في سياق التحولات التي يشهدها التعليم العالي، وسعي الجامعات إلى تجديد أساليب التدريس والارتقاء بجودة التعلمات، برزت مبادرات بيداغوجية مبتكرة تعكس الانتقال من التلقين إلى التفاعل، ومن الاستهلاك المعرفي إلى الإنتاج والإبداع.
وفي هذا الإطار، احتضن المدرج 2، صباح أمس الخميس نشاطا أكاديميا متميزا لفائدة طلبة السداسي الثاني بسلك الإجازة في مادة التنظيم الإداري، تحت تأطير الأستاذ حسن توراك، وبمواكبة أستاذة الأشغال التوجيهية شيماء نحان.
وتميز هذا النشاط بطابعه الإبداعي، حيث اختار الطلبة تقديم عرض مسرحي بيداغوجي من إعدادهم وتشخيصهم، في تجربة تعليمية غير تقليدية جمعت بين الفهم النظري والتطبيق العملي، وفتحت المجال أمام الطلبة لتجسيد المفاهيم القانونية في قالب فني تفاعلي.
المسرح كأداة بيداغوجية فعالة
لم يكن اختيار المسرح اعتباطيا، بل جاء باعتباره وسيلة تعليمية قادرة على تبسيط المفاهيم المعقدة وتقريبها إلى الأذهان، فمن خلال الأداء التمثيلي، تمكن الطلبة من تحويل مفاهيم التنظيم الإداري إلى مشاهد حية تعكس واقع الإدارة العمومية، بما يحمله من علاقات وتفاعلات بين مختلف الفاعلين.
وقد جسد العرض مجموعة من الوضعيات المرتبطة بالبنية الإدارية، حيث تم تناول مفاهيم أساسية مثل المركزية الإدارية، من خلال إبراز الفرق بين التمركز الإداري واللاتمركز الإداري، إضافة إلى اللامركزية الإدارية بشقيها الترابي والتقني. وقد ساهم هذا الطرح المسرحي في توضيح الفوارق الدقيقة بين هذه المفاهيم، التي غالبًا ما تظل مجردة في إطارها النظري.
ربط النظرية بالممارسة
ما ميز هذه التجربة أيضًا هو قدرتها على ربط المعرفة الأكاديمية بالواقع العملي، إذ لم يقتصر العرض على المفاهيم المجردة، بل امتد ليشمل تجسيد أدوار مؤسسات وإدارات فاعلة ضمن منظومة التنظيم الإداري، من قبيل المؤسسة الملكية، ورئاسة الحكومة، والوزراء، ورجال السلطة، إلى جانب الإدارات اللاممركزة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.
وقد أتاح هذا التنوع في الأدوار للطلبة فرصة استيعاب كيفية اشتغال الإدارة العمومية بشكل ملموس، وفهم طبيعة العلاقات بين مختلف مستويات السلطة، وهو ما يعزز مهارات التحليل القانوني لديهم ويقوي قدرتهم على استحضار الأمثلة الواقعية أثناء الدراسة أو الامتحان.
تعلم نشِط وتنمية للمهارات
أثبتت هذه المبادرة أن التعلم القائم على التفاعل والممارسة يحقق نتائج أكثر فاعلية مقارنة بالأساليب التقليدية. فالمشاركة في إعداد وتشخيص العرض المسرحي مكنت الطلبة من تطوير مجموعة من المهارات العرضانية، من بينها مهارات التواصل، والعمل الجماعي، والتفكير النقدي، إضافة إلى تعزيز الثقة بالنفس.
كما أظهرت تجارب سابقة لطلبة اعتمدوا هذا الأسلوب تحسنا ملحوظا في أدائهم الأكاديمي، خاصة في ما يتعلق بإنجاز التمارين التطبيقية وفهم الإشكالات القانونية، وهو ما يعكس الأثر الإيجابي للتعلم النشط على جودة التحصيل العلمي.
نحو ثقافة بيداغوجية جديدة
عقب انتهاء العرض، تم التأكيد على أهمية إدماج مثل هذه الأساليب المبتكرة ضمن الممارسات التدريسية الجامعية، لما لها من دور في تحقيق التميز الأكاديمي وتعزيز جاذبية الدروس. فالمسرح البيداغوجي لا يُعد مجرد نشاط ترفيهي، بل هو أداة تعليمية متكاملة تسهم في ترسيخ المعرفة بشكل أعمق وأكثر استدامة.
وقد لقيت هذه التجربة استحسانا واسعً من طرف الطلبة، الذين عبّروا عن اقتناعهم بجدوى التعلم التفاعلي، معتبرين أنه يحقق مردودية عالية من حيث الفهم والاستيعاب مقارنة بالوقت والجهد المبذولين.
مبادرات طلابية واعدة
في امتداد لهذه الدينامية، عبر عدد من الطلبة عن رغبتهم في تأسيس نادٍ طلابي تحت اسم “نادي النجاح البيداغوجي”، بهدف ترسيخ ثقافة الإبداع في التعلم، وتشجيع المبادرات التي تعزز الانخراط الفعّال في العملية التعليمية.
ويعكس هذا التوجه وعيا متزايدا لدى الطلبة بأهمية دورهم كشركاء في بناء تجربتهم الجامعية، وإيمانهم بأن النجاح لا يرتبط بالحظ، بل هو ثمرة للعمل الجاد، والمثابرة، والانخراط الواعي في مختلف الأنشطة الأكاديمية.
وحسب حسن توراك أستاذ القانون الإداري فإن هذه المبادرة تندرج في إطار السعي إلى تطوير أساليب التدريس الجامعي، موضحًا أن "عتماد المسرح البيداغوجي في تدريس مادة التنظيم الإداري يهدف إلى تجاوز الطرق التقليدية القائمة على التلقين، نحو مقاربات تفاعلية تجعل الطالب فاعلًا في بناء معرفته، لا مجرد متلقٍ لها. مضيفا أن تجسيد المفاهيم القانونية عبر مواقف تمثيلية يساعد على ترسيخها بشكل أعمق، ويمنح الطلبة القدرة على استحضارها بسهولة في السياقات التطبيقية، سواء داخل قاعات الامتحان أو في مسارهم المهني مستقبلا.
كما أشار إلى أن مثل هذه الأنشطة تساهم في تنمية مهارات متعددة لدى الطلبة، من قبيل التواصل والعمل الجماعي والثقة بالنفس، وهي كفاءات لا تقل أهمية عن التحصيل المعرفي في التكوين الجامعي الحديث.
وأما الأستاذة شيماء نحان (أستاذة الدروس التوجيهية) فأوضحت أن هذا النشاط يندرج ضمن رؤية بيداغوجية حديثة تقوم على إشراك الطالب في صلب العملية التعليمية، مؤكدة أن توظيف المسرح داخل الحصة الدراسية مكّن الطلبة من الخروج من الإطار النظري الجامد إلى فضاء تطبيقي حي، حيث أصبحوا يعيشون المفاهيم بدل الاكتفاء بحفظها.
وأضافت أن العمل على إعداد العرض المسرحي أتاح للطلبة فرصة تطوير مهارات متعددة، من بينها البحث والتحليل والتنسيق والعمل الجماعي، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على مستواهم الأكاديمي”. كما أشارت إلى أن “تفاعل الطلبة مع هذه التجربة كان لافتًا، سواء من حيث الإبداع في الأداء أو القدرة على تبسيط مفاهيم معقدة في التنظيم الإداري”.
يشار إلى ان هذه التجربة نموذجًا ناجحًا لما يمكن أن يحققه الابتكار البيداغوجي داخل الجامعة، حين تتكامل جهود الأساتذة والطلبة في خلق بيئة تعليمية محفزة، وبينما تتجه الأنظمة التعليمية عالميا نحو اعتماد أساليب أكثر تفاعلية، يظل المسرح البيداغوجي أحد أبرز الأدوات القادرة على إعادة إحياء المعرفة، وتحويلها من مادة جامدة إلى تجربة حية تنبض بالفهم والإبداع.