خفضت الغرفة الجنائية الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، أخيرا، الحكم من ثلاث سنوات إلى سنة واحدة حبسا نافذا، في حق أب متهم بقتل ابنه بعد تعذيبه.
واتخذت الغرفة قرارها بعدما قررت عدم متابعة الأب من أجل جناية "القتل العمد مع سبق الإصرار"، خلال المرحلة الاستئنافية، وتكييفها إلى تهمة "الضرب والجرح العمديين المفضيين إلى الموت دون نية إحداثه".
ووافقت الغرفة بذلك على تخفيض العقوبة بعد تمتيع المتهم بظروف التخفيف، التي التمسها دفاعه أمام المحكمة خلال مرافعته، والمرتبطة أساسا بتدني مستواه المعيشي والفقر، الذي ترزح فيه أسرته.
وجاء اعتقال المتهم (س.ب) بعداعترفاته خلال مرحلة التحقيق معه من طرف عناصر الشرطة القضائية لأمن البرنوصي زناتة بالبيضاء، أنه قاتل ابنه وليس شخصا آخر.
وعبر الأب المتهم عن ندمه لموت الضحية بين ذراعيه نتيجة اندفاعه غير المحسوب، وغضبه المرتبط بالتغييرات، التي طرأت على سلوك ابنه تربويا ودراسيا.
وذكرت مصادر مقربة من الأسرة أن أم الضحية غلب عليها اليأس، وأصبحت حياتها محطمة بسبب موت ابنها من جهة، واعتقال زوجِها، الذي تحول إلى مجرم يقبع داخل القضبان، من جهة أخرى، مخلفا وراءه ثلاثة أبناء دون معيل، كما أشارت المصادر ذاتها إلى أن الضحية لم يتجاوز 15 من عمره، وكان يكبر جميع إخوته.
وتعود تفاصيل الواقعة، إلى مهاجمة الأب لابنه القاصر من الخلف داخل غرفة مظلمة، وتعنيفه حتى أزهق روحه بعد أن فقد الضحية القدرة على الكلام والحركة، واستعان الأب المتهم في تنفيذ جريمته بأسلاك كهربائية سميكة خصصها للتعنيف والعقاب، فيما ظل الابن مكبلا يصرخ ويئن من شدة التعذيب والضرب، ما عجل بموته ولفظ أنفاسه الأخيرة.
يشار إلى أن الضابطة القضائية التابعة للدائرة الأولى بسيدي مومن، كانت توصلت ببلاغ من السلطات المحلية، تشعرها بتجمهر عدد من السكان أمام منزل أحد الأشخاص، الذي توفي ابنه في ظروف غامضة، وعند انتقالها إلى المكان، استقبلها المتهم، وعند استفساره عن ظروف الحادث، أبلغ عناصر الشرطة أن اكتشف أن ابنه، 15 سنة، يحمل آثار عنف في أنحاء مختلفة من جسده، حين عاد صباح يوم الحادث إلى المنزل، وتغيب عنه لليلة كاملة، مضيفا أنه سارع إلى نقله إلى المستشفى المحلي القريب من مسكنه، ليفاجأ بفقدان ابنه الحياة بعدما أبلغه الطبيب أثناء الفحص الأولي الذي خضع له أثناء وصوله إلى المستشفى، مشيرا إلى أنه حمل جثة ابنه الهامدة، وعاد أدراجه إلى المنزل في انتظار مواراته الثرى.
أحيلت القضية على مصلحة الشرطة القضائية لأمن البرنوصي زناتة، التي انتقل عناصرها إلى المنزل، مسرح الجريمة، إذ اتضح لها أثناء المعاينة الأولية أن الجثة تحمل آثار ضرب في الظهر والمؤخرة، نتيجة التكبيل الشديد والضرب المبرح، الذي تعرض له الضحية، وربما هو السبب وراء مفارقته الحياة.
وعثرت عناصر الشرطة، بعد إجراء التفتيش داخل المنزل على خيوط كهربائية سميكة، تبين أن الأب المتهم أعدها خصيصا للتعذيب، إضافة إلى بعض الحبال المنتشرة هنا وهناك.
وعند متابعة البحث ونقل الجثة لمركز الطب الشرعي من أجل تشريحها، ربط الطبيب الشرعي الاتصال بعناصر الشرطة القضائية، ليطلعهم على نتائج التشريح، التي أظهرت أن الضحية لقي حتفه جراء التعذيب الذي تعرض له، إضافة إلى رضوض كان أصيب بها في الرأس، تسببت له في نزيف داخلي.
عمقت عناصر الشرطة البحث مع أفراد عائلة الضحية، حيث انهارت والدته، لتأكد خلال التحقيق أن زوجها هو مرتكب الجريمة.
وأثناء استجواب الأب للمرة الثانية، أقر بعلاقته بما وقع لابنه، بعد مواجهته بأقوال زوجته، مؤكدا أنه لم يتمالك نفسه، وأخذ يضربه بقوة إلى أن توفي.
وأضاف المتهم في سياق اعترافاته أنه لم يستسغ تصرفات ابنه، الذي امتنع عن الدراسة بعدما عرف بنجابته واجتهاده وأخلاقه الحسنة، وأن عطاءه الدراسي توقف في مستوى الرابعة إعدادي، وحينه لم يعد الضحية حسب الأب يكثرت للدراسة وداوم على الرسوب في القسم نفسه، وعزا الأب في تصريحاته ذلك إلى علاقة الضحية برفاق السوء.
أحيل المتهم على قاضي التحقيق لدى استئنافية البيضاء، وخلال مرحلة التحقيق الإعدادي والتفصيلي، أكد الأقوال نفسها التي أقرها أمام الضابطة القضائية، إذ اعترف بتوجيه الضرب والجرح لابنه وتعنيفه بعد تكبيله، إثر تعثره في الدراسة وتغيبه المستمر عن المنزل.
وبعد إحالته المتهم على الغرفة الجنائية الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، أدانته بثلاث سنوات حبسا نافذا، قبل أن تخفض الغرفة الجنائية الاستئنافية بالمحكمة نفسها، الحكم إلى سنة واحدة، بعد مراعاة حالة أسرة الضحية الاجتماعية والنفسية.