في ظل الطفرة الرقمية المتسارعة، وما أفرزته من تحولات عميقة في أنماط إنتاج وتداول المحتوى، يطرح سؤال حماية حقوق المؤلف نفسه بإلحاح، خاصة أمام سهولة النسخ والنشر وإعادة الاستغلال عبر المنصات الرقمية، ولتسليط الضوء على الإطار القانوني المنظم لحقوق المؤلف بالمغرب، وحدود مواكبته للتحديات الرقمية، وأشكال الانتهاك، ومسؤولية المنصات، وسبل ترسيخ الوعي المجتمعي، حاورت «الصحراء المغربية» الأستاذ لحسن امعلي، الباحث في مجال حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، الذي قدم قراءة قانونية دقيقة ومتكاملة في الموضوع.
بدايـــة، كيــــف يؤطر القانـــون المغربـــــي حقــــــوق المؤلـــــف،
وما طبيعـــــة هـــذه الحقــــوق؟حقوق المؤلف تترتب عن المصنفات الأدبية والفنية، وهي تنقسم إلى نوعين أساسيين، أولهما الحقوق المعنوية، وهي حقوق لصيقة بشخص المؤلف، تمنحه سلطة التحكم في مصنفه، من حيث نسبته إليه، وتحديد طريقة ومجال نشره واستغلاله، وثانيهما الحقوق المادية، التي تخول للمؤلف حق استغلال مصنفه ماليا، والحصول على مقابل مادي نظير هذا الاستغلال.هل يواكب الإطار القانوني المغربي الحالي تحديات حماية حقوق المؤلف في البيئة الرقمية؟لا شك أن البيئة الرقمية أفرزت تحديات حقيقية، أبرزها سرعة النسخ والنشر، والتداول الواسع للمصنفات المحمية دون إذن، بفعل التطور التكنولوجي الذي بات يستوعب عددا هائلا من المصنفات، بل ويقوم أحيانا بتوليد مصنفات جديدة دون ترخيص من المؤلف أو من هيئات التدبير الجماعي، ما يحرم المؤلف من مكافأة مشروعة، ويعد شكلا من أشكال الاستغلال غير المشروع. القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، كما تم تعديله وتتميمه بموجب القانون رقم 66.19، واكب هذه التحديات، خاصة عندما نص في البند 31 من المادة الأولى على مفهوم حق الاستغلال، باعتباره كل حق يمكن المؤلف من استعمال مصنفه لتحقيق عائد لفائدته، سواء قام بذلك بنفسه أو بواسطة الغير بناء على ترخيص منه، ومهما كانت وسيلة أو طريقة الاستغلال.
ورغم أن القانون 2.00 لم يتناول صراحة البيئة الرقمية، فإن القانون 66.19 جاء ليؤكد بشكل صريح أن أي نقل للمصنف الأدبي أو الفني، سواء بالبث أو النشر أو إعادة الاستنساخ أو إعادة الإنتاج داخل البيئة الرقمية، يقتضي الحصول المسبق على ترخيص من المؤلف، وفي غياب هذا الترخيص، فإن تحميل أو نقل المصنف عبر شبكة الأنترنت يعد تصرفا غير قانوني.ما هي أبرز أشكال انتهاك حقوق المؤلف في البيئة الرقمية؟يمكن إجمال أكثر أشكال الانتهاك شيوعا فيما يلي: تحميل الأعمال الإبداعية من الإنترنت دون إذن المؤلف أو خلفه، ومشاركة المحتويات الأدبية والفنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون ترخيص من أصحاب الحقوق، واستغلال المصنفات الموسيقية والسمعية البصرية في إنشاء فيديوهات أو محتويات رقمية دون تمكين المؤلف من مكافأة مشروعة تتناسب مع الأرباح المحققة.هل يعــد إعـــادة نشر المحتــوى
الرقمــي مع ذكر المصدر احتراما
كافيــــــا لحقــــوق المؤلــــف؟هنا ينبغي التمييز بين مستويين، من حيث المبدأ، ووفقا للبند 31 من المادة الأولى من القانون 2.00 كما تم تعديله، فإن فلسفة حق الاستغلال تقوم على أنه لا يجوز استعمال المصنف عبر شبكة الإنترنت إلا بناء على ترخيص مسبق، وبالتالي فإن مجرد ذكر المصدر أو اسم المؤلف لا يعد كافيا في حد ذاته.
من جهة ثانية، تمنح الحقوق المعنوية للمؤلف سلطة حصرية في تحديد طريقة ومجال استغلال مصنفه؛ فقد يختار نشره في المكتبات الوطنية أو الجامعية فقط، ويرفض نشره رقميا، أو العكس، وهذه السلطة ثابتة للمؤلف بمجرد إبداع المصنف، وتمنحه الحق في منع نشره عبر الإنترنت إن أراد.
أما الاستثناءات، فتتعلق ببعض الحالات الخاصة، كالاستخدام الشخصي، أو لأغراض البحث العلمي أو التعليم، شريطة ألا يكون الاستغلال ذا طابع ربحي، في هذه الحالات يمكن الاكتفاء بذكر المصدر، أما إذا كان الاستغلال يهدف إلى تحقيق الربح، فيتعين الحصول على ترخيص المؤلف، مع التنصيص الصريح على اسمه.
ما حدود مسؤولية المنصات الرقمية في حمايــــة حقــــوق المؤلــــف؟المنصات الرقمية، مثل يوتيوب وفيسبوك وإنستغرام وإكس وغيرها، تؤدي أدوارا متعددة، فهي تربط الجمهور بالإنترنت عبر خوادمها، وتوفر فضاءات افتراضية لنشر المحتويات، كما تعد أحيانا مصدرا للمصنفات المتداولة.
مسؤوليتها تبدأ من لحظة التحقق من أن المصنفات المعروضة تم نشرها بشكل مشروع، وتنتهي (أو تنتفي) إذا بادرت، فور علمها بوجود خرق، إلى إزالة المحتوى المخالف أو تعطيل الولوج إليه. وتثار المسؤولية القانونية للمنصة في حالتين أساسيتين: أولا، إذا ثبت علمها بأن المصنفات المخزنة أو المتداولة غير مشروعة، ثانيا، إذا لم تبادر، بعد هذا العلم، إلى إزالة المصنفات أو جعل الوصول إليها مستحيلا. وهذا ما يستفاد من المادة 14 من التوجيه المتعلق بالتجارة الإلكترونية، وكذلك من المادة 65-4 من القانون 2.00، التي تقرر قيام المسؤولية القانونية إذا لم يتم تعطيل الولوج إلى المواقع التي تؤوي أعمالا فكرية غير مشروعة.
كيف يمكن ترسيخ وعي مجتـمعي فعلي، خاصة لدى الشباب، بأهمية احترام حقـــوق المؤلــف رقميـــا؟أولا، التطبيق الصارم للقانون، مع الحرص على نشر الأحكام والقرارات القضائية التي تثبت انتهاك حقوق المؤلف، حتى تصل رسالتها إلى العموم، ثانيا، توظيف وسائل الإعلام في التحسيس بأهمية احترام حقوق المؤلف، وثالثا، تنظيم ندوات ومؤتمرات يشارك فيها الشباب، وتعنى بالتوعية القانونية في المجال الرقمي، ورابعا، إدماج ثقافة حقوق المؤلف ضمن المناهج الدراسية، سواء في التعليم الابتدائي أو الثانوي أو الجامعي.