وقف العديد من زوار محكمة القسم الجنحي الجديدة بعين السبع بالدارالبيضاء، ينتظرون افتتاح إحدى قاعات الجلسات لتتبع المحاكمات.
كان العديد منهم يحملق يمينا ويسارا، ويتأمل جدران المحكمة وسقفها، الذي يحمل زخرفات جميلة، كما يتأملون أبواب قاعاتها الضخمة، فالمحكمة الابتدائية الجديدة، القسم الجنحي، تختلف كثيرا عن المحكمة القديمة التي كان مقرها بشارع الجيش الملكي، بتنظيمها المحكم. كل شيء داخلها واضح، وتتوفر على تجهيزات متطورة، من فضاء للأرشيف والزنازن، وفضاء للتقديم والتحقيق، وقاعة للمعلوميات، وفضاء للاستقبال والجلسات وكتابة الضبط، وبهو للولوج وبهو للانتظار، وقاعات كبرى وأخرى صغرى للجلسات، وقاعات للمداولة، والشهود، ومكاتب متعددة وواسعة للموظفين بمختلف الشعب، وفضاء للقضاة، وكاميرات رقمية للحراسة، وتجهيزات خاصة بالأمن والسلامة، إضافة إلى مرافق أخرى، جعلتها تستحق لقب "المحكمة النموذجية".
كانت المحكمة ذلك اليوم ممتلئة عن آخرها، متقاضون من مختلف الأعمار، لكن الأطفال والنساء والفتيات الأكثر عددا، يرتدين جلابيب تقليدية مزكرشة، ويجبن مختلف أنحاء المحكمة، في حين، تفترش النساء اللواتي تقدم بهن العمر الأرض في انتظار أن تفتح قاعة المحكمة، وهو ما لا يتقبله رجال الأمن المرابضون بالمحكمة، أو حراسها الجدد المكلفون بالأمن، ويطلبون منهن التوجه إلى خارج المحكمة وانتظار بداية الجلسة.
بعد نصف ساعة تقريبا، فتح عون المحكمة قاعات الجلسات، المصطفة في مكان واحد، خاصة من تنظر فيها القضايا الجنحية التلبسية، كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهرا، حين سارع المتقاضون للحصول على كرسي داخل صفوف الكراسي التي تؤثث فضاء القاعة، فرغم أن القاعة ضيقة قليلا بالنظر إلى قاعات محكمة القطب الجنحي السابقة، إلا أن عددا من الحاضرين استحسنوا الكراسي الخشبية الجديدة المبطنة والمغلفة بالجلد، واعتبروها مريحة أكثر بالمقارنة مع باقي الكراسي الخشبية الطويلة، التي كانت تتوفر عليها المحكمة السابقة.
بدأت القاعة قبل دخول هيئة الحكم وكأنها سوق شعبي، تعالت فيها أصوات النساء والأطفال، قبل أن يتدخل أحد رجال الأمن ليطلب من الحاضرين التزام الهدوء، وهددهم بلهجة حادة أنه لن يتوانى عن طرد أي أحد لا يحترم حرمة المحكمة.
شرع رجال الأمن في إحضار المتهمين، كان عددهم لا يتجاوز 20 متهما، جلسوا جنبا إلى جنب في المكان المخصص لهم، وبدأوا يتبادلون التحايا والإيماءات والإشارات مع ذويهم من الحاضرين، دون أن يثيروا انتباه رجال الأمن.
دخلت هيئة الحكم إلى القاعة بعد زهاء ربع ساعة، ووقف الجميع احتراما لها، وافتتح الرئيس الجلسة، إذ شرع النظر في عدد من الملفات المصطفة أمامه، ويبدو من التصفح السريع عليها أنها تعرض عليه لأول مرة، إذ كان ينادي برقم الملف واسم المتهم أو المتهمين، ويؤخرها إلى التاريخ نفسه الذي حدده سلفا، من أجل مناقشة الملف.
كان من بين المتهمين، وجميعهم في مقتبل العمر، رجل تجاوز السبعين عاما، غطى الشعر الأبيض خصلات شعره المتفرقة بشكل عشوائي فوق رأسه، كان يرتدي جلبابا تقليديا ويجلس ويضع يديه خلف ظهره، ويتبادل الحديث بين الفينة والأخرى مع متهم آخر إلى جانبه في الأربعينات من عمره.
نادى القاضي على المتهم العجوز، وبعد التأكد من هويته، سأله الأسئلة المعتادة، وتلا عليه القاضي التهمة الموجهة إليه، وكانا متابعا بتقديم شيكات من دون رصيد والنصب.
تعالى الصخب واللغط داخل قاعة الجلسات، حيث تساءل عدد من الحاضرين، كيف لهذا العجوز أن يرتكب عمليات نصب أو يقدم شيكات دون رصيد، وهو في هذه المرحلة المتقدمة من العمر، في حين أخرج العجوز منديلا من جيبه، وبدأ يمسح دموعه، فنظر إليه القاضي من تحت نظارته، وسكت قليلا قبل أن يتوجه إليه بالسؤال:
الحاج أنت متابع بالنصب وتقديم شيكات دون رصيد، أش تتقول فهاد الشي؟
المتهم: هادشي الي كتب الله السي القاضي، ماعمرني تخيلت نوصل للمحكمة ولا ندخل للحبس...وشرع في البكاء
القاضي: بلا ما تبكي الحاج، بغيناك غير بشوية تقول لينا اش تتقول في هاد التهمة الي موجهة ليك
المتهم: كنت اسيدي كنتسلف باش ندير لوليداتي علاش يرجعو ويترحمو عليا، لكن هادشي ماكتاب
القاضي: قول لينا اشنو الي طرا باش نعرفو، واش انت كنتي كتنصب على هاد الشركة
المتهم: حاشا السي القاضي، راني حاولت كثير باش نخلص الديون ديالي لكن تغلبت وتقهرت والشركة ما بغاتش تصبر عليا اكثر.
ثم سكت المتهم، وطأطأ رأسه من جديد، فرفع دفاعه يده ملتمسا من رئيس الجلسة أن يعطيه الإذن بالتدخل، فوافق القاضي، ليتحدث الدفاع بصوت عال، مشيرا إلى أن موكله، وبحكم عمره المتقدم، كان يتوجه إلى الشركة المدعية عليه وعلى المتهم الثاني، ليأخذ قروضا وكان يتقدم في مقابلها بشيكات، تبين أنها من دون رصيد، موضحا أن موكله لم تكن له النية المبيتة في تقديم شيكات دون رصيد للتهرب من ديونه، بل لجهله بالقانون وظروفه المادية التي كانت أقوى منه، حين خسرت تجارته التي كان يقترض المال من أجل إنجاحها.
وقاطع دفاع الشركة العارضة دفاع المتهم، بعد أن طلب الإذن أيضا من هيئة الحكم،
وبدا يتحدث بصوت عال، وهو يشرح للقاضي كيف كان يقدم المتهم شيكات من دون رصيد، ولا يدفع ديونه التي قدرت بالملايين، وكان في كل مرة يحصل على قرض جديد، وطالب المحكمة بإجراء خبرة لمعرفة أين صرف أمواله، والسبب وراء عدم تسديد ديونه المتراكمة.
ودار جدال مطول بين دفاع المتهم ودفاع الشركة، فيما وقف المتهم العجوز مطأطأ الرأس ينظر إلى ما يجري داخل بهو القاعة، قبل أن يأمر القاضي بتأجيل القضية للبت في ملتمس دفاع الشركة العارضة.