جبال شامخة تكسوها خضرة غابات ممتدة على مرمى البصر طيلة السنة ومياه عذبة تتدفق عبر الوديان والجداول ومناخ معتدل وتراث إنساني متفرد، كلها مؤهلات تجعل من إقليم الحوز واحد من أهم وجهات السياحة الجبلية الإيكولوجية على الصعيد الوطني، قطاع أضحى يستقطب عشاقا كثر ومستثمرين يقبلون بشكل متزايد على هذا النوع من المشاريع.
وسط جبال الأطلس الكبير الشامخة، تبرز جماعة إمليل القروية، التابعة لإقليم الحوز، على بعد حوالي 70 كيلومترا من مدينة مراكش، كواحدة من أبرز وجهات السياحة الجبلية في المغرب، إذ تستقطب سنويا أعدادا متزايدة من الزوار المغاربة والأجانب الباحثين عن الأصالة، والمناظر الطبيعية الآسرة، والتجارب الإنسانية الفريدة، لقضاء عطلة الصيف، واكتشاف معالم الطبيعة وخصائصها والتجول بين أحضانها والاستمتاع بمناظرها التي قلما تجدها مجتمعة في مكان واحد.
وبفضل وديانها الخضراء، ومساراتها المتعرجة المؤدية إلى جبل توبقال، أعلى قمة في شمال إفريقيا، ومناخها المعتدل حتى في فصل الصيف، تحولت إمليل من مجرد محطة نحو تسلق الجبل إلى مركز سياحي متكامل، حيث يوفر الإيواء والمطاعم والصناعة التقليدية والخدمات المرتبطة بالمشي وتسلق الجبال مصدر رزق لجزء كبير من الساكنة المحلية.
وما يزيد توافد السياح المغاربة والأجانب على المنتجع الطبيعي إمليل، ما يوفره الطبخ المحلي من أطباق متنوعة وما يشتمل عليه من وصفات تعتمد على منتجات مجالية طبيعية ليجد الكل متعته في تذوق الأطباق المحلية ومختلف الوجبات القروية.
إمليل التي جمعت كل المحاسن، لم تعد كما ألفها الزوار، منتجع على سفح جبل توبقال، كان يغري أهل مراكش، والمدن المجاورة بالمكوث أيام وليال، فقد هذا الحسن، وانخرط بعض أصحاب الشقق المفروشة المخصصة للكراء اليومي في هستيريا الجشع، الذي يقتل ببطء السياحة الداخلية، ما إن تقصد صاحب شقة مفروشة للكراء، إلا ويرفع سقف السومة الكرائية إلى رقم لم يعد الزائر والأسرة أن تتحمله، وتعجز عن توفير قضاء ثلاثة أيام في هذا المنتجع الذي يحمي الزائرين من مغبة الحرارة، في هذه الأيام التي ارتفعت إلى معدلات قياسية.
أحمد البوعاوي رجل تعليم اعتاد على زيارة هذا المنتجع الجبلي كل سنة، قال في حديثه لـ «الصحراء المغربية»، إنه يقضي وعائلته الصغيرة أياما قد تمتد إلى أسبوع، لكن هذا الصيف بات الأمر مختلفا، أينما وضعت يدك تخرجها ملتهبة من حرارة الأسعار، التي كشرت عن أنيابها، فالشقق المفروشة المخصصة للكراء تضاعفت سومتها، وهذا يضرب في مقتل السياحة الداخلية، التي لا بد حسب تعبيره، من سن سياسة عمومية، وتوحيد سومة الكراء، لأن الأمر مبالغ فيه، كما أن الحاجيات الضرورية للزائر الذي ألف أسعارا معقولة، باتت هي الأخرى تلهب الجيوب، مضيفا أن الشراهة هي عنوان أهل المنطقة.
من جانبه، فسر مصطفى وهو صاحب شقق مفروشة للكراء، أن الأمر عادي وأرجعه إلى الإقبال الكثيف على هذا النمط من السكن، والكثير من الزائرين يقومون بالحجز مسبقا، وبثمن معقول، وأضاف أن أصحاب هذه المنازل لهم زبناؤهم من الجالية المغربية وكذا سائر الزوار، مبرزا أن قانون المنافسة يفرض عليك أن تقدم خدمات في المستوى، ضاربا مثلا في ذلك بقوله زد الما زد الدقيق.
وأرجع الزوبير بوحوت الخبير السياحي أسباب غلاء تكاليف السياحة الداخلية خلال فصل الصيف إلى ضغوط متداخلة تؤثر بشكل مباشر على العرض والطلب وتفاقم كلفة العطلة بالنسبة للمواطن المغربي، خصوصًا ذوي الدخل المتوسط والمحدود.
وأوضح بوحوت، في تصريح لـ»الصحراء المغربية»، أن من ضمن هذه العوامل الضغط الناتج عن مغاربة العالم، الذين يتوافدون بأعداد كبيرة على البلاد خلال فصل الصيف، ما يرفع الطلب على الخدمات السياحية بشكل حاد، إضافة إلى سلوك المستهلك المغربي، الذي غالبا ما يؤجل الحجز السياحي إلى اللحظات الأخيرة، ويفضل السفر خلال العطلة الصيفية، التي تعد الأطول في السنة، وتتزامن مع فترات عطلة في عدد من الدول، ما يفاقم ضغط الطلب.
وأشار إلى أن المواطن المغربي، وخصوصًا العائلات، يبحث عن منتوج سياحي يتماشى مع عاداته الاستهلاكية وقدرته الشرائية، وهو ما لا توفره العروض الحالية في كثير من الحالات، ما يدفع فئة واسعة من الأسر إلى «عزوف شبه تام» عن السفر داخليًا خلال الصيف.
في المقابل، أكد بوحوت أن العائلات القادرة على السفر تفضل أحيانًا السياحة الخارجية، خاصة إلى وجهات مثل جنوب إسبانيا، حيث تتوفر على عروض مناسبة من حيث السعر والجودة، «فعلى سبيل المثال، يمكن لأسرة من خمسة أفراد أن تجد شقة سياحية بـ120 يورو فقط، ضمن مناخ تحرري وعروض ترفيه وتسوق بدون ضرائب».
واعتبر الخبير السياحي بأن هذا الواقع، حيث يفضل بعض المغاربة منتوجًا خارجيا أرخص وأجود، يجب أن يدفع المسؤولين، خصوصًا على المستوى المحلي، إلى التفكير الجدي في حلول واقعية ومستدامة لتطوير السياحة الداخلية، حتى تصبح أكثر قدرة على تلبية تطلعات المواطنين، وتنافس فعليا العروض الأجنبية.
وختم بوحوت تصريحه بالتأكيد على أن السياحة الداخلية تمثل حوالي 30 في المائة من ليالي المبيت المسجلة رسميا، لكن هذه النسبة تشمل فقط الفئات القادرة على تحمل الكلفة، أما الفئات الأخرى، فهي إما تقاطع السياحة أو تبحث عن بدائل خارجية أكثر إرضاء.
وخلال زيارة لأكبر شلال بالمنتجع الجبلي، الذي يغري الزائرين بمائه العذب البارد، صادفت «الصحراء المغربية» وفدا من السياح الإسبان، وتبين من خلال لهجتهم أنهم ينتمون إلى الريف الإسباني، كانت وجهتم قمة توبقال، أخذوا صورا جماعية قرب الشلال ووثقوا هذه اللحظات بكاميرات فيديو، وهم يغنون ويرفعون العلم الاسباني، إلى جانب بعض شباب المنطقة الذين يصاحبونهم في هذه الرحلة الاستكشافية وكل هاو تسلق الجبل مسنود على عصا رياضية وعدة التسلق.
حسن نسيم، مسير نزل في إمليل، أوضح في تصريح لـ»الصحراء المغربية» أن مؤسسته تستقبل كلا من الراغبين في تسلق جبل توبقال ومن يبحثون عن إقامة هادئة.
وتابع قائلا «نوفر غرفا بسيطة، ومراقد للمجموعات، ووجبات منزلية تعتمد على المنتجات المحلية. أغلب العاملين لدينا من أبناء إمليل أو القرى المجاورة، وهذا أمر مهم لإبقاء العائدات الاقتصادية داخل المنطقة».
ويعد هذا النزل، الذي غالبا ما يكون ممتلئا في مواسم الذروة، نقطة انطلاق لرحلات نحو مواقع شهيرة مثل سيدي شمهروش أو الهضاب العالية المطلة على مناظر بانورامية لسلسلة الأطلس الكبير.