشاريع الكبرى ذات البعد الوطني والإفريقي، وأكدت في الختام على أن المرأة اليوم لم تعد مطالبة بإثبات أحقيتها داخل القطاع البحري، بل أصبحت فاعلا مهنيا أساسيا وقوة اقتراحية حقيقية تساهم في إنجاح المشاريع المينائية والبحرية وفق أعلى معايير الجودة والنجاعة، معتبرة أن تسريع وتيرة الإدماج واعتماد الابتكار يشكلان مدخلا أساسيا لبناء منظومة بحرية أكثر انفتاحا واستدامة وتنافسية.
من جانبها، أكدت سهام فلاحي، مفتشة في المالية ومنسقة وحدة إدارة مشروع تطوير الاقتصاد الأزرق بالمغرب، في مداخلتها أن العديد من النساء يتوفرن على كفاءات عالية وقدرات ابتكارية تؤهلهن لإطلاق مشاريع واعدة، غير أنهن ما يزلن يواجهن تحديات حقيقية ترتبط أساسا بضعف مواكبة المشاريع في مراحل الإعداد والهيكلة، إضافة إلى صعوبات الولوج إلى التمويل وبناء شبكات العلاقات المهنية الضرورية لتطوير المشاريع.
وأوضحت فلاحي أن الرهان اليوم لا يقتصر فقط على توفير الدعم المالي، بل يستوجب بالأساس توفير مواكبة فعلية لحاملات المشاريع، من خلال التأطير والتوجيه وتقوية القدرات، بما يمكنهن من تحويل أفكارهن إلى مشاريع مهيكلة وقابلة للنمو والاستدامة، مشددة على أن الاستثمار في التكوين والتأهيل التقني يشكل مدخلا أساسيا لتعزيز حضور النساء داخل المنظومات الاقتصادية، وتمكينهن من الاستفادة من فرص الابتكار وريادة الأعمال بشكل فعلي.
كما أكدت أن الإدماج داخل القطاع البحري لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ركيزة أساسية لتعزيز الأداء والابتكار ومواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها هذا المجال. وأضافت أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تسريع ولوج النساء إلى مواقع المسؤولية، وتطوير كفاءاتهن المهنية، وتهيئة بيئة عمل أكثر شمولا وإنصافا داخل المؤسسات، مبرزة أن بناء منظومة بحرية أكثر انفتاحا وتنوعا واستدامة يمر عبر الاستثمار في جميع الطاقات والكفاءات، معتبرة أن التنوع داخل القطاعات المهنية يساهم في خلق فرص أكبر للإبداع والابتكار وتعزيز القدرة التنافسية.
وختمت فلاحي مداخلتها بالتأكيد على أن تحديث القطاع البحري يظل رهينا بقدرة مختلف الفاعلين على بناء منظومة مهنية منفتحة تتيح لكل الكفاءات فرص المساهمة في التنمية والتحول الجماعي، داعية إلى تسريع وتيرة الإدماج واعتماد الابتكار كمدخل أساسي لتحقيق تحول مستدام داخل القطاع.