ظلت والدة المتهم، التي حلت بمقر المحكمة الابتدائية القطب الجنحي قبل ساعة على بدء الجلسة، تنتظر وصول المحامي، كانت في كل مرة تغادر القاعة رقم 2 التي استوطنت أحد مقاعدها لتقف ببهو المحكمة تترقب وصول الدفاع.
لم يتأخر المحامي، وإنما كانت لهفة الأم التي كان ولدها يتابع في حالة اعتقال شديدة التوتر ومتوجسة من عدم وصول من أوكلته للدفاع عنها في الوقت المحدد. وصل المحامي إلى المحكمة قبل انطلاق النظر في الملف، فانشرحت أسارير الأم وولجت القاعة التي تركت حقيبة يدها مستقرة في موضعها قبل مغادرتها للقاعة مخافة ضياع مكانها.
كان محمد، الذي تمكن من الحصول على عقد عمل سافر بموجبه إلى الديار الإيطالية، ثم عاد بعد أشهر معدودة لقضاء بعض الأغراض الإدارية والرجوع مرة أخرى. إلا أن عودته لم تكن ميمونة، إذ وجد في انتظاره شكاية قدمتها فتاة تجاوزت عقدها الثالث، متهمة إياه بالنصب عليها بعد أن أوهمها بأنه سيتزوج بها، إذ تمكن من سلبها تسعة ملايين، قال دفاعها إنه حصل على عقد العمل بإيطاليا بعد نيله لهذه الأموال.
نفى الظنين الذي مثل في قفص الاتهام، بعد أن قضى قرابة الشهر معتقلا، أن يكون نصب على المشتكية، بل أكد أنه كان ينوي الارتباط بها شرعا، عن طريق الزواج، وإن اعترف بأنه تأخر في إخبار زوجته برغبته في التعدد ونيل إذنها، لأن هذه الأخيرة كانت حبلى في شهرها الأخير، وكان ينتظر أن تضع مولودها لكي يفاتحها في موضوع زواجه.
لم ينف المتهم أنه تسلم من المشتكية مبلغا ماليا منحته إياه برضاها من أجل اقتناء الأثاث المنزلي، واشترى منه ثلاجة، وإنما صرح بأن المبلغ الذي تسلمه كدين من المشتكية لا يتعدى خمسة وأربعين ألف درهما، خلافا لما ادعته هي، قال بخصوصه إنه تسلمه على سبيل السلف، واعترف أنه مدين لها بهذا المبلغ ولا ينكر عدم نيله منها.
تشبت دفاع المشتكية بالدفع بأن نية النصب واردة في تصرف المتهم، الذي ترك المشتكية معلقة وهاجر إلى إيطاليا، وأنه نصب عليها وسلبها أموالها بعدما كانت تظن أنها تساعده في فتح بيت جديد يأويهما معا في إطار شرعي، وهو ما اعتبره الدفاع تسبب في أذى للمشتكية، وخلف لها آثار نفسية، بعد أن توسمت في سائق الطاكسي – الذي ساعدته ماديا- الخير، وقالت إنه زوج المستقبل الذي سيكون سندا لها في هذه الحياة.
كانت أسئلة القاضي الموجهة للمتهم مركزة تروم الوصول إلى الحقيقة لمعرفة تفاصيل الواقعة، إذ استفسره عن اليوم الأول للقاء بينهما، وكيف تطورت العلاقة إلى أن تمكن من الحصول على أموالها، التي لم ينف استفادته منها والحصول عليها.
وأجاب المتهم على جميع الأسئلة الموجهة إليه، حتى المحرج منها، بعد ذلك انتقل القاضي للاستماع إلى تصريحات المشتكية
القاضي : مالك مع هاد السيد
الضحية : دا لي فلوسي آسيدي القاضي
القاضي : شحال دا ليك 9 مليون ونص
القاضي : واش داهم ليك ولا اعطيتيهم ليه من خاطرك
الضحية : كاين شي حد آسيدي القاضي كايعطي 9 مليون من خاطرو
كانت أقوال الضحية، مخالفة لما ادعاه المتهم، محاولة اثبات تعرضها للنصب بعد أن سلمت تسعة ملايين ونصف لمن كانت تظن أنه زوج المستقبل الذي غادر المغرب بعد أن نال مبتغاه المادي.
خلت الهيئة للتداول فأصدرت حكمها القاضي بإدانة المتهم بشهرين سجنا نافذا، وهو الحكم الذي استبشرت له أسرته واعتبرته منصفا لابنها الذي تنتظره أوراق الإقامة بإيطاليا التي إن لم يسافر في غضون الأيام القليلة المقبلة ستضيع منه. ولم تستسغ المشتكية وأسرتها الحكم واعتبروه مخففا، ولم يشكل عقابا حقيقيا لما صدر عن المتهم من أفعال.
بين الجموع التي حضرت لمتابعة هذا الملف جلس سعيد ينتظر دوره في المثول أمام القاضي رفقة قريب له وشخص ثالث كان له دور حاسم في الوجود في هذا المكان، وعيون بعض رجال الأمن تراقبهم داخل قاعة شاسعة ضاقت بالحضور الذي ملأ أرجاءها إلى درجة بقي البعض منهم خارج الباب.
حضر سعيد إلى مدينة الدارالبيضاء، للحصول على تأشيرة الهجرة إلى الديار الإنجليزية، بعدما أسعفه الحظ في الحصول على زوجة انجليزية بات تحقيق حلم الهجرة على يديها وشيكا، والآن هو قاب قوسين أو أدنى من فقدان كل شيء.
وتحول الحلم إلى كابوس مزعج يقضي على مستقبله، الذي مافتئت السوداوية تنجلي عن أفقه، وكل هذا من أجل ليلة سمر ملعونة استقبلته بها الدار البيضاء في أول يوم وطأت قدماه أرضها، إذ دعاه قريب له لحضور حفل عشاء، فحضر إلى بيته وبدأ الاحتفال والسمر، ولعبت كؤوس الخمر بالرؤوس، فاشتعل فتيل النزاع بين سعيد وصديقه صاحب الفتاة حول هذه الأخيرة، انتهى بطرد صاحب الفتاة خارج البيت، فما كان منه إلا أن التجأ إلى أقرب مركز للشرطة للتبليغ عن اختطاف فتاة واحتجازها.
خرجت الشرطة مع المتظلم الذي قادهم إلى البيت فاقتادوا الكل إلى السجن. وتوبع سعيد بمواقعة الفتاة بالإكراه إضافة إلى السكر العلني. بدا سعيد وكأنه يحمل كل هموم الدنيا على أكتافه ولم يهدأ له بال إلا عندما متعه القاضي بالسراح المؤقت وأجل مناقشة ملفه إلى جلسة مقبلة.