"كون تكلم القاضي بصوت مسموع، كون عرفت واش الإبن ديالي متهم أم بريء فالجلسة تتعب، لأنها غير مسموعة وخا لعموم الناس"، هكذا تحدثت أم متهم وفدت إلى قاعة الجلسات لحضور قضية ابنها، والذي تبين في أطوار جلسة علنية، أنه متابع من أجل الضرب والجرح وحيازة السلاح.
واسترسلت الأم في السياق ذاته تتمنى وتقول لأخرى بجانبها "فحال هاد الأسبوع فحال الفايت.. أنا متأكدة من أن روتين جلسة الأسبوع الماضي سيتكرر بوشوشات القاضي مع مستشاريه، والتي لا يمكن أن تسمعها حتى العفاريت. أما المكلفون بالحراسة فهم من أخبروني عن تأجيل قضية ابني إلى هذا الأسبوع، إذ لم أستطع سماع كلمة ذكرها القاضي، مع العلم أن القضاة يعرفون وضعنا النفسي وبعضهم لا يقوم وللأسف بمجهودات مضاعفة لإيصال معلومات حول مآل قضايا أهالينا".
إلى ذلك استمر الهرج داخل قاعة تحمل رقم 8، وهي غاصة عن آخرها بالحضور وبسلسلة التعليقات التي لا تنتهي، وبالقرب من المنصة القضائية طرق رئيس الجلسة ليطفئ نار الهرج الكثيف داخل القاعة نتيجة للتعليقات الثنائية السائدة، وأعطى موازاة مع ذلك إشارة بيده للدفاع للشروع في المرافعة، والظنين آنذاك لا يزال في حيرة من أمره كأنه يفكر في شيء ما. أما رئيس الجلسة فظل يسأله بلهجة حادة دون أن يسمع جوابا:
"شوف ذراعك..وجهك، مشرط بالموس ومزوق من أثار الضرب، أنت متابع من طرف الوكيل العام من أجل جنحة الضرب والجرح والسكر العلني وحيازة سلاح بدون عذر مشروع، آش تا تقول؟ "
وأجاب الظنين وبقايا الدماء المتخثرة لا تزال عالقة على شعره وأذنيه "أسيادة الرئيس، أنا اللي خاصني ندعيه ماشي هو، ضربني وكانت ردة فعلي أني ضربتو". ابتعد الظنين ذو الوجه المشوه والمتابع من أجل الضرب والجرح خطوات إلى الخلف يظهر عليه الارتباك الشديد. وأتم يتلعثم "الشكاية أسيادة الرئيس كللت بالنجاح ليس لأنني مذنب، فقط لأن البوليس عثروا على سكين في حقيبتي أثناء البحث". الظنين الماثل أمام رئيس الجلسة كان شابا في مقتبل العمر بوجه تملأه الكدمات والخدوش من شدة ما تعرض له من الضرب. لكن غريمه في القضية والماثل كذلك، أمام رئيس الجلسة لم يخل وجهه من علامات الضرب كذلك ما يشير إلى سوابقهما العدلية التي أكدها رئيس الجلسة وهو يتلو مضمون المحضر. إلى ذلك واصل الرئيس استنطاقه للماثل أمامه، وقال "أنت لم تعترف بالتهم الموجهة إليك في المحضر؟"، واستطرد الظنين ينفي عن نفسه المنسوب إليه "لا سيادة الرئيس، الظلم هادا، أنا ضربتو لأنه ضربني"، وإلى ذلك بادره يطرح عليه أسئلة الاستنطاق الروتينية، ودار بينهما الحوار التالي:
القاضي: أنت متهم بجنحة الضرب والجرح وحيازة سلاح والسكر العلني، أش كا تقول في هاد التهم؟
الظنين: هو اللي بدا.. أنا عاودتو وما شعرت حتى ضربتو بموس كنت هازو معايا
القاضي: شكون اللي ضربك حتى ولات حالتك بحال هكذا؟
الظنين: هذا الضرب ديالو أسيادة الرئيس
تمعن رئيس الجلسة في ما دون على السجل العدلي الخاص بالظنين وهو يقول "عندك سوابق في الضرب والجرح واستعمال المخدرات والسرقة". ولم يجد الظنين لنفسه وسيلة للدفاع سوى التزام الصمت، في تلك الأثناء اتجه أحد المكلفين بالحراسة نحو شاب وقال المكلف "رجع.. رجع للخلف.. مالك فين تا تصحاب راسك؟"، فأجابه الشاب متذمرا ورئيس الجلسة لا يكف عن الضرب على المنصة "أنا ما وقفت حتى عرفت راسي ما غادي نسمع والو". وفي مجريات قضية الضرب والجرح المذكورة كان ممثل النيابة العامة قاطع محامي الدفاع قائلا "الظنين كان يحمل سكينا بشهادة الشهود، وهذه قرينة كافية لإدانته من أجل الضرب والجرح، والدليل في هذه الحالة لا يمكن إنكاره، كيف للمتهم أن يكون بعيدا عن حالة التلبس والشهود والشهادة الطبية ومحضر السكر، كلها تفيد بأنه أقدم على هذا الفعل الذي يعاقبه عليه القانون".
وأمام ذهول الجميع، بدت القضية في ما بعد أنها تشبه التمثيلية، لأنها استغرقت وقتا يمكن تفاديه، خصوصا أن خيوط الجريمة انكشفت بعدما أشهر دفاع الظنين تنازلا في وجه رئيس الهيئة القضائية في آخر لحظة. وقال المحامي في السياق ذاته "هذا هو التنازل سيادة الرئيس وألتمس منكم إسقاط الدعوى المدنية والعمومية وتبرئة موكلي من التهم الموجهة إليه".