كشفت محاكمة محمد العربي بلقايد عمدة مراكش السابق، ويونس "ب" نائبه الأول، أمس الأربعاء، بغرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش، في قضية الصفقات التفاوضية التي كلفت المجلس الجماعي لمراكش أزيد من 28 مليار سنتيم، عن معطيات مثيرة.
وتكشفت هذه المعطيات عندما واجه نائب الوكيل العام عمدة مراكش السابق ونائبه المتهمين في هذه القضية بخرق المادة 135 من المدونة الجديدة للصفقات العمومية أتناء إبرام الصفقات التفاوضية من طرف المجلس الجماعي لمراكش والخاصة بمؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية "كوب 22".
وأكد نائب الوكيل العام خلال طرحه لمجموعة من الأسئلة على المتهمين، أن الصفقات العمومية تم إبرامها دون إخضاعها لترخيص مسبق لوزير الداخلية، فضلا على أن الصفقات التي تم إبرامها تجاوزت الحاجات الضرورية المتعلقة ب"كوب 22".
وأضاف المسؤول القضائي، أن هذه الصفقات التفاوضية لم تحترم مقتضيات قانون الصفقات العمومية، من خلال إلغاء بعض الصفقات العمومية وحرمان عدد من المقاولات من حقوقهم في الحصول عليها بعد مشاركتهم فيها وفقا للقانون، قبل أن يتم إلغائها من طرف رئيس المجلس الجماعي، ليدخل نائبه الاول في تفاوض أحادي مع شركة بعينها ويمنحها عدد من الصفقات فاقت قيمتها مليارين ونصف المليار سنتيم.
وخلال جوابهما على الأسئلة المطروحة عليهما، برر المتهمين لجوء المجلس الجماعي لمراكش إلى الصفقات التفاوضية المباشرة، بضيق الوقت واقتراب موعد انطلاق أشغال المؤتمر الدولي للتغيرات المناخية "كوب22"، الذي احتضنته مدينة مراكش.
وأكدا أن اعتماد المساطر العادية عبر الإعلان عن الصفقات في الجرائد الوطنية كما ينص على ذلك القانون، وتحديد تاريخ معين لفتح الاظرفة واختيار الشركات المقدمة لأحسن العروض، من شأنها أن تؤخر موعد البدء في الأشغال الخاصة بصيانة الطرق والإنارة العمومية والحدائق وغيرها، قبل انطلاق موعد المؤتمر الدولي المذكور.
وتميزت جلسة المحاكمة، التي استمرت لحوالي أربع ساعات، بطرح مجموعة من الأسئلة على المتهمين من طرف النيابة العامة ودفاع المطالب بالحق المدني في شخص كل من الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان والعصبة المغربية لحقوق الإنسان، خاصة تلك المتعلقة بالصفقات التي تم إبرامها قبيل أيام من انعقاد مؤتمر المناخ “كوب 22” والتي تواصلت أشغالها بعد انتهاء المؤتمر، قبل أن تقرر هيئة المحكمة تأجيل المحاكمة مع تخصيص جلسة خاصة لمناقشة القضية من طرف الدفاع محددة تاريخ 17 مارس المقبل.
وخلال هذه الجلسة، تقدم دفاع العمدة السابق ونائبه بطلب استدعاء والي جهة مراكش أسفي المعزول عبد الفتاح لبجيوي، وهو الطلب الذي رفضته النيابة العامة التي أكدت أنه لا داعي لاستدعاء الوالي السابق على اعتبار أن الذي يربط الأخير بالملف هو رسالة واضحة موجهة لرئيس المجلس الجماعي يطالبه من خلالها بإنجاز صفقات تفاوضية في الأشغال التي لها علاقة بـ"كوب 22"، في حين قررت هيئة المحكمة تأجيل البث في الملتمس إلى حين دون تحديد موعد لذلك.
وسبق لرئيس المجلس الجماعي لمراكش بصفته آمرا للصرف، أن أبرم رفقة نائبه الأول، مجموعة من الصفقات التفاوضية مع عدد من المقاولات، بدعوى طابعها الاستعجالي بالنظر إلى أن مدينة مراكش كانت تستعد لاحتضان قمة التغيرات المناخية "كوب22".
ووفقا لفصول المتابعة وملتمسات الوكيل العام، تمت متابعة محمد العربي بلقايد عمدة مدينة مراكش السابق، بارتكابه لجناية تبديد أموال عامة موضوعة تحت يده بمقتضى وظيفته، ومتابعة يونس بنسليمان نائبه الأول بارتكابه لجناية تبديد أموال عامة موضوعة تحت يده بمقتضى وظيفته، وجنحة استعمال صفة حددت السلطات العامة شروطها.
وكان الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بمراكش، أحال قضية الصفقات التفاوضية على يوسف الزيتوني قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال بالمحكمة نفسها، من أجل إخضاع عمدة مراكش السابق ونائبه الأول لإجراءات البحث والتحقيق ومواجهتهما بالتهم المنسوبة إليهما، حيث أسفر التحقيق عن أدلة كافية لارتكاب المشتبه بهما للتهم المنسوبة إليهما، الأفعال المنصوص عليها وعلى عقوبتها بالقانون الجنائي.
ويعد هذا الملف من بين أضخم الملفات المعروضة على محكمة جرائم الأموال بمراكش، من حيث حجم المبالغ المالية لهذه الصفقات والتي تجاوزت 28 مليار سنتيم، وأيضا من حيث المدة القصيرة التي أبرمت فيها هذه الصفقات التفاوضية والتي لا تتعدى شهرا واحدا، حيث تم توزيع هذه الصفقات على مقاولين "محظوظين" بأثمان خيالية، وصفتها الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب في شكايتها الموجهة إلى الوكيل العام بـ"الإمعان في تبديد المال العام من طرف النائب الأول للعمدة السابق لمراكش".